يجدر القول بأن الخلاف حول مضمون الفصل الثلاثين من مشروع القانون المالي لسنة 2016 ليس خلافا إجرائيا بسيطا من الخلافات الكثيرة التي تستجد بين الفينة والأخرى في مسار حكومي عادة ما يتميز بالمنعرجات والمسالك الصعبة،بل إنه في تقديري خلاف سياسي يخفي تجاذبا سياسيا قويا بين مكونات نفس الأغلبية،ولا غرو في القول بأن الأمر يتعلق بحجارة من الأحجار التي اعتادت بعض الجهات رميها في وجه حكومة الأستاذ عبدالإله بنكيران،ولا يتعدى دور بعض الأشخاص في هذا التجاذب المخالب التي تسخر لخدش وجه الحكومة.مع كل ذلك فإن المناسبة تحتم الإدلاء بكثير من البيانات والمعطيات التي تزيد في غموض الصورة و تعمق القلق لدى جزء هام من الرأي العام الوطني.
من ذلك إن الحديث يجري عن مبلغ مالي بقيمة 55 مليار درهم مرصودا في صندوق تنمية المناطق القروية والذي سيصرف على امتداد سبع سنوات،وبالعودة إلى نص مشروع القانون المالي لسنة 2016 فإننا لا نجد في داخل هذا الصندوق غير 1,6 مليار درهم، والأغرب من ذلك أننا لا نحد أي تفسير ولا أية برمجة مالية لهذا الصندوق ولا من أين ستأتي الحكومة بأكثر من 54 مليار درهم المتبقية ولا كيف ستصرف كل هذه المبالغ،وعلى أساس أية معايير؟ ويبدو جليا أن كل هذا الغموض يندرج في إطار ما يخطط لهذا الصندوق من أن يتحول إلى صندوق أسود يوضع رهن إشارة الولاة والعمال، كما حدث سابقا ويحدث الآن بالنسبة لجميع المشاريع التي تتطلب تمويلات كبيرة. وهنا يحق أن نسائل حكومة الأستاذ عبدالإلاه بنكيران، ما المانع في وضع هذا الصندوق رهن إشارة رؤساء المجالس الجهوية؟ فالحديث عن دعم الجهوية المتقدمة كان ولا يزال يحتم الإقدام على مثل هذه المبادرات الهامة الكفيلة بنقل المجالس الجهوية من كائنات بدون روح إلى كائنات تشتعل نشاطا وحيوية.
 مهم أن نذكر  بهذه المناسبة أن القانون المنظم لهيكلة وزارة الفلاحة والصيد البحري لا ينص على وجود مؤسسة إسمها صندوق تنمية العالم القروي، بل جدير بالذكر أن هذا الصندوق كان فعلا تابعا لوزير الفلاحة والصيد البحري ولكن الأستاذ عباس الفاسي -الذي يحلو للبعض بنعته أضعف وزير أول عرفه المغرب- هو الذي بذل جهودا كبيرة إلى أن تحقق له سنة 2009 -وهو وزير أول- أن ينقل هذا الصندوق من إشراف وزير الفلاحة والصيد البحري إلى الوزارة الأولى، وارتأى الأستاذ عباس الفاسي آنذاك أن هذا النقل سيعطي للصندوق أهمية أكبر خصوصا وأن خطابا ملكيا ساميا كان قد ألح على تنمية العالم القروي في بحر سنة 2008. ثم إنه لم يكن مقبولا وسيظل غير مقبول أن يرأس وزير من الوزراء مؤسسة يوجد من بين المتدخلين فيها وزراء آخرين من نفس الحكومة، بل إن إشراف رئيس الحكومة يحقق المساواة ما بين جميع الوزراء بدون استثناء.
وحينما تسعى بعض الجهات إلى الردة عن هذا المسار فإنما تحاول جر التجربة إلى الخلف وهي تقوم بدور ما بالوكالة، وهذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ المغرب إذ نتذكر اليوم كيف سعى السيد صلاح الدين مزوار وهو وزير للمالية في حكومة الأستاذ عباس الفاسي إلى التشويش على الحكومة السابقة في أنفاسها الأخيرة وكانت المناسبة أيضا تهم مضمون مشروع القانون المالي؟ وكأن التاريخ يعيد نفسه وتتطوع نفس الجهات للقيام -وبدون كلل- بنفس الأدوار. و في إطار هذه القراءة يمكن فهم موقف وزير الاقتصاد والمالية السيد بوسعيد إذ أننا ولأول مرة في تاريخ الحكومات في العالم نسمع بوزير في حكومة يناصر زميلا له في الحكومة ضد رئيس نفس الحكومة التي ينتمي إليها الوزيران، ووزير الاقتصاد والمالية بهذا التصرف يدوس على أبسط مبادئ التحكيم لدى رئاسة الحكومة، والأغرب من ذلك أن يحتمي الوزير المنتذب في المالية السيد الأزمي في صمت مريب في ندوة صحافية انتهزها زميله في نفس الوزارة للتهجم على رئيس حكومته. والحقيقة أن السيد الأزمي يتحمل مسؤولية كبيرة فيما حدث لأنه هذه المرة لم ينجح في القيام بالدور الذي كان سببا في وجوده في هذا المنصب وهو أن يكون عين بنكيران التي لا تنام في وزارة تكتسي أهمية بالغة وإستثنائية.
الآن حدث ما حدث، ولابد أن تعود الأمور إلى نصابها، ولم يعد ممكنا على الإطلاق بأن يقبل رئيس الحكومة بالأمر الواقع، لأن الأمر لا يهمه بصفته الشخصية بل يتعلق الأمر بصفته الرسمية كرئيس الحكومة وليس من  حقه أن يتنازل عن اختصاص من اختصاصاته المسنودة بقوة الدستور وبالشرعية الانتخابية.
ودعني أختتم بالحديث عن هذه المفارقة العجيبة، فقد بذلت الطبقة السياسية المغربية خلال الشهور القليلة الماضية جهودا مضنية فيما يتعلق بتشريع قوانين مجالس الجماعات المحلية ومجالس العمالات والأقاليم والمجالس الجهوية، ونجحت هذه الطبقة الساسية في تغيير الآمر بالصرف في كل هذه المجالس من العامل والوالي إلى الرؤساء المنتخبين بما أعاد الإعتبار للرئاسة في المجالس المنتخبة، وعوض أن تخضع السلطة التنفيذية لهذا المسار الإصلاحي الذي يقوي المؤسسات المنتخبة، ارتأت أن تعاكس التيار وتعوض للعمال والولاة ما ضاع منهم بأن أسند إليهم وزيرا الإقتصاد والمالية والفلاحة والصيد البحري مهمة الآمرين بالصرف في صندوق تفوق ميزانيته ميزانية قطاعات استراتيجية.

  • عن الموقع الرسمي لحزب الاستقلال
  • السبت 31 اكتوبر 2015