من أخطر ما يحصل في مغرب اليوم، ليس التطبيع التدريجي مع الخطاب التكفيري، فقط، بل أكثر من ذلك، التسامح، إن لم نقل تبجيل العنف اللفظي والمادي، ضد ضحايا من يعتبرهم المتطرفون الدينيون، زنادقة وفاسقين.
الأمثلة متعددة، وتتضاعف، كلما تضاعفت سياسة اللاعقاب تجاه مرتكبي جرائم التكفير، والدعوة إلى العنف والكراهية، مما يعتبره هؤلاء، تشجيعا لهم على التمادي، في جرائمهم.
النموذج الكاريكاتوري، لمثل هذه الممارسات، هو التكفيري أبو النعيم، الذي أصبح الناطق الرسمي، باسم هذا التوجه، وكأنه مكلف من جهة معينة، بتصريف مثل هذه الخطابات.
من ضحاياه، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، والمثقف، أحمد عصيد، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إدريس اليزمي… وآخرون.
المفارقة الكبرى، هي أن هذا الظلامي الخطير، أدين بأشهر سجنا غير نافذة، جراء دعوته للقتل والإرهاب، بينما تمت إدانة متهمين آخرين، بسنوات سجن نافذة، لمجرد أنهم عبروا عن مواقف دينية متطرفة. هل يلعب أبو النعيم دورا ما؟ أم أن هناك سياسة جنائية تقف وراء نهج اللاعقاب؟ أو أن هناك مخططا آخر، لا يعلمه إلا الراسخون في السلطة؟
الخلاصة هي أن المجتمع المغربي، يعيش في ظل وضعية جديدة، من أهم عناصرها، أن الضحية يمكن أن يتحول إلى جلاد، لأن الأمر يتعلق بتهم إيديولوجية دينية، كما هو الشأن بالنسبة للممثلة لبنى أبيضار، التي تعرضت لهجوم جسدي عنيف، من طرف مجهولين، نتج عنه جرح غائر في حاجبها، فأصبحت هي المتهمة، بدل أن يتم التعامل معها، كما ينص على ذلك القانون، كضحية، ينبغي إنصافها، مهما كانت الحيثيات والملابسات، المحيطة بتطورات القضية.
هل يعتقد منفذو هذه السياسات أنهم أبدعوا أمرا جديدا؟ فليراجعوا تاريخ القرون الوسطى في أوروبا، وخاصة تقاليد اصطياد الساحرات، في محاكم التفتيش، التي كانت تشرف عليها مؤسسات كنسية فاسدة، في تحالف مع السلطة السياسية التي كان يهمها فقط استمرار هيمنتها، مهما كان الثمن.
قد يكون الثمن غاليا، حيث جاءت الثورات في أوروبا، لتحصد السلطة الدينية الكنسية، والسلطة السياسية، المتحالفة معها، لأن الشعوب، عندما تقدّم وعيها الفكري، اكتشفت أن الأمر يتعلق بوجهين لعملة واحدة.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

*بالفصيــح * «ساحرات» في مزاد السياسة * يونس مجاهد

الثلاثاء 10 نونبر 2015