يبدو الشعب المغربي، بكل تشكيلاته السياسية والايدولوجية والاجتماعية، من بين الشعوب القليلة، إن لم نقل النادرة في الدائرة العربية الإسلامية، التي تفاعلت ، إنسانيا وأخلاقيا وسياسيا، مع الأوضاع الدامية في فلسطين المحتلة، وتطورات الوضعية في الأقصى.
وإذا كان من الثابت أن نشهد رد الفعل الفوري للمغاربة، كلما مست يد الاحتلال وجيوشه الشعب الفلسطيني، في أي من مناطق بلاده وترابه وجسده، فإن الوضع الحالي، يدفعنا إلى قراءة المسيرة، التي نظمتها قوى مدنية وجمعوية وسياسية عديدة من ثلاث زوايا:
1- الزاوية الأولى: هي أن الشعب المغربي، قادر على أن يحافظ للقضية على أولوياتها في أجندة قيمه ومواقفه الإنسانية الكبرى، ولم ينكفيء على قضاياه الوطنية، لأنه استطاع ?بالفعل- أن يتجاوز حالات الاستحالة، التي فرضت على كل الشعوب العربية، بفعل أجندات لاوطنية ولا ديموقراطية، حولت بلادها إلى ساحات حرب أهلية ومواجهات دولية.
وهذا المعطى يدرك المغاربة أن عليهم الحفاظ عليه وتطويره وتحصينه، وأن الإلتزام الإنساني والأخلاقي والاخوي، مع الشعوب المضطهدة، قد يتضرر، إذا ما تضررت الساحة الوطنية، وفرضت عليها أولويات أخرى، غير البناء الديموقراطي والعادل وتحصين المكتسبات.
2- الزاوية الثانية، تتعلق ببقاء مطالب مواجهة التطبيع، الذي يشل حركة المجتمع، أوالدولة، في وقوفها إلى جانب الفلسطيني المضطهد في حقوقه الترابية والثقافية والروحية.
المغاربة في مدينة الدار البيضاء، الذين خرجوا يوم الأحد، تضامنا مع الشعب الفلسطيني، طالبوا حكومتهم بالإسراع في تجريم »التطبيع مع إسرائيل عبر قانون مع وقف كل أشكاله«.
ورغم أن الحكومة المغربية صادقت على الاتفاقية العربية، لمناهضة التطبيع مع إسرائيل، فإن الجمعيات المغربية المناهضة لإسرائيل، ترى في أرقام التبادل التجاري، بين الرباط وتل أبيب خلاف ذلك:حيث أصبح المغرب مع الحكومة الحالية، «سابع زبون إفريقي لإسرائيل، بنحو 60 مليون دولار، خلال 2013 مقابل 17 مليون دولار خلال 2012.
ونذكر هنا بموقف الاتحاد، إلى جانب قوى وطنية أخرى، في دجنبر 2013 عند التقدم بمشروع قانون مشترك لتجريم كل أشكال التطبيع مع إسرائيل.
3- الزاوية الثالثة، هي أن البعد الوطني والديموقراطي في القضية، لم تكنسه المحاولات الحثيثة من مختلف الفرقاء لنقله إلى صراع ديني منغلق، تقوم فيه دولة الاحتلال، بشرعنة تهويد القدس وحرمان الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة من عاصمتها، في حين تسعى الكيانات الأخرى إلى شرعنة وجود الاحتلال عبر شرعنة الصراع الديني حول الوطن.
إن الموقف المغربي، الذي جعل فلسطين قضية وطنية، كان موقفا ذكيا واستراتيجيا، لأنه أنقذ القضية من فخاخ كثيرة، سعت إلى حشرها في الصراع الطائفي أو صراع الكتل بين الأنظمة أو تحويلها إلى أصل تجاري لمختلف القوى التي تتنكر لها عند الوصول إلى الحكم.

  •  عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •    الثلاثاء 27 اكتوبر 2015