من يتصفح جيدا الوثائق المرفقة بمشروع ميزانية 2016 ، قد يثيره، من ضمن مئات الأرقام المبعثرة في تفاصيله وثناياه ، رقمان يلخصان التوجه الذي تبني عليه الحكومة منذ مجيئها إلى الآن ، تصورها للنموذج الاقتصادي المنشود: الرقم الأول يهم مبلغ 71 مليار سنتيم قدمتها الحكومة خلال السنة الجارية كإعفاءات ضريبية لقطاع العقار، يستفيد منها المنعشون أكثر مما تستفيد منها الأسر، والرقم الثاني هو 1.6 مليار سنتيم خصصتها الحكومة لقطاع الطباعة والنشر الذي جاء في ذيل قائمة المستفيدين من الإعفاءات الضريبية بحصة لا تتعدى 0.5 في المائة، ربما لأن الحكومة تعتبر أن المغاربة لا يقرأون، وبالتالي فما الحاجة لدعم مجال الطباعة والنشر في مجتمع غير قارئ!!.
ففي الوقت الذي يراكم المنعشون العقاريون ثروات خيالية ناجمة عن التسهيلات المتعددة التي تمنحها لهم الدولة في شكل إعفاءات ضريبية وامتيازات جبائية ، تعيش معظم المطابع في البلاد أزمة مالية خانقة بسبب تدهور المقروئية ، والتراجع المهول المسجل في طبع الكتب والمجلات والصحف.. ما عجل خلال السنوات الأخيرة بإغلاق عدد من المطابع ودور النشر والجرائد.. وما يزيد من تفاقم أزمة قطاع الطبع والنشر هو الأعباء الضريبية والجبائية التي تفرضها عليه الدولة في مختلف مراحل الانتاج، كما لو أن الأمر يتعلق بقطاع تجاري محض و ليس بركيزة أساسية للنهوض بمستوى الوعي في المجتمع والرفع من مستواه الثقافي وتأهيله الفكري باعتباره المركز والمحور والأساس في كل بناء تنموي.
دعم الإسمنت بالنسبة لواضعي القانون المالي أهم بكثير من دعم الورق، ودعم المنعشين العقاريين ضرورة ملحة بالمقارنة مع دعم ناشري الكتب والصحف، ونتحدث بعد كل هذا عن الحاجة إلى تنمية الثروة غير المادية للمغاربة، كما لو أن الأمر يتعلق بكلمات فضفاضة لا تستحق من الحكومة مجهودا ماليا للتنزيل.. وإلا ماذا يعني وضع قطاع الطباعة والنشر في ذيل قائمة الإعفاءات الضريبية ب0.5 في المائة مقابل 22 في المائة لقطاع العقار؟

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

  الخميس 19 نونبر 2015