يشن مسؤولو العدالة والتنمية، بصفتهم الحزبية والحكومية، حربا شعواء ضد المجلس الوطني لحقوق الانسان المؤسسة الدستورية التي عرفها الفصل 161 من الدستور بأنها :» مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها …«. ويبدو أن هناك توزيعا للأدوار بين زعماء هذا الحزب في التعامل مع المجلس منذ صيغته الجديدة (مارس 2011) كامتداد للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان.
بداية كانت هناك خرجات إعلامية، بل مواقف سياسية، أصدرها حزب العدالة والتنمية التي بدا فيها أنه لم يقطع مع هويته كامتداد للشبيبة الاسلامية، والتي كان من تاريخ استعمالها لهذا النوع من الحرب الأصولية أن تلوثت أيادي أعضائها بدماء الشهيد عمر بنجلون . مواقف بشأن تركيبته التي استندت على الكفاءة والخبرة بدل تمثيلية المنظمات والهيئات . وتم خنقه ماديا بترك نفس الاعتماد الذي كان مخصصا للمجلس الاستشاري بالرغم من أن الصيغة الجديدة تميزت باللجان الجهوية الثلاثة عشرة … وتعرضت تقارير المجلس وآراؤه الاستشارية للتبخيس أكثر من مرة من طرف هذا الحزب، ومن طرف أذرعه الدعوية والاعلامية وبرلمانييه …
وحاليا يشن قادة العدالة والتنمية حربا شعواء ضد التقرير الموضوعاتي الذي نشره المجلس بشأن المناصفة والمساواة ، والذي تضمن أكثر من 90 توصية ترى هذه المؤسسة الوطنية أنها مقترحات من أجل تحسين أوضاع النساء ببلادنا، وفتح آفاق لهن في إطار التنمية وإقرار حقوق الانسان. ولم تر أعين هؤلاء من التقرير سوى توصية اِجْتَزأوها من سياقها وعزلوها عن إسناداتها كي يوهموا الرأي العام بأن المجلس الوطني لحقوق الانسان يمس بالدين الاسلامي وبحدود الله .
في نهاية الاسبوع تحدث وزير العدل والحريات في برنامج إذاعي أعيد نشر مضامينه يوم أمس في إحدى اليوميات يقول فيه بأن إدريس اليزمي يسعى لإثارة »الفتنة« بتقرير المناصفة والمساواة . وقبله بأسبوع استعمل رئيس الحكومة رئيس حزب العدالة والتنمية نفس المصطلح بل نفس الصيغة. وقبلهما كانت هناك خرجة لوزير الاتصال الناطق الرسمي للحكومة مصطفى الخلفي الذي قال بأنه يعبر عن رأيه الشخصي والمتمثل في أن توصية الإرث تعد استفزازا، وتتناقض مع روح الدستور .
والملاحظ أن القاموس المستعمل في هذا الموضوع المفتوح للنقاش العمومي والمتعدد هو قاموس يمتح شحناته من التاريخ الدموي الذي أثارته »الفتن« في التاريخ البعيد والقريب للمسلمين. وهو بذلك قاموس يشعل الحرب، ويقسم المجتمع إلى نقيضين لا رابط بينهما، ولا حل للخلاف بينهما إلا بالقتل و»رفع المصحف فوق الأسنَّة« كما علمنا تاريخ الفتنة الكبرى.
لقد كان الأجدى والأجدر أن تناقش القضايا الخلافية في الدستور والسياسة بالمصطلحات الدستورية والسياسية، بعيدا عن الشحن الايديولوجي وبالمصطلحات الحَدِّية، التي لا تتبعها إلا الحرب، حقيقة ومجازا.
فليتحمل كل مسؤوليته.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

*الثلاثاء 3 نونبر 2015