(*)

أبرزت نتائج الاستشارات الجماعية والجهوية مجددا، وخاصة في المجال الحضري، تقدما انتخابيا كبيرا لدعاة الفكر الأصولي المحافظ، وتراجعا للمؤمنين بالفكر الحداثي حزبيا. وهو المد الذي سبقه ورافقه ما يشبه الهيمنة الثقافية المتأسلمة على العديد من الأصعدة المجتمعية: الإقبال الكبير
على الكتاب الديني والقنوات الدعوية والمواقع الإسلامية، علاوة على أنماط السلوك والملبس والعلائق الاجتماعية.
ويبدو للوهلة الأولى أن هذا المد نتيجة لعمل دؤوب لحركات الإسلام السياسي وأذرعها الدعوية والجمعوية طال المجتمع في عمقه. لكنه أيضا مؤشر دال على تراجع الفكر التحديثي والحداثي، وعلى انحسار التأثير المجتمعي لحملته، مفكرين وهيئات مجتمع مدني وتنظيمات سياسية، بل وعلى عجز عن إنتاج مقاربات ناجعة ذات جاذبية وقوة تعبوية لأسئلة المجتمع من طرف المنتجين الفكريين اليساريين، الأفراد منهم والجماعيين.
ومن ثمة، فلا مناص من مقاربة بعض التيمات المهيكلة لفهم ما جرى من تحول قيمي وفكري في مغرب اليوم، وما نتج عنه من نكوص تمثيلي لقُوى التحديث انتخابيا وجمعويا وضمن مؤسسات التنشئة والتأطير الاجتماعيين. في هذا السياق، التقت الجريدة الكاتب وأستاذ علم الاجتماعد. أحمد شرّاك وأنجزت معه الحوار التالي.

* ما الأسئلة الثقافية والفكرية التي يطرحها هذا المنحى على الفاعلين الحداثيين الفكريين والسياسيين والمنتمين للمجتمع المدني ؟

* إن الأسئلة الثقافية والفكرية الذي يطرحها هذا المنحى، كما وصفْته ووصّفته على الحداثيين والفكريين والسياسيين والمنتمين للمجتمع المدني.. أسئلـة ربما، بطريقة مغايرة لا تخلو من تجاسر ونقد في أفق مستقبل أفضل.. وهي أسئلة في الغالب –في رأيي– متعلقة بإعادة النظر والعمل، وهما مترابطان قد يغلب العمل على النظر.. لأن الحداثيين لهم من النظر أنظار ولهم من الفكر مشاريع.. إن المشكلة ليست في وجود مثقفين ومفكرين وباحثين يتعاطفون مع الحداثة والحداثيين أو منتمين حتى.. إن المشكلة تكمن -في رأيي- هنا بالذات، لأن اليسـار اعتمد على إنتاج خطـاب ثقافي مكثف، وبرع في النقـد عندما كان في المعارضة لمدة أربعة عقود، ولم يكن يضاهيه أحد، رغم أن الدولة خلقت له منافسين مشوشين من الأحزاب الإدارية وجمعيات الوديان والسهول.. وفي المقدمة ممارسة العصا والبطش إلخ.
ولأن اليسار أيضا كان طهرانيا، ويُفضل الخلاص الجماعي على النعرة الفردية ويحلم بسعـادة مجتمعية مشتهـاة، على تحقيق أوضاع اعتبارية لا تخلـو من تضخم فردي.. الأمر الذي بدأت تجلياته في تلك الصعوبات الجمة التي اعترضت المجاهد عبد الرحمان اليوسفي في تشكيل حكومة التوافق، الأمر الذي فاجأ كثيرا من الباحثين والمثقفين، لأن السؤال المحير هو كيف صام الاتحاديون بشكل جماعي دهرا، لكن عندما فطروا، بدأ التهافت على الموائد بشكل مبالغ فيه.. أنا هنا لا أنكر الطموح السياسي الوازن والهادف، الذي عادة ما يكون استجابة موضوعية لكاريزما شخص أو كفاءة أو مهارة معينة. فالذي ينبغي النظر فيه هو وضع الحزب لمعايير متواضع عليها (من المواضعة)، لأن المشكلة -كل المشكلة- هي أن بعض الفاعلين بمجرد ما تنتهي مهمتهم السياسية من استوزار – على سبيل المثال – «يعودون» إلى الحزب ليجلسوا في الصفوف الأولى معَزَّزين بتجربة حكومية؛ وأن أي استحقاق قادم يكونون في الخط الأول، بدون أن تكون هناك دورة تناوبية، بل إن بعضهم إذا تم إبعاده يكون من أول الغاضبين أو المشاغبين أو المنسحبين، تحت شعار مضمر : أكون أنا أو لا يكون الحزب.
إن ما يحزّ في النفس بلغة (سيكولوجية) هو هذا التهافت، حيث إن كل واحد في تجربة التناوب التوافقي، كان يرى في نفسه الأهلية القصوى. ولقد أفرز تشكيل الحكومة التوافقية كثيرا من العتب والغضب والإقالات والاستقالات والتوترات، وبلغت أوجها في المؤتمر الأخير للحزب، وما تلا ذلك من انسحاب وذهاب إلى جغرافية أخرى.

*ما التجليات الأخرى غير الانتخابية لتقدم الفكر المحافظ بجبته الإسلاموية وانحسار الفكر الحداثي ؟

*ترتيبا على الجـواب السابق، يمكن الحديث عن التجليـات غير الانتخـابية لتقدم الفكر المحافظ وانحسار الفكر الحـداثي، وهكذا يمكن وصف امتداد التيار الإيديو- ديني في مقابل انحسار التيار اليساري والحداثي بكونه امتدادا أفقيا اخترق المجتمع في أوساطه الشعبية والمغرب العميق عبر تعبئة تحتية في الأحياء والدروب الشعبية والقرى الهامشية.. وهو لا يبالي بالتعبئة العمودية التي يركز عليها اليسار، فمثقفوه قلة، إلى حد أن الشاعر عبد المعطي حجازي كان قد كتب في مقالة نارية هاجم فيها إخوان مصر قائلا إن تاريخهم لم ينتج لا أدباء ولا كتابا ولا مثقفين (بالمعنى النخبوي) ؛ أنتج فقط شبه مثقف واحد وهو السيد قطب الذي بدأ حياته مجربا للإبداع، وانتهى به الحال إلى الخطاب الأدلجي والدعوي والتيولـوجي الغارق في الظلامية، لأن الإخـوان ما كان يمكن لهم أن ينتجوا حقيقة أو حقائقَ خارج جبَّة التيولوجيا، ومن هنا لقد ناصر المثقفون المصريون حركة السيسي على عهد مرسي.

*ما الآليات التي وظفتهـا الهيئات الحاملة للفكر المحـافظ قصد بسط هيمنتها على المجتمع ثقافيا وسلوكيا، وكيف انتزعت هذه الهيمنة من اليسار الحزبي والفكري ؟

*إن الآليات التي مارسها التيار الإيديو-ديني، مستمدة من صميم خصوصيات خطابه المرتكزة على الدين في الإبلاغ والتبليغ كما أنها معتمدة – كما أسلفت – على منهجية التعبئة الأفقية والتحتية،عبر التغلغل في وسط السكان والإنصات لهمومهم ومساعدتهم ومؤازرتهم عندما تشتد عليهم الأحوال، والتواصل معهم بشكل مستمر.
إن النخبة هاهنا تحتية بامتياز قد لا تفرق فيها بين المستقْطِب والمستقْطَبِ.. في هذه البؤرة يغيب اليسار بشكل شبه كلي، معتمدا على التنظيم العمودي (اجتماعات المكتب السياسي واللجنة الوطنية واجتماعات القيادات المحلية في المدن أو الاجتماعات مع النواب والرؤساء، وانتظام الجريدة الناطقة باسم الحزب)… إلى حد يمكن القول (دون جزم) بأن العمل داخل مختلف القطاعات والرهان على المجتمع المدني ضعيف جدا وأحيانا منعدم في بعض القطاعات. نستطيع أن نزعم أن الحزب فقد تلك الحماسية والطهرانية وممارسة الحلم.. إن الإيديولوجيا في حد ذاتها جاذبية خطابية وحلم لا ينتهي بشرط أن نرعى ونوجه وننظم بشكل لا ينتهي أيضا.

*ما الدور المطلوب من الفاعلين الثقافيين (مؤسسات المجتمع المدني والمفكرين) ومن التنظيمات السياسية ذات المرجعية الحداثية في المرحلة القادمة ليستعيد الفكر التنويري والتحديثي ريادته مجتمعيا ؟

*لا شك أن الديمقراطية لا تستقر على تيار أغلبي في كل الاستحقاقات، وهذا لغزها الطبيعي اللانهائي حيث لا يمكن تفكيك شفراتها بشكل نهائي، ولا يمكن لأي تيار القبض على هذا اللغز بشكل دائم، أقصد أن دورة الإسلاميين لاشك أنها ستنتهي، وستطردهم يوما صناديق الاقتراع بشرط أو بشروط في رأيي:

1- بالتغلغل الشعبي والامتداد الأفقي.
2- تجديد الخطاب اليساري، لم تعد مفهماته ومصطلحاته واكليشهاته لها تلك الجاذبية الساحرة التي كانت في الماضي، حيث ينبغي العمل الجماعي على التجديد والإبداع، وهذه استراتيجية خطابية لابد من العمل الجدي فيها عبر استدعاء خبراء وعلماء من الحقل اللساني والسياسي والسوسيولوجي إلى غير ذلك.
3- الحد من الطموحات الجارفة إلى طموحات هادفة عبر تقليص فعل الذوات إلى فعل الجماعات.
4- الاستفادة القصوى من موتيفات الماضي حين كان الاتحاد سيدا في الوسط السياسي والوسط الثقافي والوسط النقابي والمجتمع المدني، حيث لابد من قراءة نقدية لمسلكيات النماذج السلوكية.
5- الابتعاد ما أمكن عن تلفيظات المزايدة والصراع الشَّخْصَنِي عبر التوجه إلى نقد الأنساق والمنظومات وفي ذات الوقت التوجه إلى العمل.
6- ضرورة تغيير حراك النخب وتجنب ما أمكن مهننة السياسة إلى ممارسة نضالية ناجعة ثم العمل..

*كيف تحولت المدينة المغربية من رافعة للعصرنة والتحديث إلى إقطاعية للمحافظة والتقليد، وهل انهزم اليسار فيها بسبب عجزه عن إنتاج أجوبة فكرية وعملية لأسئلة طبقاتها الوسطى أم بسبب سلوكات وممارسات معيبة بعيدة عن القيم التقدمية وتمثلات عموم المواطنين لنموذج المناضل اليساري ؟

*لاشك أن المدينة العربية والمغربية تعيش حالة ترييف من منظور السوسيولوجيا الحضرية، حيث أن القيم البدوية ما زالت حاضرة في الوسط الحضري على مستوى التمثلات والتصرفات والعادات.. أما تـواري اليسـار على الحضور الحضري في المدن بسبب غض الطرف عنه من طرف الطبقة الوسطى، فهو أمر تعلن عنه نتائج انتخابات الرابع شتنبر 2015، وهذا يدل مرة أخرى على أن العطب موجود في الممارسات التنظيمية لليسار وابتعاده عن الحضور الشعبي في الأحياء الشعبية، كما أن خطابه، وربما بعض سلوكياته لم تعد تقنع هذه الطبقات ومن تم توجهت إلى تصويت تأديبي عبر غض الطرف، دون أن يعني هذا الحال بأنه طلاق مع اليسار.. ولعله درس ينبغي أن يأخذه الفاعلون السياسيون بقدر من الانتباه، ولأن الديمقراطية درس لا ينتهي، فلاشك أن الإسلاميين على رأس هذه الدورة إلى حين. وأنا شخصيا – كباحث – لا أنطلق من مقولة ضرورة تواري الإسلاميين واسترجاع اليساريين للقيادة، أنا في العمق مع الديمقراطية رغم الآلام التي يمكن أن تنتج عنها إذ لم تتوافق مع دهشـة الشخص في امتلاك الحقيقـة السياسية التي تتسم بالنسبية دوما، كما أنني أيضا مع النقد الدافع إلى الأمام عبر تقـوية المشهد الحزبي لا إعدامه وعبر تعميق التنافسية، لأن كعك الديمقراطية، لا يمكن أكله ببلاغة السهل والتواكل وممارسة اللفظوية أكثر من العملية والعمل مع كثير من الطهرانية والنكرانية لرغبات الذوات ومع العمل على تجفيف منابع الارتشاء والشراء وبيع الفاعلين في المزاد السري !
وإذا كانت الأرض واسعة كما كـان يقول المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، فالقول صحيح ومريح أيضا، لأن الانكسار لا يمكن اللوم فيه الهاربين والخارجين عن الحزام لأن المشكلة تكمن بالدرجة الأولى في الخط والفعل والخطاب.. لأن المنسحبين السابقين لم يزعزعوا روح الاتحاد، وكذلك الآن وهنا. فكفى قذفا بمفهمات الماضي وخطاب الجدل وجاذبيات الألفاظ كاتهام المؤتمرين الاتحاديين بكونهم متآمرين ومُمَخْزَنين، هذا خطاب نوسطالجي ولَّى وصناديق الاقتراع المفعمة بأوراق المنتخبين بعيدا عن تلوينها حسب الشهوات والمبتغيات وكفى المناضلين شر التلاسن والمهارشة.. فاليسار لاشك قادم بعد صبر وحين…

(*) عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

  • السبت 17 اكتوبر 2015
  • في حوار مع الكاتب وأستاذ علم الاجتماع د. أحمد شرّاك : امتداد التيار الإيديو- ديني …*حاوره: سعيد عاهد