تستطيع الدولة أن تنتصر على جزئها المظلم ببناء الحقيقة، كهوية سياسية في العلاقة مع ماضيها، ومع مستقبلها. وتكون القوى الحية، المناضلة ، المساعد الأكبر للدولة في وعيها بذاتها. وهذا المعنى هو الذي قرأه الرأي العام في المذكرة التي رفعها قادة الاتحاد إلى المجلس الوطني للحقوق الانسان حول الحقيقة في ملف الشهيد المهدي بنبركة.
الاتحاد يساعد الدولة على تجاوز عقدها الماضوية ومعتقداتها السياسية والأمنية في ملفات الماضي بالحرص على أن يظل وفيا للشهداء، في الوطن وفي معركة الديموقراطية، وبالحرص على أن تخرج الدولة من رهان الحقيقة قوية، وسليمة وقابلة للمستقبل بدون مخاوف. لهذا ورد في مذكرة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الاستفسارية حول قضية الشهيد المهدي بنبركة، أن »الكشف عن الحقيقة الكاملة لاختطاف واغتيال المهدي بنبركة، سيظل بالنسبة للأجيال الاتحادية بعد نصف قرن من الحظر والتعتيم،أمرا ملحا وخطوة لا مناص منها من أجل الطي النهائي لصفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب».
وذلك لبناء ذاكرة مشتركة للمغاربة قاطبة، تكون ذاكرة الكيان الذي يجمعهم حول الحقيقة ونقد الماضي والتعويض التاريخي والحضاري عن العقود الذي أضاعتها البلاد في نفي معارضيها وشعبها وقادته وقادة رموزه التحررية.
أمام المغرب اليوم فرصة أن يستعيد أحد قادته الكبار، عبر الاعتراف بالحقيقة حول وفاته، بعد أن كانت حياة المهدي بنبركة هديته إلى بلاده في السراء وفي الضراء وحين البأس.
يجب أن يتملك المغرب موت الشهيد كما تملك حياته، وأن يجعل من عطاء نضاله وفكره، جزءا من مجهوداته الوطنية الشاملة في بناء المغرب المتصالح، الذاهب نحو التقدم والازدهار كما أراده الشهيد المهدي ورفاق دربه الوطني قاطبة.
لقد دعت المذكرة الى تقديم نتائج المجهودات في ملف الشهيد، وهو طلب يستحضر أن تلك إرادةٌ وطنية جامعة،وقد نصت على ذلك، عبر التذكير بالتزامات السلطات العليا في موضوع الحقيقة، وهي التزامات تعني غاية الدولة الآن .
لقد أكدت المذكرة علي ما يلي:»إننا نُسائلكم اليوم السيد الرئيس، أين وصلت جهودكم بخصوص تنفيذ التوجيهات الملكية السامية ذات الصلة؟ وماهي الإجراءات التي باشرتموها لإقرار الحقيقة في عدد من الملفات العالقة وفي مقدمتها ملف الشهيد المهدي بنبركة؟ وماهي العراقيل التي واجهتكم في إماطة اللثام عن كافة المعطيات والمعلومات المتعلقة بظروف وملابسات عملية اختطاف المهدي بنبركة وغيرها من عمليات الاختطاف والاغتيال التي كانت تشكل أداة في يد السلطة للانتقام من المعارضة الاتحادية، وتصفية كل القوى الديمقراطية«.، وبذلك تكون مذكرة القيادة الاتحادية من صميم المجهود الذي يقدمه المناضلون لكشف الحقيقة، ولطي صفحة الماضي ولإعادة بناء الثقة في الحقل السياسي وإثبات قدرة البلاد على تجاوز مناطقها المعتمة، والقطع مع الجوهر الاستبدادي لاستماتتها في قمع معارضيها وتصفيتهم.
لقد مضى نصف قرن، هو عمر الاستقلال في البلاد الذي ضحى من أجله المهدي، وثابر بما يملكه من قدرات نضالية وفكرية وعقلية وروحية من أجل أن يحصل المغرب على سيادته وشرعيته الملكية كاملة غير منقوصة.
لقد كان الشهيد يقول إن السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة، وبذلك وضع المدخل الأخلاقي لحل ملفه وباقي ملفات السنوات المشتعلة جمرا ورصاصا. وسنوفيه، ونوفي كل الذين رافقوه في النضال من أجل الشرعية والسيادة الوطنيتين حقهم ، بالاعتراف بحقيقة ما ذهبوا ضحيته، وأن تستطيع البلاد أن تعيش بدون جثة في الغياب.
رسالة الشهيد الى ذاكرة الدولة.. الدولة ككيان وكجهاز في الوقت ذاته.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  • الجمعة 30 اكتوبر 2015