1-العودة إلى الكتلة التاريخية، بين قوى الاسلام السياسي وقوى اليسار الوطني الديموقراطية، مع التيارات المجتمعية القابلة لمشروعها، يطرح تغير المواقع:
هذه الكتلة، في زمن المعارضة أفلتت الاحتمال، بسبب التحليلات المتضاربة، وأيضا بسبب أولويات المكونات المفترضة فيها: هناك من كان مشروعه الرئيسي هو الدخول إلى المعترك السياسي والتغيير من داخل منظوراته (الحركة التي ستصبح العدالة والتنمية)، وكان مشروعها وما زال هو تطبيع وجودها في مربع العمل الشرعي، ثم تطبيع علاقتها مع المؤسسة الملكية، لاسيما منذ بداية العهد الجديد.
وسيظل مشروعها النهائي المعلن عنه بدون مواربة في وقت سابق دون أن يتم التراجع عنه في أي وثيقة لاحقة، هو إخراج كل مكونات الحقل السياسي (غير الإسلامية، أي العلمانية، اليسارية والتغريبية) من مربع الملكية الأول وتشكيل السند لإمارة المومنين.
في الوقت ذاته، كان جزء من القوى الإسلامية (العدل والإحسان)، هو الطعن في شرعية الحكم،باسم الخلافة على منهاج النبوة و التي التقت في لحظة مع قوى يسارية أخرى، وقتها كانت ترى أن معضلة المغرب هي طبيعة النظام السياسي، في حين أن القوى الوطنية المتمترسة في الكتلة الديموقراطية وقتها، (الاتحاد، الاستقلال، التقدم والمنظمة ) كانت ترى أن الوقت حان لإصلاح دستوري ومؤسساتي تقدمت فيه بمشاريع تعديلية إلى الملك الراحل.. واستطاعت في ظرف 4 سنوات (1992، 1996) أن تفرض تعديلين دستوريين…
ونلاحظ أن الكتلة التاريخية، كانت تقريبا «توسيعا» لمفهوم الكتلة الديموقراطية بإدماج فضائل الاسلام السياسي في حركية القوى الوطنية واليسارية.
ولربما ظهرت الدعوة إليها في تلك الفترة كما لو أنها دعوة إلى نوع«من المؤتمر» الوطني الذي كان وصفة العديد من الدول الخارجة ، إما من حكم العسكر (افريقيا امريكا اللاتينية) وأو من أنقاض المعسكر الشرقي بعد سقوط جدار برلين.
2 – كانت الفترة المشابهة لسقوط جدار برلين، منذ دعوة الفقيد الكبير عابد الجابري هي الثورات الربيعية التي أطاحت بأنظمة صمدت لجدار برلين ولم تصمد لجدار الفايسبوك. وقتها تحققت الكتلة التاريخية، جزئيا، في الميدان، عندما التقت قوى اليسار، كلها تقريبا، مع قوى العدل والإحسان وقوى من المجتمع، بدون الاستقلال وبدون العدالة والتنمية (رسميا على الأقل).
ويمكن القول إن الكتلة التاريخية تقدمت عندما التقت تحت سقف الملكية البرلمانية،بين أطراف، فيها الذي تربى على الجمهورية ومنها من سعى إلى الخلافة ومنها من طور استراتيجية النضال الديموقراطية.
وعليه، يمكن أن نتساءل:هل يمكن اعتبار تحقيق جزء من مطالب الحراك الفبرايري، عبر دستور 2011 فيه تحقيق جزء من برنامج الكتلة التاريخية؟
وهل يمكن أن نعتبر أن برنامجها وصل إلى تغيير مهم في طبيعة الدولة، التي كانت مكوناتها تدعو إلى تأميمها عبر تغيير دستور 2011، في النص على الأقل؟
3 – المحقق الآخر هو أن جزءا من القوى التي كان من الممكن أن تلتقي مع قوى الكتلة المفترضة ميدانيا هي التي خرجت فائزة من الانتخابات التي تلت تلك الهزة، وبالتالي وصلت بدون دعم قوى الكتلة التاريخية إلى الحكم ، بل يمكن أن نقول إن وصولها إلى الحكم، عبر الحكومة كان «بإلغاء« جزئي للقوى التاريخية المتضمنة في مفهوم الكتلة.
والسؤال :هل يمكن لهذه القوى أن تستمر بدون أن يلتهمها مشروع القوى التي فازت بالابتعاد عنها؟
بل هل يعتقد أحد بأن العدالة والتنمية ما زال في حاجة إلى وصفة الكتلة التاريخية ليستمر مثلا في المستقبل وقد حقق تطبيع وجوده وتطبيع علاقته، بل تطبيع فوزه.
4 – يبدو أن الكتلة التي أضاعت فرصة تاريخية للتغيير العميق لبنيات الدولة، لا يمكن اختزالها في المشاركة في الحكومة، إلى جانب «العدالة والتنمية» الحالية، بدون وصفة «تاريخية».
وهو ما يطرح أولا: كيفية دخول اليسار إلى كتلة، هل هو دخول تدبير وتحويلها الى كتلة تدبيرية لا أقل ولا غير أم تحيي التناقض الرئيسي مع القوى المتحكمة في الدولة.. أم تعيد طرح تعريف نفسها ، كجبهة أحزاب لا جبهة وفاق وطني؟
وما هو دور الدولة الجديدة فيها..؟ الخ من الاسئلة التي لا يمكن لمكون اليسار- الذي يهمنا هنا بشكل أقوى لأسباب تاريخية وعاطفية ووطنية أوقى- أن يغفلها أو يعفي نفسه من مناقشتها.
قضايا تبدأ من العلاقة مع الملكية، وصولا إلى مفهوم الدولة المدنية مرورا بالقضية الوطنية، ومفهوم الوطن، والموقف من الاستراتيجية الديموقراطية .. الخ.
طبعا كل ما تقدم من أفكار متواضعة لن تكون في عمق ما قدمه الفقيد الراحل عابد الجابري،بل هو نقاش صحافي حول مفهوم عاش معنا طوال عشرين سنة… أي عمرنا السياسي الافتراضي!
والنقاش مفتوح، بما يخدم البلاد لأن تاريخية أي مشروع لا يمكن أن نقيسها إلا بما يخدم البلاد لا بما تحدده أي خطاطة مفاهيمية مهما كانت متماسكة.
أمامنا احتمال رهيب هو أن يكون الاختيار فقط بين تنويعات القوى الاصولية ويختفي الجابري عندما يصبح أمامنا الفيزازي، والزمزمي و.. ابو حفص والريسوني مع احترامي الشديد لشخصهم ولانتماءاتهم!
وأمامنا المعنى التاريخي للكتلة، التي لا يمكن اختزالها في توزيع الهندسة الحكومية حسب الأصوات وموازين القوى..وأمامنا الموارد البشرية للكتلة التاريخية وشعارها السياسي المركزي، بعيدا عن الترتيبات التي تخضع للظرفية وللتوازنات وللمزاج العام أكثر مما تنبني على مشروع كبير قوامه تغيير الدولة ووضع قواعد اللعبة المتعارف عليها نهائيا وشروط الممارسة الديموقراطية والتوزيع العادل للثروة و فتح الباب أمام الكرامة القصوى للحرية!

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

*الخميس 22 اكتوبر 2015

* كسر الخاطر * عودة إلى قراءة الكتلة التاريخية * بقلم : عبد الحميد جماهري