المجال الصحراوي مجال فاعل في تاريخ المغرب، من حيث ديناميات الهجرة ونشوء الدول التي تعاقبت على حكم المغرب دون قطيعة في التسلسل الكرونولوجي، وهو مجال ربط المغرب بإفريقيا السوداء وما كان لذلك من أثر على تطور كتلته الذهبية والنقدية ابتداء من عهد المرابطين في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. طوال قرون عدة شكل المجال الصحراوي عنصر إحياء وتواصل وامتداد لشمال المغرب في العمق القاري، و لعب دورا كبيرا في أن يصبح المغرب قوة متوسطية بفضل نقوده الذهبية المطلوبة في كل المدن التجارية المتوسطية، و حينها كان المتوسط قلب العالم.
ظل المغرب عصيا على الخلافة العثمانية، وظل الاستثناء الوحيد في العالم العربي الذي لم يتحول إلى ولاية عثمانية، لقوة مؤسساته الثلاث: السلطان والقبيلة والزاوية. في 1912 ومع تسارع القوى الاستعمارية في الاستحواذ على ثروات الشعوب، شاءت الأقدار أن يكون المغرب آخر بلد يسقط في شباك النظام الاستعماري، لكن بصيغة ألطف أطلق عليها « نظام الحماية»، فقطعت جغرافيته بين فرنسا في الوسط والشرق واسبانيا في الشمال وفي الصحراء، ابتداء من 1934، وهي السنة التي أتمت فيها فرنسا سيطرتها على جبل صاغرو والأطلس الصغير، كما وضعت منطقة طنجة تحت الحماية لعدد من الدول.
وكما شاءت الأقدار أن يتم احتلال المغرب على مراحل، جرت مراحل استعادة التراب الوطني على مراحل أيضا، ومنذ العام 1956، تاريخ الاعتراف الرسمي باستقلال المغرب، لم يتوقف المغرب مؤسسة ملكية ومجتمعا وأحزابا من المطالبة باستعادة التراب الوطني، مصطلح «وحدة التراب» كان الخيط الناظم في كل خطب محمد الخامس، الذي جالس وفود القبائل الصحراوية أينما حل وارتحل، وكان الرجل رمزا من رموز مناهضة الاستعمار الجديد فالتفّ» حوله زعماء « العالم التقدمي كعبد الناصر ، الزعيم المصري، الذي غير محمد الخامس من موقفه تجاه الملكيات، ونكروما الغاني وسيكوتوري الغيني و مديبو كيتا المالي والحكومة المؤقتة الجزائرية، حيث رفض المغرب أن تفصل الصحراء الجزائرية عن التراب الجزائري رغم « الهدايا الترابية» التي اقترحتها فرنسا على المغرب، لأن المغرب كان له موقف مبدئي في مناصرة الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي. ووحدة التراب الذي نادى بها محمد الخامس أدت إلى انعقاد مؤتمر الدار البيضاء في يناير 1961، والذي جمع القادة التقدميين في القارة الإفريقية لمناهضة الاستعمار الجديد، وكان النواة الأولى لما سيعرف لاحقا بمنظمة الوحدة الإفريقية.
وإن استطاع المغرب استعادة طرفاية وسيدي إفني، فإن ما كان يعرف بالصحراء الاسبانية وسبتة ومليلية والجزر المتوسطية، ظل عصيا على العودة، نظرا للظروف السياسية المغربية الداخلية، وتحولت التناقضات الثانوية إلى رئيسية فتعاقبت الأزمات، المحاكمات السياسية، العنف والعنف المضاد، ومحاولتي انقلاب عسكريتين، ومحاولة انتفاضة مسلحة في المتوسط…. وكادت بعض هذه الأزمات أن تعصف بمؤسسات الدولة برمتها.
جاء الخلاص من باب الصحراء، مرة أخرى، إذ في العام 1974 أصبح ملف الصحراء القاسم المشترك بين المؤسسة الملكية والأحزاب، واختفت التناقضات الرئيسية بين الطرفين، وظهر مصطلحان في نهاية 1976 للتعبير عن هذه التغييرات، وهما «الإجماع الوطني» و»المسلسل الديمقراطي».
في العام 1974 أراد نظام فرانكو وهو في نهايته، أن يلعب بورقة الصحراء لدعم ركائزه الداخلية، فخطط لإقامة « دولة صحراوية» رغم أن المغرب هو أول من وضع طلبا للأمم المتحدة بتصفية الاستعمار في « الصحراء الغربية» ، وصدرت قرارات الأمم المتحدة منذ العام 1963 تطالب اسبانيا بتصفية الاستعمار، علما أن خطاب العرش للعام 1962، أعلن الملك فيه إصرار المغرب على استعادة أراضيه في الجنوب والشمال والشرق.
تلكأ نظام فرانكو وراوغ في إعادة الأرض إلى أصحابها، لكن السياق الإقليمي لعب دورا في رد فعل فرانكو حول قضية الصحراء. حدث أن عرفت ستة 1970 توافقا ، قل نظيره في التاريخ الراهن، بين الدول المغاربية الثلاث المغرب والجزائر، التي طالبت بالإسراع في طرد اسبانيا من الصحراء، وصرح وزير خارجية الجزائر حينها عبد العزيز بوتفليقة، في اجتماع وزاري باديس أبيبا، أن الجزائر مستعدة لوضع إمكانياتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية رهن إشارة المغرب لتحرير الصحراء. تأكد نفس المسار حول قضية الصحراء في اجتماع الملك بالرئيسين الموريتاني والجزائري بآكادير يومي 23-24 يوليوز 1973.
سارعت اسبانيا إلى البحث عن ولاءات صحراوية لدعم مشروعها بتأسيس « دولة صحراوية»، فاتصلت بشخصيات لتأسيس «أحزاب صحراوية»، لكن معظمها التحق بالمغرب فيما بعد. و أمام إصرار نظام فرانكو على تنظيم استفتاء، حذر المغرب من أن يتضمن الاستفتاء سؤال الاستقلال. وأرسل الملك الحسن الثاني رسالة تحذير إلى فرانكو يوم 4 يوليوز 1974 . وكان خطاب عيد الشباب يوم 9 يوليوز 1974 مفصليا في تاريخ المغرب الراهن، حيث أكد الملك على أن سنة 1974 ستكون سنة استكمال الوحدة الترابية، والتقى رؤساء الأحزاب المغربية، كما استقبل شخصيات صحراوية من أعيان ورؤساء القبائل وقضاة وفقهاء. واجتمعت اللجنة العليا للدفاع يوم 16 يوليوز 1974، فتكونت وفود سياسية مدعمة من أطر من وزارة الخارجية ومن الديوان الملكي، فزارت عددا من دول العالم لشرح الموقف المغربي من ملف الصحراء، فتكوّن وفد من عبد الرحيم بوعبيد وقاسم الزهيري لزيارة دول آسيا، كما تشكل وفد أخر من بوستة والعراقي لزيارة دول عربية إفريقية ، وتكفل حسن الزموري بدول غرب إفريقيا، كما زار علي يعتة وجوريو دول شرق أوربا، أما محمد العربي الخطابي فزار دول وسط إفريقيا، في حين تكلف الخطيب وبنونة بالمشرق العربي، وأحرضان وعبد السلام بركات بدول شرق إفريقيا.
زار الكاتب العام لمنظمة الوحدة الإفريقية الرباط يوم 29 أكتوبر 1974، وحث المغرب وموريتانيا على قطع الطريق على اسبانيا ومشروعها في تأسيس « دولة صحراوية».
في نفس السياق صادقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على تشكيل بعثة للاستقصاء حول سكان الصحراء، فعادت بتقرير مفصل ينتهي إلى خلاصة أنه من الصعب إحصاء السكان لطبيعة نمط العيش باستثناء القليل المستقر في العيون والداخلة والسمارة، والذي لا يتعدى في مجموعه بضعة آلاف. وكان ذلك ردا على الإحصاء الذي أجرته اسبانيا في غياب القبائل الصحراوية التي طردت إلى ضفاف واد نول في العام 1958 وما تلاها، بيد أن إصرار المغرب على رأي محكمة العدل الدولية وانضمام موريتانيا إلى الطرح المغربي دفعت الأمم المتحدة إلى إصدار قرار طلب تحكيم محكمة لاهاي، وخلصت هذه الأخيرة إلى وجود روابط البيعة بين سكان الصحراء وسلاطين المغرب، وكان ذلك في إطار حكم استشاري بتاريخ 16 أكتوبر 1975.
وأمام الموقف الاسباني المتجاهل للسياقات الإقليمية الجديدة وهروبه إلى الأمام، قرر الحسن الثاني انطلاق المسيرة الخضراء يوم 6 نونبر 1975، فتدخلت الدول الكبرى عبر مجلس الأمن ، وتسارعت الأحداث لتنتهي بتوقيع المغرب واسبانيا وموريتانيا الاتفاق الثلاثي تلتزم فيه اسبانيا بانسحابها من الصحراء يوم 28 فبراير 1976، فجن جنون الدولة الجزائرية التي اعتبرت الاتفاق الثلاثي إهانة لها بعد استشارتها أو إقحامها في الاتفاق، فتحولت الدولة الجزائرية إلى حاضنة « للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» وفصلت على شاكلة الدولة الجزائرية و جبهة التحرير الجزائرية والجيش الوطني. وكان هذا التاريخ إعلانا للتحول التنظيمي والسياسي لجبهة البوليزاريو التي تأسست في ماي 1973 ، من لدن مصطفى الولي، لطرد الاستعمار، ومن طلبة صحراويين، شكلوا العمود الفقري للقيادات الأولى للبوليزاريو. مصطفى الولي كان طالبا في جامعة محمد الخامس، واحتضنته قيادات من الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد الوطني للقوات الشعبية و حزب التحرر والاشتراكية، وألف دراسة من بضعة صفحات حول الصحراء يقول في مقدمتها بعد استعراض الجذور التاريخية : « ويمكن القول إن المنطقة كانت إقليما مغربيا كسائر الأقاليم المغربية الأخرى». ونشرت الدراسة بتصرف في مجلة أنفاس، عدد مزدوج 7-8 يناير 1972، ذات التوجه الماركسي اللينيني، تحت عنوان « فلسطين جديدة في أرض الصحراء» إشارة للمشروع الاسباني بتأسيس دولة في الصحراء، وهي نفس الدراسة التي سلمت لقيادي التنظيم السري في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ( محمد بنونة- محمود) الذي قتل في أحداث الأطلس في مارس 1973، ونشرت في حلقات في دورية الاختيار الثوري في السبعينات. الدراسات والبيانات السياسية تمحورت جميعها حول كيفيات توقيف المشروع الاستعماري الاسباني. بل إن بيانات « إلى الأمام» و» 23 مارس « في صيف 1974، كانت تساند « جبهة البوليزاريو، على اعتبار أن «الجماهير الصحراوية» جزء لا يتجزأ من «الجماهير المغربية». المؤتمران الأولان لجبهة البوليزاريو 1973 و1974 لم يشيرا إلى الانفصال، لكن في بيان المؤتمر الثاني للبوليزاريو ظهر « التسلل» الليبي الجزائري، خاصة من لدن العناصر الجزائرية في قيادة البوليزاريو. بين بيان التأسيس في العام 1973، والمتمحور حول « تحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني واعتماد الكفاح المسلح» وتأسيس « الجمهورية الصحراوية « في فبراير 1976، وقع تحول كبير نحو الانفصال.
والعودة إلى بيانات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في ماي ويونيو 1972 المتعلقة بمساندة الجماهير الصحراوية ضد « النظام العميل» في المغرب و» النظام الفاشيستي في اسبانيا، تؤشر إلى السياق الذي ولدت فيه جبهة البوليزاريو كبؤرة ثورية للبعض ورد فعل ثوري للبعض الآخر وتخوف من أطراف أخرى داخل مؤسسات الدولة ، عملت على تسريع ولادة البوليزاريو في الزويرات، في حين كان مقررا لهذه الولادة أن تقع في طنطان. في بيان مؤرخ 11 ماي 1972، يوجه فيه الاتحاد الوطني « نداء حارا إلى المنظمات القومية الثقافية والسياسية الوطنية والتقدمية وإلى الرأي العام الوطني والعالمي الديمقراطي لفضح هذه المناورة ( قيام دولة في الصحراء) ولتصعيد التعبئة والكفاح لمناصرة نضال الجماهير الصحراوية وجماهير الشعب المغربي عموما لتحرير أراضينا المغتصبة، ومن أجل التحرير الشامل والبناء الاشتراكي».
في بيان آخر أكثر قوة يقدم فيه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية موقفه من « قمع» لتظاهرة طانطان، والتي سيهرب بعدها عدد من الشباب إلى « الزويرات « لتأسيس جبهة البوليزاريو في ماي 1973، بعد أن اشتدت حملات الاعتقال في عموم المغرب في الأشهر الأولى للعام 1973. يبرز البيان ما جرى في موسم طانطان يوم 26 ماي 1972، حيث « قامت السلطات المحلية بمباشرة موجة من الاعتقالات في صفوف الطلاب الصحراويين، الذين قدموا من الرباط ومن مدن أخرى(…) فألقي القبض على عشرين طالبا صحراويا، يتابعون دراستهم في مختلف فروع التعليم العالي، كما ألقي القبض على أربعين تلميذا، قدموا من آكادير ومراكش ومن مدن أخرى….».
وبعد استعراض ما جرى في موسم طانطان يضيف البيان: « وإزاء هذه الحملة المتصاعدة من القمع والتنكيل الذي يتعرض له المواطنون الصحراويون شبابا وجماهيرا من طرف الحكم الفاشستي الاسباني والحكم الرجعي المغربي، فإن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية:
يفضح من جديد هذه الموجة المتصاعدة من القمع الذي يتعرض له المواطنون في مناطق الصحراء.
يعلن من جديد تضامنه المطلق مع جميع المواطنين الملتحمين في معركة تحرير الصحراء.
(….)
يطالب بفتح تحقيق عاجل حول تصرفات السلطة المحلية وخاصة جبروت المنطقة:قائد طنطان، وهو عميد شرطة معروف بأساليبه القمعية الوحشية في الأوساط الطلابية بجامعة محمد الخامس.
يطالب بإطلاق سراح جميع المعتقلين فورا.
يطالب، وبكل أخوية، الصحافة الوطنية بالعمل على فك الحصار وخرق الصمت وفضح الإرهاب الذي يقيمه الحكم في إقليم طرفاية.
عاش نضال الجماهير الشعبية لتحرير الصحراء. الرباط في 1 يونيو 1972»
من كوكبة الشباب الذي تعرض إلى هذه الحملة في 1972، تسللت مجموعة إلى الزويرات في بداية 1973 لتكوين جبهة مسلحة لاسترداد الصحراء إلى حضن الوطن، ولتشكيل بؤرة ثورية لإسقاط « النظام الرجعي» في المغرب.
هكذا كان السياق التاريخي السياسي لمغرب بداية السبعينات، وقوة المسيرة الخضراء أنها حققت اختراقا في إعادة صياغة المعادلات المغربية الداخلية، وتحولت التناقضات الرئيسية إلى ثانوية، وهذه المعادلات استندت إليها الدولة الجزائرية كثيرا في بناء السيناريوهات الممكنة لنزاع الصحراء وارتباط ذلك بالوضع الداخلي. سياق يبرز أن بروز جبهة البوليزاريو كان نتيجة لولادة مغربية مغربية، جبهة ساندها اليسار المغربي والأحزاب الوطنية كحركة مغربية قبل أن يتلقفها النظام الجزائري بديلا عن هزائمه المتتالية والمتسارعة بالخصوص بين أكتوبر 1975 ويناير 1976.
عبد الرحيم بوعبيد في تقديم التقرير السياسي في المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ( يناير 1975) خصص فقرة لنضال « المجاهدين الصحراويين» ، وفي ذلك إشارة لمقاتلي جبهة البوليزاريو، يقول بوعبيد : « إن مؤتمرنا بإجماع أعضائه يبعث تحيته الأخوية إلى المجاهدين الصحراويين الذين يتصدون لقوات الاحتلال الاسبانية بشجاعة مثالية، كما أنه يحيي بنفس الحرارة جيوش القوات المسلحة الملكية التي بعدما قامت بواجبها بجانب أشقائها السوريين والمصريين، تنتظر القيام بواجبها من أجل تحرير أقاليمنا المغتصبة.» ( المؤتمر الاستثنائي يناير 1975. الطبعة الثانية . الرباط 1987. ص 226.
ولم ينس مصطفى الولي جذوره المغربية رغم إعلان « الجمهورية الصحراوية» فارتكب خطأ فادحا حين أصر في حديثه مع ضباط كوبيين، إذ كان مستاء من « حضورهم القوي» أن تندوف جزء من الأراضي الصحراوية، فأرسل إلى كمين بهجومه على نواكشوط فقتل يوم 8 يونيو 1976، وما زالت بعض القيادات العسكرية التي رافقته في « كمين نواكشوط» حية ترزق.
بديل «الجمهورية الصحراوية» جاء بعد أن تيقنت الدولة الجزائرية من انتصار المغرب في استعادة «الصحراء الغربية» وبعد أن تلقت هزيمة عسكرية في معركة « أمغالا» يوم 27 يناير 1976، أسفرت عن مقتل 200 عسكري وأسر 106 جندي أعيدوا إلى بلادهم بعد وساطة سعودية. لذلك جاء إعلان « الجمهورية الصحراوية» كفشل للمسلسل الدولة الجزائرية، التي خطت من ذلك الزمن استراتيجية ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا. إذ في بداية 1976، وبعد هزيمة أمغالا، «تكونت لجنة القوات المسلحة» فسافرت إلى فيتنام ويوغسلافيا ودول شرقية أخرى لإعادة بناء الجيش الجزائري، المحبط مرة أخرى، كما قدم الاتحاد السوفياتي قرضا للدولة الجزائرية لربط قضية الصحراء باستراتيجية الإمبريالية في إفريقيا، فعينت الدولة الجزائرية « العقيد الزركيني» في الصحراء مسؤولا عن غرفة العمليات، و»العقيد هوفمان» مسؤولا عن التعبئة والإعلام والدعاية، وعلى المستوى السياسي منحت دفة التسيير إلى عبد العزيز بوتفليقة و عبد السلام بلعيد. كل هذه الأحداث جرت تحت مراقبة رجلين، يوري أندروبوف رئيس جهاز KGB، ( سيصبح رئيسا للاتحاد السوفياتي فيما بعد)، وقاصدي مرباح رئيس جهاز المخابرات الجزائرية.
ولم يتوقف منذ ذلك الوقت استعمال الدولة العميقة في الجزائر لكل الوسائل لمعاكسة المغرب، بما في ذلك طرد عشرات الآلاف من المغاربة الذين ولدوا في الجزائر، ولهم علاقات أسرية بجزائريين وجزائريات. كما مورس الضغط على المقاومين والمناضلين المغاربة المنفيين في الجزائر من أجل دعم حركة الانفصال في الصحراء الغربية، فأصدروا بيان التشبث بالوحدة الترابية فطرد جلهم من الجزائر نحو فرنسا ودول أوربية ومشرقية. بيد أن إشكال الصحراء جعل المغرب متيقظا رغم الأخطاء والسياسات التي مورست في الصحراء طيلة عقود، ولعبت ورقة الصحراء دورا في تطوير النظام السياسي المغربي خاصة في التحولات التي عرفها المغرب منذ ظهور « الإجماع الوطني» والمسلسل الديمقراطي» وانتهاء بتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة وما نتج عنه كمشروع الحكم الذاتي. موازاة مع ذلك ظل مولود فبراير 1976 عاجزا عن التطور لدرجة أن التغيير الذي لحق جبهة التحرير الجزائرية لم يصله، وظل دستور « الجمهورية الصحراوية» لا يشابه أي دستور في العالم سوى « دستور كوريا الشمالية»، كل السلطات تمركزت في يد « رئيس الجمهورية»، وقيادة تآكلت وانتهت صلاحيتها كما يقول النشطاء في مخيمات تندوف، ولذلك لن تستطيع قيادة شاخت كهذه أبدا إنتاج مسلسل تسوية سياسية، وتحاول من مؤتمر لآخر استهلاك شعارات لتثبيت سكان المخيمات الذي كشفت الأمطار الأخيرة عن البؤس اليومي للسكان، وهو أمر مقصود لاستغلال هذا البؤس في التسول الدولي بأسواق الإعانات الدولية. والرسائل الموجهة إلى الأمم المتحدة من «محمد ولد خليلي»، الذي غير اسمه إلى «محمد عبد العزيز « هي مادة لنشر الوهم في أوساط «سكان» المخيمات، بوجود « دولة».

*الجمعة 6 نونبر 2015