الجلوس إلى الأستاذ الأخضر الإبراهيمي، هو جلوس إلى رجل دولة من عيار ثقيل. هادئ بقامته الفارعة، يزن كلماته جيدا، بحكم خبرته الدبلوماسية الراسخة. لكنه أيضا من نوع السياسيين المغاربيين ذوي الجرأة للتعبير عن مواقف مبدئية أساسية في قضايانا العربية والمغربية، من ضمنها القضية الفلسطينية والملف السوري (الذي خبره جيدا من خلال توليه، لشهور، مهمة المبعوث الأممي بهذا البلد بعد الأمين العام السابق لهذا المنتظم الدولي كوفي عنان)، وأيضا ملف منطقتنا المغاربية. وعلى هامش مشاركته في اللقاء الذي احتضنته المكتبة الوطنية بالرباط، بمبادرة من الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، ضمن الاحتفاليات الوطنية والحزبية، المخلدة للذكرى 50 لاختطاف واغتيال الشهيد المهدي بنبركة، نقلنا إليه أسئلتنا من موقع تجربته السياسية الغنية ومن موقع علاقته المباشرة بالشهيد المهدي، كونه كان آخر من التقاه بالقاهرة = يومين قبل اختطافه بباريس، وأنه هو من حمله بسيارته فجرا إلى المطار في رحلة إلى جنيف. فكان هذا الحوار الهام

  *مرحبا بك، الأستاذ الأخضر الإبراهيمي، بين أهلك، المغاربة، كما قلت في شهادتك بالمكتبة الوطنية ضمن لقاء الوفاء وندوة “مكانة المهدي بنبركة في التاريخ المعاصر”، التي بادر إليها رفيق نضاله الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي. فلقد تجاوب الجمهور الحاضر مع منطوق وعمق مضمون شهادتك تلك. ونود هنا، أن نسألك عن علاقتك بالشهيد المهدي بنبركة، كونك كنت آخر شخص جالسه والتقاه بالقاهرة، بل وحملته إلى المطار يومين قبل اختطافه بباريس يوم 29 أكتوبر 1965، فما الذي لا تزال توحي لك به قضيته بعد 50 سنة من اختطافه؟

* أود أن أشكر، أولا، أخي عبد الرحمن اليوسفي على دعوته وتشريفه لي بالحضور إلى هذا اللقاء لإحياء هذه المناسبة. فالمهدي بنبركة، كان صديقا عزيزا جدا علي. وكل من احتك به بشكل مباشر، لا يمكن ألا يعجب به، وأنا كنت واحدا منهم. مثلما أن طريقة اختفائه بعد اختطافه بباريس، هي طريقة محزنة ومؤلمة. ومثلما قلت في كلمتي أمام الشعب المغربي، بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط، فإنه قد آن الأوان أن يطوى هذا الملف المؤلم. لأنه بعد 50 سنة، يكفي. يجب أن تعلن الحقيقة كاملة حول ما جرى، وأن نقيم العزاء حول الرجل، ونقيم له الجنازة، إن كان لا يزال ذلك ممكنا وأن نطوي هذا الملف. فهذا أملي الكبير.
كما قلت، فالمهدي رجل دولة كبير، حرمت منطقتنا، وفي مقدمتها بلده المغرب، ثم باقي بلداننا المغاربية من طاقته وكفاءته وعطائه. لأنه، علينا ألا ننسى أن الرجل اختطف وهو فقط في 45 سنة من عمره، ولو قدر له أن يعيش سنوات أطول، لكان أكيد قد قدم خدمات جليلة لكل منطقتنا، للعرب، ولبلده المغرب. فرحمه الله، في يوم ذكراه هذه، وأشكر عاليا، ذلك الحضور الجماهيري الكبير الذي حضر وشاهدته، ولمست تفاعله مع قضيته. ولقد كان لقاء بهيجا فعلا، رأيت فيه أناسا شيوخا، مثلنا، إلى جانب الشباب، الذين لم يعايشوا المهدي بنبركة، لكن ذكراه لا تزال قائمة في وجدانهم. وهذا أمر مشجع ومفرح حقيقة.

* هذا الجيل الجديد، بصفتك كنت آخر من رآه بالقاهرة، ما الذي يمكن أن تقوله له كرسالة حول شخصية المهدي بنبركة، نموذجا لجيل مغربي ومغاربي ناهض ووطني؟

  *لم يكن كلانا، لا أنا ولا هو، يتوقع طبعا أن ذلك سيكون آخر لقاء بيننا، وأنه آخر عشاء يجمعنا في بيتي، بمنطقة غاردن سيتي بقلب القاهرة. بقينا نتناقش ونتحاور حتى الساعة الثالثة صباحا، ثم نقلته بسيارتي إلى المطار ليستقل طائرة الرابعة صباحا، وهناك ودعته بشكل عادي. لكنه كان الوداع الأخير بيننا. كان لقاؤنا ذاك، يشبه لقاءاتنا الكثيرة من قبل. وما أستطيع أن أقوله لكم، هو أن المهدي كان شعلة من الذكاء والطاقة والحيوية. وحين قيل عنه “دينامو”، فإن أي شخص يلتقيه من أول مرة يدرك أنه فعلا “دينامو”. فهو طاقة لا تتعب ولا تتوقف…

* (مقاطعا) سبق وقلت أستاذ الأخضر الإبراهيمي، في الفيلم الوثائقي الذي أنجزه حميد برادة حول اليوسفي، وأنت تقارن بينه وبين بنبركة، أن المهدي شعلة من الأفكار، يعرض أمامك 50 فكرة في اليوم، ممكن أن تأخذ منها فكرتين أو ثلاثا لامعة. بينما اليوسفي بوذي، يلوي لسانه 7 مرات في فمه قبل الكلام، لكنه حين يتكلم تكون فكرته مفحمة.

  *(ضحك) تماما. تماما. بنبركة واليوسفي يكملان في الواقع بعضهما البعض، حتى وهما شخصيتان مختلفتان، لكن التعاون بينهما كان وثيقا. ومثلما قلت لك من قبل، فإن فقدان المهدي هو خسارة حرمت بلداننا المغاربية، وبلده المغرب، من طاقته ودوره الفعال.

* يتزامن، أستاذ الإبراهيمي، حضورك إلى المغرب مع حدث ملامح انتفاضة فلسطينية جديدة. أنت المعروف عنك انخراطك الكامل في دعم قضية الشعب الفلسطيني العادلة، من موقع مسؤولياتك الوطنية والدولية، هل تنظر إلى هذه التطورات الجديدة بتفاؤل؟

* الشعب الفلسطيني شعب مظلوم، ظلما تاريخيا ممتدا منذ أكثر من قرن. وأنا دائما أؤكد في الشهور الأخيرة، أن الدول العربية تخلت عن الشعب الفلسطيني، بطريقة شبه كاملة. فإسرائيل، التي هي أقوى دولة في المنطقة، تتمتع بدعم مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية، وتأييد شبه مطلق من باقي الدول الغربية. بالتالي، فإن الشعب الفلسطيني يواجه مشاكل جد جد عويصة لوحده، إلى حد أن الفلاح الفلسطيني اليوم لا يستطيع حتى جني محصوله من الزيتون، إلا بدعم من بعض الشباب الإسرائيليين والغربيين، الذين يشكلون لهم حزاما أمنيا لحمايتهم من أجل جني ذلك المحصول الفلاحي.
لكن، ما علينا تسجيله، أن للفلسطينيين حقوقا مشروعة ثابتة. ورغم ما قد يقال عن ضعفهم، عن انقساماتهم وعن كل مشاكلهم المرتبطة بقضيتهم، فإنها تبقى قضية عادلة. ولهذا الشعب حقوق مهضومة، لا بد أن تُستعاد ذات يوم، طال الزمن أو قصر. صحيح أنهم أدوا ولايزالون يؤدون ثمنا باهظا من أجل ذلك، لكنهم الآن يحاولون أن يجعلوا الإسرائيليين يدفعون الثمن أيضا. نضالهم بالتالي مشروع، تأسيسا على مبادئ الأمم المتحدة التي تنص على حق الشعوب في الدفاع عن حقوقها المغتصبة بكل الوسائل. وهي المبادئ الأممية التي تُنوسيت للأسف اليوم كثيرا، وكلما تحرك هذا الشعب بشكل جماعي أو من خلال عمل فدائي لأفراد منه، يخرج قاموس الاتهام بالإرهاب ضدهم. ونحن لا نقول بذلك، أبدا.
هل ستتطور هذه الهبّة الشعبية (فأنا لا أسميها انتفاضة بعد) إلى انتفاضة؟. ما أنا متأكد منه أن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقوقه أبدا. ومن واجبنا، عربيا وفي العالم، أن نؤيد هذا الشعب في حقه لاستعادة حقوقه كاملة.

* ألا ترى معي، الأستاذ الإبراهيمي، أن قضية الشعب الفلسطيني، قد بدأت تشبه، في تطوراتها الدولية بين المجتمع المدني بالعالم، ما حدث مع نضال شعب جنوب إفريقيا ضد العنصرية والأبارتايد؟. وأن بعض ملامح المقاطعة الاقتصادية والعلمية والشبابية والجمعوية في العالم لنظام الأبارتايد، التي سرعت إسقاطه، قد بدأت تتحقق مع قضية الشعب الفلسطيني العادلة؟

* بل أكثر مما وقع مع جنوب إفريقيا..

* (مقاطعا) لكن لو سمحت، بإضافة: ألا ترى معي أن العطب للأسف ربما كامن في النخبة الفلسطينية اليوم، المفروض فيها التوحد بخلفية حركة وطنية للتحرير؟

* الواقع الفلسطيني، ميدانيا، يخلق نخبته الفاعلة دون إغفال أن عنصرية إسرائيل أفظع بكثير من عنصرية البيض بجنوب إفريقيا. لأن هؤلاء الأخيرين لم يصلوا أبدا لجعل حتى الطرق خاصة بالبيض وأخرى خاصة بالسود، بينما إسرائيل تقوم بذلك. وهذا يحدث داخل الضفة الغربية المحتلة بعد حرب يونيو 1967. لهذا فإن شكل المقاطعة الدولية، على كافة المستويات، التي بدأت تتطور، يجب أن يتم دعمها وتوسيعها، كما وقع مع نظام جنوب إفريقيا العنصري.

* لو انتقلنا، أستاذ الإبراهيمي، إلى الملف الآخر المؤلم والفظيع، للشعب السوري، الذي تحملتم فيه لشهور مهمة المبعوث الخاص الأممي لإيجاد حل للأزمة السورية. اليوم، هناك منعطف جديد، من خلال تدخل الروس المباشر ولقاءات فيينا الجديدة، التي هي عمليا بحث دولي لفرض حل بدون حضور السوريين. كيف تقرأ هذا الملف اليوم، من موقع خبرتك العميقة والدقيقة به؟

* الصورة غير واضحة، تجعل الواحد منا لا يملك غير أن يتفاءل بحذر شديد، وأسطر على ذلك الحذر. إذ يظهر لربما، كما لو أنه قد قبلت أخيرا، المقولة التي كانت تنادي بها الأمم المتحدة وحدها، التي تقول بأن الحل العسكري لن يفيد وأن الحل الأنجع الوحيد هو الحل السياسي. لكن، نحن لا نزال في الخطوات الأولى لذلك، من هنا الحذر الشديد. لأنه، هل ستتبلور الأمور سياسيا بالسرعة المطلوبة، إلى مشروع حل سياسي يوقف شلال الدم الفظيع هناك، وتدمير البلد بشكل مؤلم (لأنه مدن بكاملها دمرت. فمدينة حمص أصبحت غير موجودة وأصبحت خرابا وأكثر من ثلثي حلب مدمرة)، هل سيتبلور الأمر سياسيا لوقف كل ذلك؟. دعنا ننتظر لنرى، ومن هنا معنى تفاؤلي بحذر شديد.

* من موقع تجربتك كمبعوث أممي بسوريا، هل لنظام بشار الأسد الوعي السياسي والاستعداد لمثل هذا الحل السياسي؟

* لم يكن الأمر متوفرا للأسف من قبل. والنتيجة الآن، أن الأنظار أصبحت متوجهة للخارج وليس للسوريين، لأنهم عجزوا عن بلورة حل سياسي. الأنظار أصبحت موجهة صوب غير السوريين من قوى إقليمية (تركيا، إيران، السعودية ومصر) وقوى دولية (الروس والأمريكان). لهذا علينا الانتظار لنرى ما سيفضي إليه هذا التوجه الجديد في التعامل مع الأزمة السورية.
لكن، ما علينا التأكيد عليه، أنه لحدود الساعة، لا أحد كان يفكر في مصلحة الشعب السوري، التي ظلت في آخر قائمة الاهتمامات من قبل كل الأطراف المتدخلة في الأزمة السورية. فما أتمناه هو أن لا يكتفي المتدخلون في الملف اليوم، بالحديث فقط عن مصلحة فلان أو علان، بل أن يناقشوا جديا مصلحة الشعب السوري، الضحية، الذي دمرت بلاده وهُجر بالملايين وشلال الدم يجرف الأرواح البرة هناك. لأنه مثير أن يعاقب ذلك الشعب بهذه الطريقة كل هذه المدة. من هنا أملي أن يتم الانتصار أساسا لمصلحة الشعب السوري في المقام الأول، ولوحدة أراضي بلده.

* في لقاء مخابراتي بواشنطن، نشرت بعض تفاصيله مختلف الصحف العالمية، أكد رئيس المخابرات الفرنسية أن سورية القديمة كدولة وكخريطة انتهت ولن تعود. هل هذا ما قد يكرسه لقاء فيينا من الخارج؟

* لم أطلع على هذا الموضوع الذي تفضلت بالإشارة إليه، مثلما أنني بعيد اليوم عن الملف وتطوراته الدقيقة. لكن، صدقني التاريخ لا يذهب إلى الوراء، بل إنه يتقدم إلى الأمام. بالتالي، لا مجال أبدا للعودة، لا إلى واقع فكرة سايكس بيكو، ولا إلى واقع الحال قبل 15 مارس 2011. لكن، ما هو هذا الشيء الجديد، ما هي ملامحه؟. هذا أمر لم يتضح بعد. وما أتمناه حقيقة هو أن لا يكون على حساب الشعب السوري وعلى حساب وحدة ترابه. لكن، المؤكد أنه لن يكون أبدا مثلما كان عليه الحال قبل 15 مارس 2011 (تاريخ انطلاق الحراك الشعبي السلمي بداية، بسورية).

* لو عدنا، الأستاذ الأخضر الإبراهيمي، إلى منطقتنا المغاربية، فالحديث ذو شجون. فنحن جميعا نواجه تهديدات جدية للتطرف، سواء من الجنوب عبر دول الساحل، أو بسبب غياب الدولة في ليبيا. فكيف تقرأ واقعنا المغاربي اليوم، وما هي آفاقه المنظورة؟

* أقول لك صراحة، أنه رغم عيوبنا الكثيرة، ومشاكلنا البينية، وكيفية معالجتنا لها التي ليست في مستوى ما نتمناه. رغم كل ذلك، فحالنا بالمغرب العربي أحسن بكثير من وضع المشرق العربي. بالتالي، علينا الآن في المغرب العربي الكبير واجب مضاعف. واجب نحو أنفسنا أولا، لأنه غير معقول ولا مقبول أن يبقى هذا الجفاء بيننا، مما يجعل تعاوننا شبه معدوم. ثم علينا واجب مساعدة إخوتنا في المشرق، ما دام وضعنا أقل سوءا من وضعهم، وهذا ربما سيدفعنا بقوة الأشياء ليكون أداؤنا مغاربيا أحسن مما هو عليه الآن.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  • نشر بها يوم 6 نونبر 2015