أجمعت ردود الفعل الشعبية والسياسية والأكاديمية والإعلامية، على وجه الخصوص ، هنا وفي الخارج ، على قوة الخطاب الملكي في مدينة العيون . وهي قوة وشجاعة اكتست طابعا تاريخيا، لأنها أولا،رافقت تاريخية الزيارة، والتي شكلت بالحضور الكثيف فيها والتجاوب الشعبي المنقطع النظير، استفتاء لا يرقى إليه شك عن الانتماء القوي والنهائي للساكنة في الصحراء الى الوطن الموحد من خلال رسالة موجهة الى العالم بالارتباط بملك البلاد ، رمز الدولة وممثلها الدستوري والشرعي وأمير المؤمنين بها.
ولأنها ثانيا، كانت زيارة للقطيعة مع «ركون» معين في التعامل مع قضايا جوهرية في القضية المصيرية للمغرب.
أولا: لقد اتخذ النموذج التنموي، الذي طالما دعا إليه ملك البلاد شكلا ماديا ملموسا، وانطلاقة غير مسبوقة من خلال الاستثمار الكبير في التنمية المستدامة في المنطقة.
ثانيا: الصراحة في التوجه الى الجارة الجزائر حول ما تقترفه من انتهاكات في حق الصحراويين الذين تحتجزهم رهائن لمشروعها الهيمني، بدون أن تراعي أبسط شروط حياتهم الكريمة وفي الوقت الذي تبدد ثروة شعبها في حرب لا تهمه.
ثالثا: الشجاعة مع النفس ، حيث سجل الوطنيون والديموقراطيون في البلاد لغة الصراحة الملكية في التعامل مع القضية، من خلال تحريرها من أية شوائب تمس تدبير الاقتصاد أو الثروة، وكان جلالته واضحا وهو يتحدث عن استثمار ثروات المنطقة لفائدة الساكنة بمشاركتهم في تدبير القرار وتنفيذه.
رابعا: كانت الفرصة تاريخية للحديث عن استكمال البناء المؤسساتي والدفع بالجهوية الى مرحلة متقدمة مما نصت عليه المقررات والنصوص المؤطرة للعمل الجهوي في بلادنا. وهو استكمال يروم الدفع بالصحراء الى أن تكون «إقليما – قاعدة» في التوجه الاستراتيجي لبلادنا نحو إفريقيا.
وهو ما يجعل الاقاليم الجنوبية قاعدة للمغرب الإفريقي، الذي يشكل رهانا مستقبليا.
إن تأكيد المغرب على أن الحكم الذاتي هو آخر مقترح يمكن أن يتقدم به، والسقف الترابي والاستراتيجي الأخير الذي يضعه، مساهمة منه في الحل، تأكيد يرد على دعوات تعتبر أن مسلسل الصحراء سينتهي بما تريده المبادرات من هنا وهناك. وقد جاء الرد واضحا أن أي مقترح آخر غير ما تقدم به المغرب، غير الإقرار التام والنهائي بسيادته على أراضيه، لن يلقى أي تفاعل من المغاربة والمغاربة.
لقد كانت أربعة عقود كافية للرأي العام الدولي لكي يطلع وينضج الفكرة العادلة في قضية عادلة، ولهذا كان الخطاب متوجها نحو ضمير العالم لكي يستحضر فرض حرب ديبلوماسية غاشمة على المغرب في قضيته، وكان لا بد من الرد القوي والشجاع الذي يضع النقط على الحروف، وهو ما قام به ملك البلاد بكل وضوح ووطنية عالية.
لقد كان الخطاب بناء وهو يرتكز على القطيعة في تدبير الملك، من حيث لم ينتظرها خصوم البلاد وخصوم القضية. وهي قطيعة حاسمة من أجل أن يستمر التاريخ في مسيرته، مسيرة الوحدة، والبناء والسلام، بعيدا عن أي مغامرات تقود الى خراب المنطقة وخراب الشعوب كما ورد بشكل صريح في خطاب الملك..

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  • الاثنين 9 نونبر 2015