اقرأوا الجواهري، لتجدوا الشهيد!

تقرأ القصيدة، فتشعر أن المهدي حي.
لا شيء لديه ليثبت أين تكمن هِبات الحياة في الغائب ومن الغياب، تشعر فقط أن جزءا ما، في كل مقطع، من قصيدة عبد الرفيع جواهري، يعيش ترتيب الجثمان،عضلة، عضلة، ويبعث العناصر في الجهات الأربع للروح.
الرجل الذي ائتمناه على الفرح، على الغروب والراحلات الجميلات دوما، نضع بين يديه الحزن كاملا، فيعيد ترتيبه، بناء على حقيقة واحدة:
باقة الياسمينْ.. والسلام في حضرة
أول الغائبين..».

أذكر أنه عندما ألقاها في أمسية ذلك اليوم الأكتوبري الأخير بالمعاريف بالبيضاء كيف اهتزت القاعة والشاعر يصيح برخام لسانه، ليذكر بصفة من صفات الشهيد
«السلام على قامةٍ ما انحنتْ
عندما ركعتْ جوقةُ الراكعينْ
السلامُ على صرخة علّمتْ قولَ: «لا»
أمَّة الرافضين
السلام على جمرةٍ
لانزال على نارها قابضينْ
السلام على فكرة لاتزال إذا ذُكِرتْ
تُفزِع الحاقدينْ
ما طوينا الكتابْ
صفحةً، صفحةً
لانزال لها حافظينْ
ما طوينا الكتابْ
كيف نطوي دماً
لانزال على هدره شاهدينْ؟».

أصبحت تلك لازمة ما طوينا الكتاب، نسترجع بها بعضا من أوراق التوت التي سقطت عن الكثير من العورات، بالرغم من التلف ومن الاصفرار الذي يحيط بالعين التي ترى بركات الخنوع في الزمن السياسي المتحول . ونحن الذين بقينا على توقيت الشهيد الأصيل، نبكي ليسخر منا باعة الذهب المحتالون، أنصفتنا القصيدة.
« لم نكن أبدا يائسينْ
إن كَبَتْ خيلُنا…
سوف تأتي خيولْ
وعلى صهواتِ الجيادْ
سنرى فتيةً رائعينْ
من تراب القرى
ودروب المدنْ
سنراهم غدا قادمينْ»..
لا ينام الشاعر ومع ذلك تتراءى الاحلام وفي الاستيقاظة الكبرى لقلبه تحدث الرجة، ما بين الغسق وأحلام ..في ترتيب الزمن لا يكون الماضي مستقبلا، ولكنه يكون حلما، هكذا في درجات الحنين تتسلق الكلمات غبشها، وفجرها ورمانها، كي تكون..
لا خارطة للشاعر سوى ما تنسجه المخيلة، والمخيلة حظ الحقيقة من الزمن السياسي للوحي.
اكتشفت الآن أن عبد الرفيع الجواهري ، في إنشاده القصيدة، ساعدني على هذا الانزياح، ووطأت الزمن السياسي للوحي.
طوبى لمن قرأك …فخرج بيقين أن الشهداء يحفظون للغة أصلها الرباني:علم آدم الاسماء كلها، وخبأها في الكتب السماوية وفي أفواه الشهادة!
من قال ذات يوم إن القصيدة هي في الواقع محاولة لوصف الغياب ، واللامرئي باستعمال لغة الملائكة؟
لا حظ في وحي القصيدة، بل هو ما يرثه الشاعر من موتاه:كانت التفعيلة الصائبة والمجاز الصحيح في جيب القتيل، فيكتشف الشاعر أن العناصر الأربعة، من هواء ونار وماء وتراب ، تنويع فقط للعنصر الخامس:قلبه وهو يجتهد في تحويل الصوت إلى لآلئ..لعل طبيعة أخرى للأشياء ترى النور.
في القصيدة وجد الشاعر القاتل والقتلة..
ووجد «الاسخريوطيين» كلهم متحلقين حول الجسد المصلوب، لكنه وجدنا أيضا:نحن الذين نحبه من القمر الاحمر إلى الأفق الاحمر للشهيد.
الرجل الذي كان يعرف كيف يقيس درجة الحرارة في كل قصة حب مغربية من خلال غرامياتنا المغناة باسمه، يعرف أيضا كيف يشحذ اللغة لكي يخبرنا عن عمق الجرح ودرجة «الآآآآآآآآآآآه» الطويلة في القلب واللغة.
لا يحتاج عبد الرفيع إلى هواء مستعمل لكي تطير قصيدته، إنها تحتاج الأنفاس الاخيرة للشهيد،
فهي أنفاس تتجدد بالذين يحبون عودته الدائمة، لكي تحوم بنا نحن في سماء حقيقية، هي بدورها غير مستعملة..
في هذا التلازم بين الشعر والقضية، ولدت أمة الرافضين، منذ عهد عروة بن الورد والى حين خلد درويش فلسطين في المجاز.

  • عن صفحة “فيس بوك” الخاصة بالاخ عيد الحميد جماهري
  • الاحد 1 نونبر 2015