تقديم

التعليم هو بناء علاقة ثقة، ودق ناقوس الخطر بخصوص التعليم هو تجاوز الصراعات الظاهرة والخفية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، أما إصلاح المنظومات التربوية فهو تأسيس التعبئة المنشودة على تحفيز ومسؤولية الفرد والجماعة على حد سواء.
هذه الجمل الثلاثة تعني تأسيس إصلاح التربية والتعليم والتكوين أولاً وقبل كل شيء على شراكة متينة وحقيقية. فعند حصول الاختلالات تزداد حدتها كلما اقتصر أحد الأطراف على الانتقاد والمطالبة والتنديد أو الشكوى، لأنه حتى وإن كان للأنظمة التربوية ضحايا فهؤلاء يسقطون في فخ المنقِذين المزيَفين حين يتصرفون بهذه الطريقة. في الواقع، ليس هناك من طريق نحو تحسين الوضعية غير الالتزام بالسير نحو بديل.
إن إعلان حالة التأهب القصوى بشأن التعليم في المغرب تهدف إلى ذلك، ويستجيب لأسئلة “أين؟”، “متى”؟ و”لماذا”؟, ثم يقودنا بعد ذلك حسب أهداف دقيقة إلى معالجة المآل الذي يجب أن نخصه به.

أين؟
إذا أردنا تبيان تأثير التعليم على مصير أمة، حتماً سنذكر المغرب كمثال، فهو المجال المحدد من قبل علاقات مع المعرفة لحضارة ثم أُفول. هو مجال جامعة القرويين التي شيدتها في القرن العاشر فاطمة الفهرية، ثم “الزاوية” التي يجسدها “بويا عمر”. هو مجال “الطبيب” الذي كان في تلك الأزمنة علامة مثل “ابن بشر” أو “ابن الخطيب”، ثم الولي الصالح، الفقيه، الحجام، العطار أو العشاب. هو المجال الذي جعل منه التنوع في إطار وحدة الطبيعة إمبراطورية، ثم نموذجاً لجلد الذات من خلال ظلامية فاصلة.
لكن الأهم من ذلك أنه مجال لإنذارين كبيرين؛ الأول موجه للسلطة المركزية، فالتاريخ يشهد بكونها تتقوى كلما جعلت من الحرية الأكاديمية ميزتها في حين أنها تضعف عندما تستسلم للظلامية أو الأدهى عندما تسلم التعليم بشكل مباشر أو غير مباشر إلى سلطات أخرى. لأنه على سبيل المثال لا الحصر، كان هذا هو السبب وراء التغلغل الاستعماري مستغلاً في ذلك الهشاشة الصحية. وإثر ذلك، قادت الحماية الفرنسية الإستراتيجية التي أملتها، كما كان متوقعاً، مصالحها. ولأسباب قد يتعذر أو يسهل فهمها، اكتفى المغرب “المستقل” بتدبير الإرث الاستعماري دون الأخذ بزمام أموره حقاً إلى حدود سنة 2015. واليوم تتساءل هذه الدولة حول “ما تحصده” دون النظر في اتجاه ما تستمر في زرعه.
أما الإنذار الثاني، فهو موجه إلى متدخلي ووجوه النظام التعليمي كل على حدة. إذ يتوجه إلى “النخب” التي تعلل خياراً خاطئاً. يتوجه إلى مؤسسات تشريعية وتنفيذية مستسلمة طوعاً للخيارات المحددة. يتوجه إلى منظمات مكلفة تربط الاستثمار في التعليم بمردوديته المالية. يتوجه إلى نقابيين يضعون في الواجهة مطالبهم النقابية التي ليس لها معنى، رغم مشروعيتها، إلا إذا أخذت بعين الاعتبار المصلحة العامة. يتوجه إلى متعهدين اقتصاديين يطالبون بتلاؤم عرض التكوين مع طلب لا يجرؤون حتى على التعبير عنه، من جهة، ودون الإسهام في تدبير النظام التعليمي، من جهة أخرى. يتوجه إلى الأساتذة، إلى التلاميذ، إلى الآباء، إلى أشخاص الدعم الذين صاروا يعتبرون النظام التعليمي مجرد مِصْعَد اجتماعي، ليس إلا.
إن التاريخ القديم وحتى الحديث يحث جميع المغاربة على أن يغير كل حسب ما يهمه وجهة نظره حول الحقوق والواجبات المرتبطة بالنظام التعليمي. وإذا كان لا بد من استخلاص العبرة من التاريخ، فالأجدر تلخيصها في الحكمة الشعبية “لا نحصد إلا ما نزرع”.

متى؟
ترجع فكرة نظام تعليمي وطني إلى غداة الاستقلال، فخلال ندوة معمورة سنة 1964 تم اعتماد الأسس التالية: التعميم، التوحيد، المغربة والتعريب. لكن المرحلة دُبرت في إطار الخط المرسوم من طرف الحماية الفرنسية وإرثها والهجرة المكثفة للأطر الأجنبية التي زادت الطين بلة. إلى حدود سنة 1973 بالضبط، مكن تحسين معدل التعلم مقرون بالملء الجزئي للمناصب الشاغرة أتباع الخيار المقرر من مواجهة الخطابات المعارضة. ومنذ ذلك الوقت، اتفق أولئك وهؤلاء لأسباب مختلفة على استعجالية التغيير. بمعدل مرة كل أربع سنوات، يتم القيام بتلك التغييرات غالباً في إطار توافق وتنديد بالعواقب يؤديان إلى مفاوضات جديدة وإلى تحمس جديد يعقبه تنديد جديد. ويرافق هذا الأخذ والرد وهذا التأرجح في كل مرة انتقادات مطلقة وتوافقات تحمل بذور النزاع نسبياً. في نهاية المطاف،لم يتردد رئيس الدولة، في الذكرى التاسعة والخمسين لثورة الملك والشعب، سنة 2012 في تأبين النظام التعليمي.
تزامن وقت الموقف الملكي مع انتهاء المخطط الاستعجالي 2009-2012 الذي وضعته الحكومة من أجل “إعطاء نفس جديد لإصلاح نظام التربية والتكوين”. حيث عبأ هذا المخطط أكثر من 40 مليار درهم وكان يهدف إلى سد الثغرات الناجمة عن التغييرات التي أُدرجت بعد المصادقة سنة 1999 على “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”. تلك الوثيقة التي تستند إلى “انفتاح النظام التعليمي على محيطه” وتكريس مهنية التعليم كانت منتهية الصلاحية إبان المبادرة الحكومية. حيث كانت تلك الفترة أوان الحصاد المر الذي قلب سوق الشغل رأساً على عقب بفعل الأزمة المالية الأخيرة. وهذا ما تظهره جرأة التشخيص في خطاب أعلى سلطة في البلاد. ومع ذلك، يحق لنا أن نتساءل هل تغيرت ردود الفعل القديمة؟
مثلاً، في التقرير المعنون ب”الرؤية الإستراتيجية 2015-2030″ الصادر عن المجلس الأعلى للتعليم والبحث العلمي، لا يتعلق الأمر، كالعادة، سوى بسد الثغرات الأكثر بروزاً للعيان. أما النقاش المبرمَج من طرف الهيئة المذكورة لا يتجاوز التحسيس بهدف التعبئة لتنفيذ توصياتها. حتى قبل المصادقة الرسمية على هذه الأخيرة، اتخذت الحكومة مبادرات ذات قيمة إستراتيجية حقيقية من قبيل خوصصة التعليم العالي. كما أن التغييرات المبرمجة بالنسبة للدخول الجامعي 2015-2016 في مدارس الطب تأخذ بعين الاعتبار أولاً وقبل كل شيء صعوبات التأطير التي ليس بمقدور المعاهد الجديدة تذليلها. من جهتها، انضمت الأحزاب السياسية والنقابات إلى الرأي العام في التفاعل إيجاباً أو سلباً مع هذه الإجراءات، دون الإتيان بالبديل.
أما توقيت إعلان حالة التأهب القصوى فيما يتعلق بالدراسات الطبية، فيبقى ملتبساً. من جهة، تدق أعلى سلطة في البلاد ناقوس الخطر، ومن جهة أخرى لا تتعدى غالبية الأطراف الأخرى المعنية بالنظام التعليمي عتبة الانتهازية. وإذا مازالت أقلية تحاول تخطي الوضعية الراهنة نحو إصلاح حقيقي، فإنها حتى الآن محيدة من طرف الأغلبية التي تنقسم إلى فئتين يستغلان كل التطورات من أجل تدعيم إستراتيجيات تتعارض مع الخدمة العمومية بالنسبة للأولى، ومصالح عمودية أو خاصة بالنسبة للثانية.
بالرغم من كل ذلك، يفتح توقيت حالة التأهب هاته على الأقل بوابة صغيرة للنهضة التي يحتاجها البلد كي يجعل من التعليم قاعدة انطلاق نحو التقدم.

لماذا؟
إن الانتقال المغربي للمنظومة التربوية يشكل سابقة. فلا من حيث الخطاب ولا من حيث الالتزامات، بما فيها الدستورية، يستمر هذا الانتقال باسم الولوج إلى المعرفة والحق الكوني في هذا الولوج. ولا أحد يجادل، على الأقل علنياً، في قيم مثل الإنصاف أو تكافؤ الفرص أو الانفتاح على العالم المشروط بالحفاظ على الهوية الوطنية، إلى درجة أننا يمكن أن ننعت المشهد المترتب عن ذلك بالجديد فعلاً علينا.
بيد أن نفس الانتقال ليس استثنائياً ولا غامضاً، إذ هو مجرى طبيعي لمسار غير طبيعي خاص، على الأقل من حيث تصور الإستراتيجية الجاري بها العمل.الواقع أن الأنظمة التعليمية توجه -بدرجات متفاوتة- في المعنى باسم التنشئة الاجتماعية نحو التدجين، وباسم التأهيل نحو التطبيع مع طلب سوق الشغل خصوصاً. إضافة إلى ذلك، تلتقي إجراءات دعم هذا المسار في نشر وتثمين معرفة الاستهلاك، من جهة، والاحتفاظ بمعرفة الإنتاج أو الضغط، من جهة أخرى. فحول هذين المحورين تدور وتتشكل الحقوق المعترف بها دولياً، أما الموافقة الناجمة حولهما فترتكز على إيهامات وتواطؤات.
أكيد أنه من السهل زرع الأوهام والحفاظ عليها لدى المحتاجين أكثر من غيرهم، لأنها ترتبط بوعود الولوج، شريطة تصحيح بعض الثغرات، إلى “سلع” وخدمات تزداد إغراء يوماً بعد يوم. أما التواطؤات فهي يحصل بشكل شبه ممنهج بين طرفين اثنين، واحد يملك ما يسمى “عصب الحرب” والآخر ترسانة المعرفة المنتقاة حسب إستراتيجية الآمرين الناهين.
إن السبب (لماذا؟) الأكثر وضوحاً لإعلان التأهب في حالة الدراسات الطبية يُستنتج ليس من التوظيف الذي تخضع له المعرفة على الصعيد العالمي ولكن من المقاومة الواعية أو اللاواعية التي يبديها أبناء جلدتنا نحو الأخذ بزمام أمورهم بأنفسهم.
تعتبر إحدى الحجج التي يُدفَع بها عن اقتناع أو بدونه من الخطورة بمكان. ويتعلق الأمر بالاقتداء بنماذج أجنبية، في حين أن أصحاب هذه النماذج أنفسهم يجزمون أن أزمة المنظومة التربوية ضربتهم بدورهم. وواهم كذلك من يعتمد على النقل المجاني إلى الآخر للسلاح الأكثر خطورة في التنافس بين الأمم، ألا وهو المعرفة.
“لماذا” هذا هو الموضوع الأكبر الواجب التطرق إليه عاجلاً.

مغزى حالة التأهب في الدراسات الطبية

حالة التأهب في الدراسات الطبية ناتجة عن تشخيص مزدوج. فمن جهة، يقدم المجال الذي تتوجه إليه الحجة، دون أخذها بعين الاعتبار، على أن السِلم والرفاه يتأسسان على جودة المنظومة التربوية؛ ومن جهة أخرى، وبغض النظر عن الالتزامات الوطنية والكونية في أحسن الأحوال، تؤكد جميع المؤشرات المثبتة والمعترف بها، أي الحقيقة، تعاظم التباينات المجالية والاجتماعية الناجمة عن التقنين الجاري للولوج إلى المعرفة. وقد أسفرت هذه التفاوتات المحددة في القرن الواحد والعشرين عن فوضى تضر ليس فقط بالتوازنات الاجتماعية ولكن الطبيعية أيضاً. فلا المال الذي لا يستطيع شراء كل شيء ولا القوة التي لا تستطيع هزم كل شيء قادران على تغيير منطق الطبيعة. بعبارة أوضح، لا يوجد أي ملاذ سوى لجوء أكثر وعياً وتماسكاً إلى المعرفة لتفادي تفاقم النقص الحاصل ولإعادة النظر في شروط عيش الأجيال القادمة.
غير خاف أن المهمة التي تتجلى تستدعي، لإصلاح التربية والتكوين، مقاربة تشخيصية وطريقة شمولية ومندمجة؛ أي مقاربة سببية حيث تمثل نقط الضعف المحددة والمخفية عواقب خيار ممنوح ومتقبَل على الأقل بشكل ضمني. لإنجاز الأفضل، ليس هناك من بديل غير التصديق على توجه الأهداف والوسائل المستعملة لتحقيقها. إذ من واجب المجتمع التعبير وتحمل مسؤولية قراراته في نفس الآن، لكن على الطرف المؤهل في مجال التعليم أن يسهر، في إطار تعاقدي، على وضع تصور وإنجاز التغييرات المزمع إجراؤها. مما يعني خصوصاً التحرير المراقب لمجتمع العالم الأكاديمي من أي تدخل متعلق بتفاصيل مهمته. وهذا يعني في المرحلة الأولية للتوجه الجديد المصادقة النقدية على المفاهيم المؤسسة للخط الموجه للتربية والتكوين. ففي الطب على سبيل المثال، لا بد من مراجعة كل شيء.
أكيد أن هذا التخصص يهدف، شريطة توفر التكوين المناسب، إلى العيش أفضل، لكنه يخضع للتعريف السوسيو-ثقافي الكوني للصحة باعتبارها “العيش الرغيد التام الجسدي والاجتماعي والنفسي”، مما يعني ليس فقط انعدام أي مرض أو إعاقة، بل أيضاً الحكم على الصحة حسب ما هو افتراضي وليس حسب الواقع المتجسد في سياق ينسحب فيه ما هو اجتماعي -على مستوى الأولويات- لصالح ما هو اقتصادي، ثم تدريجياً ما هو مالي بحت. في هذا الخضم، يفقد الطب هويته وسبب وجوده بتحوله إلى ترف مستحيل المنال على مستوى العناية العلاجية بالنسبة لأغلبية الفئات الاجتماعية، من جهة، وبإقصائه أو شبه إقصائه من سياسات الوقاية والاحتراز من جهة أخرى. وبالتالي، تصبح الدراسات التي تؤسس لتلقي التأهيل لهذه المهنة متخبطة خبط عشواء.
خلاصة القول، يجد إعلان حالة التأهب القصوى في الدراسات الطبية دواعيه في مسار طبَعَتْه انحرافات إيديولوجية أدت قبل تاريخ انتهاء صلاحيتها الحتمي إلى اعوجاجات علمية تتعارض مع الهدف الوحيد الحقيقي والقابل للتحقيق، ألا وهو العيش أفضل.

ما وراء حالة التأهب في الدراسات الطبية
تحيلنا كلمة إصلاح في القاموس على التغيير للأحسن. ويعتمد الأحسن من خلال التربية والتكوين على شراكة تستند بدورها إلى التكامل، ذلك التكامل الذي يصير فعالاً ومستداماً شريطة التلاؤم مع التحفيز…تحفيز كل واحد على حدة والجميع في إطار مشروع مجتمعي مشترك، واضح، منصف، واقعي وقابل للإنجاز.
تكتسي ملاءمة الأهداف ووسائل بلوغها أهمية إضفاء المصداقية على هذا المشروع. أما فتح حوار مسؤول فيستجيب لحاجة ملحة خدمةً للتعبئة المتوخاة. من بين المواضيع التي قد يكون لها مفعول إيجابي، يمكن اقتراح المحاور التالية:

أولاً: “تحفيز التعليم المؤسساتي”؛
ثانياً: أدوار الدولة في حكامة التعليم”؛
ثالثاً: الحريات الأكاديمية ومشروع المجتمع”؛
رابعاً: آفاق تأطير المنظومة التربوية”؛
خامساً: “الجامعة والمجتمع: حالة الدراسات الطبية”.

على كل حال، فحسب الدواعي (لماذا؟) تتضح معالم التغيير المنشود وكيفيته (كيف؟)…التغيير نحو تقدم المعرفة الذي يرسم طريق الأحسن بفضل التربية بمفهوم التنشئة الاجتماعية والتكوين بمعنى التأهيل. لهذا الغرض، يكفي تشييد المنظومة التربوية على وضوح شراكة خالية من وهم التدجين والتطبيع مع مصالح طرف دون الآخر… ليس هذا بالسهل الممتنع بل هو صعب متاح.