خمسون سنة مرت على اختطاف الزعيم الاتحادي، الشهيد المهدي بنبركة، وما زالت أسرته الصغيرة، إلى جانب كل زملائه ورفاق دربه النضالي والمؤمنين بالفكرة الاتحادية، يطالبون بالكشف عن الحقيقة التي ما زالت محتجبة خلف «سر الدولة» مع ما يرافقه من حجب تورط مجموعة من الدول في القضية.
في ما يلي حوار مع البشير بنبركة، نجل الشهيد، حول ملابسات القضية وتطوراتها والمتورطين فيها، دولا وأجهزة وأشخاصا، وأيضا حول انتظارات العائلة وموقفها من الحواجز الموضوعة في طريق معرفة الحقيقة..

* مر نصف قرن على اختفاء واختطاف الزعيم الاتحادي الشهيد المهدي بنبركة. هذا الاختفاء الذي مازال يعتبر لغزا، حيث ما زالت العديد من الأسئلة، التي رافقت عملية اختطافه، بدون جواب؟ هل مازال لكم أمل في الوصول إلى الحقيقة؟

* ما زالت المعركة من أجل الحقيقة التي تقودها عائلتي مع محاميها الأستاذ موريس بيتان مستمرة مند خمسين سنة. أسئلتنا، وهي أساسية بالنسبة للعائلة، هي اليوم بدون جواب: كيف اختفى أبي؟ أين يوجد جثمانه؟ كل المسؤوليات، سواء التي تتحملها الدولة أو الأفراد، هل هي معروفة؟
لقد أصبح معروفا أن القرار السياسي من أجل وضع حد للأنشطة النضالية لوالدي صادرة على أعلى سلطة في الدولة المغربية، وأنه تم تكليف المصالح المغربية القامعة بالتنفيذ (وزارة الداخلية، الأمن الوطني، الكاب1)، والذي وجد دعما من طرف مصالح أجنبية (مصالح الاستخبارات الخارجية الفرنسية، الموساد الإسرائيلي، الاستخبارات الأمريكية) بالإضافة الى الأشرار. كما تم الإقرار بأن أبي تم طلب مرافقته من طرف رجال شرطة فرنسيين، وتم نقله إلى منزل أحد هؤلاء الأشرار، وهنا اختفى له كل اثر. ومنذ ذلك الوقت، فإن سر الدول المتورطة في هذه الجريمة يحول دون قيام العدالة بواجبها والبحث عن الحقيقة.
وإذا كنا قد انخرطنا في المعركة منذ 50 سنة من أجل الحقيقة في مواجهة هذه الحواجز، فليس من أجل ايقافها اليوم أو غدا ما دامت الإجابة عن أسئلتنا لم تتم بشكل واضح وشامل.
أما التعبئة التي نلاحظها بمناسبة الذكرى الخمسينية لاختطاف والدي، فهي تدعم فكرتنا في السير إلى نهاية هذا الطريق الطويل والصعب، من أجل معرفة الحقيقة.

* بالنسبة إليكم هل المغرب هو الذي أمر بالاختطاف بينما المصالح الفرنسية كانت متورطةـ إلى جانب دول أخرى؟

* بدل «المغرب» أقول السلطة المغربية؛ وكما سبق لي أن ذكرت، فالقرار السياسي بوضع حد للأنشطة النضالية للمهدي بنبركة «بطريقة غير مقبولة» (كما هو مكتوب في تقرر المخابرات الفرنسية) تم على أعلى مستوى في الدولة المغربية. ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي كان فيها المهدي هدفا للنظام المغربي ومخابراته. كانت هناك محاولات مباشرة للاغتيال، وتهديدات وحكم بالإعدام..
وكما في المحاولات السابقة، فإن تنفيذ القرار تم إسناده إلى الذين أبرزوا مقدراتهم في قمع الشعب المغربي في معركته من أجل الديموقراطية، والعدالة والتقدم: وزير الداخلية (أوفقير) الأمن الوطني (الدليمي) والكاب 1 (العشعاشي، ميلود التونزي…).
وهؤلاء وجدوا شركاء لهم في المصالح السرية الفرنسية، وحتى البعض داخل الشرطة الفرنسية، وأيضا داخل الأوساط الإجرامية. والفخ كان هو استدراج المهدي إلى باريس، وهو كان يعتقد أن السلطات الفرنسية لن تسمح بعمل إجرامي من طرف مصالح النظام المغربي فوق ترابها. لهذا فإنه رافق الشرطيين الفرنسيين دون أن يحتاط منهما.
كما تم طلب مساعدة لوجيستيكية من الموساد الإسرائيلي، والذي استجاب لذلك بشكل إيجابي. وبشكل لا يقبل الجدل، فإن الاستخبارات الأمريكية تابعت هذه الاستعدادات بنظرة الرضى، بل بحماس. فالمهدي معارض أساسي للنظام المغربي، وهو رئيس اللجنة الإعدادية لمؤتمر القارات الثلاث الذي كان من المتوقع أن يعقد بهافانا (كوبا)، ويضم ممثلي إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتنينية، وذلك من أجل تنظيم تضامن فعلي بين شعوب هذه القارات الثلاث.

* القاضي الفرنسي المكلف بهذه القضية أراد زيارة ما يسمى المعتقل السري «النقطة الثابتة 3» الذي تنكر وجوده السلطات المغربية، هل هو سجن سري بالرباط؟

* منذ شهادة الإخوة بوريكات بعد مرورهم بمعتقل تزمامارت (سنة 1992) والذي أكدته المشاهد التي أخذها الصحفي الفرنسي جوزيف تيل (سنة 2000). ليس هناك شك في أن النقطة الثابتة 3 هو مركز للاعتقال السري، ويقع خارج القانون وكل مراقبة قضائية. وقد تم الاقرار أن ثلاثة من بين المجرمين الأربعة الفرنسيين المتورطين في الاختطاف تم حجزهم وتصفيتهم، وربما دفنهم بعين المكان. ولقد طالب مختلف قضاة التحقيق الفرنسيين المكلفين بهذه القضية بالتفتيش في هذا المكان، ولم يتم التجاوب مع أي طلب من هذه الطلبات. والمثير هو قرار هيئة الإنصاف والمصالحة ورئيسها الذي لم يدخل هذا المكان والذي يعرف بوجوده، حيث أن «وفدا» من هذه الهيئة عاد منه ولم يتجاوز الباب.
اليوم، لو كانت هناك إرادة سياسية للوصول الى الحقيقة، فإن أولى الخطوات التي يجب القيام بها هو البحث في هذا المكان..

* ألا تعتقد أن هذا الملف في حاجة إلى قرار سياسي، لإزالة كل عمل يعرقل عمل القضاء منذ 50 سنة؟

* منذ 50 سنة، التقت المصالح التي أدت الى اختطاف واختفاء المهدي بنبركة. مصلحة كل القوى الرجعية، النيوكلونيالية (الاستعمار الجديد)، الامبريالية والصهيونية. وقد استمر هذا الالتقاء خلال خمسين سنة بعد هذه الجريمة، واستمرت عرقلة العدالة لمنعها من القيام بواجبها من أجل الوصول الى الحقيقة، وذلك من خلال كل الأشكال الممكنة باسم سر الدول أو مصالح الدول التي تورطت في هذه القضية بطريقة أو أخرى.
اليوم، بعد نصف قرن، هذه العراقيل غير قابلة للتحمل إنسانيا، وغير مفهومة وغير مقبولة سياسيا.
إن بلدين مثل فرنسا والمغرب ليس من حقهما ذلك، ولا يمكنها الاستمرار في هذا الجمود والتملص الذي يحول دون السير العادي للعدالة. وسوف يكبران إذا تحملا مسؤوليتهما حتى تظهر الحقيقة في واضحة النهار وتأخذ العدالة مجراها. ومن المرغوب ومن الممكن أن تبرز هذه الإرادة السياسية من ضفتي المتوسط.

* هل سر الدولة هو العائق الأساسي؟ وهل الأمر يتعلق فقط بالمغرب وفرنسا أم هناك دول أخرى لها يد في إبقاء الوضع على ما هو عليه؟

  *سر الدولة الذي يحول دون عمل القضاء هو متعدد بتعدد الأطراف التي ساهمت في الاختطاف واختفاء المهدي. وهذا السر يعتبر اليوم هو العرقلة الأساسية من أجل بروز الحقيقة. وهذا يمس على الخصوص المغرب وفرنسا مع استمرار سر الدفاع حول وثائق الاستخبارات الفرنسية وسوء النية المغربي في تنفيذ الإنابة القضائية الدولية التي بعثها بها القاضي الفرنسي. لكن سر الدولة يتعلق أيضا بإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
إحدى المقالات التي صدرت مؤخرا بإسرائيل تؤكد ما نعرفه مند 1966 وهو الدعم اللوجيستيكي الذي قدمه الموساد الإسرائيلي إلى الكاب1 وباقي المصالح المتورطة في هذه الجريمة. ورغم أن ذلك قد يبدو متعارضا، فإن علاقات وطيدة مند بداية عقد الستينات تجمع بين استخبارات البلدين، إلى حد أن النظام المغربي منح اسرائيل تسجيلات القمة العربية التي انعقدت بالمغرب، مقابل مساعدته في مطاردة وتصفية المهدي بنبركة. ما نتمناه هو تأكيد أو نفي هذه المعلومات الواردة في هذا المقال.. وحتى الآن لم تجب السلطات الإسرائيلية قاضي التحقيق السيد باكو عن الفرضيات الموجودة بهذا المقال حول طريقة إخفاء جثمان المهدي
وفي الأخير هناك آلاف الصفحات في حوزة الاستخبارات الأمريكية والتي لم تتعرض للتقادم بعد.

*اختفى العديد من الأشخاص والفاعلين المعنيين بهذه الجريمة، هل ذلك يعقد البحث عن الحقيقة في هذه القضية؟

*هناك طرق متعددة من أجل الوصول إلى الحقيقة حول مصير المهدي. هناك ما تتضمنه أرشيفات مختلف مصالح الاستخبارات التي شاركت في الجريمة والتي مازال يحميها سر الدفاع.
هناك أيضا الشهادات. فعدد من «الشهود» المغاربة – أحيانا هم فاعلون- حول ما وقع مازالوا على قيد الحياة. مثلا عبد الحق العشعاشي عميل الكاب 1 كان موجودا بباريس ويعرف جزءا من الحقيقة. وهناك أيضا شخص آخر، هو ميلود التونسي الذي تمت محاكمته غيابيا من طرف محكمة فرنسية، والذي يحمل لقب العربي الشتوكي، وكان فاعلا من الصف الأول، ونسق مختلف مراحل هذا الفخ الذي وقع فيه المهدي بنبركة، ويعرف العديد من النقط المرتبطة بالحقيقة. وبدل أن يعود إلى الضمير، فانه اختار متابعة الأستاذ موريس بيتان محامي العائلة، محامي عائلة الضحية، وذلك بهدف واحد، هو محاولة خنق الملف القضائي المفتوح بباريس.
أشخاص آخرون تم تحديدهم وهم اليوم يتحملون مسؤوليات مهمة في النظام الأمني المغربي، مثل الجنرال حسني بنسليمان، فهو منذ خمسين سنة كانت له رتبة كابيتان وكان بديوان أوفقير. وبهذه الصفة كان مطلعا على ما يجري بباريس، وهو يعرف العديد من جوانب الحقيقة. إن واجبه الأخلاقي وضميره ينبغي أن يدفعا به إلى قول ماذا يعرف عن مصير المهدي.
ومن سوء الحظ بالنسبة للحقيقة، فمنذ عدة أيام اختفى بوبكر الحسوني والمسمى الممرض الذي رافق أوفقير والدليمي والتونزي إلى باريس، وحمل معه إلى قبره جزء من الحقيقة التي كان يعرفها.
في فرنسا، هناك أنطوان لوبيز، وهو اليوم جد مسن. هو أيضا يعرف جزءا من الحقيقة لكن لم تكن له الشجاعة لقول ذلك إلى القاضي.
لا نتمنى أن يغيب هؤلاء الأشخاص واحدا بعد الآخر بدون أن يتحدثوا عن ما يعرفونه. هم يقدمون خدمة لسر الدولة، لكنهم هزئوا من الحقيقة وشتموا الضمير الإنساني. قلت ذلك واكرره أتمنى لهم حياة طويلة حتى يعود لهم الضمير ويتمكنوا من إراحته.

* ما هو الدور الذي يمكن ان يلعبه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ورفاق المهدي في البحث عن الحقيقة في قضية المهدي بنبركة ومن أجل الحفاظ على ذاكرة الشهيد المهدي بنبركة من الهجومات المتوالية عليه بالمغرب؟

  *منذ اختفاء والدي ،حاول النظام المغربي حجب اسمه ومحو صورته من تاريخ المغرب. لكنه لم ينجح. ذلك أن اسم المهدي وأفكاره بقيت متوقدة في ذاكرة المناضلين، واليوم هو جزء من ذاكرتنا الجماعية والشعبية، كما أن هناك شوارعا وساحات ومؤسسات ثقافية تحمل اسمه.
لكن هذا المجهود من اجل الذاكرة مازال غير مكتمل اذا لم يرافقه مجهود مواز من أجل العمل على معرفة الحقيقة. لا يمكننا أن نشرف ذاكرة المهدي واستمرار فكره السياسي بدون نفس القوة والرغبة في معرفة الحقيقة حول مصيره.
إن معرفة هوية من اغتالوه، ومعرفة مكان دفنه ومعرفة كل المسؤوليات المرتبطة باختفائه، لا يمكن أن تكون المهمة فقط مقتصرة على عائلته ومحاميه الأستاذ بيتان والحركة الجمعوية الحقوقية. اليوم ونحن نحتفي بالذكرى الخمسين لاختطاف واختفاء المهدي-نصف قرن- هذا الدعم عليه ان يكون حاضرا، أي الدعم السياسي. فمن أجل تراجع منطق مصلحة الدولة سواء بالمغرب أو بفرنسا علينا ان نكون قادرين على تشكيل قوة مطلبية لها نفس الهدف: معرفة الحقيقة حول مصير المهدي بنبركة ومعرفة مكان دفن جثمانه.
وعلى مجموع الطبقة السياسية الالتزام بهذه المعركة من أجل الحقيقة بدون تردد وبدون خلفيات أو حسابات، حيث تم تضييع وقت كثير وفرص متعددة.
المهدي كان مسؤولا بحزب الاستقلال، وترأس المجلس الوطني الاستشاري التي كان نواة الجمعية التأسيسية والتي لم يعرفها المغرب قط. وبعد ذلك كان من مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وكان عمله السياسي يتجاوز بشكل كبير النطاق الحزبي. وعندما كان يتحمل المسؤولية في حركة التضامن الدولية للعالم الثالث حتى وهو يقوم بذلك باسم الاتحاد الوطني، كان يتم اعتباره كمسؤول شرعي وممثل لكافة الشعب المغربي، يتحدث باسمه ويعبر عن تطلعاته إلى الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتقدم. ولعل ذلك من بين الأسباب التي جعلت النظام المغربي يعجل بتصفيته.
واليوم، أحسن احتفاء يمكن لبلده ان يقدمه له هو تسليط كل الأضواء من أجل معرفة مصيره وتمكين عائلته وكل الذين يريدون تشريف ذاكرته من أن يكون له قبر يمكنهم التوجه إليه من أجل الترحم عليه.

*نشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي

   السبت 29 اكتوبر 2015