تشهد العديد من بلدان العالم نقاشات عميقة، وجدالا متواصلا، وصراعا فكريا وسياسيا، حول إشكاليات الفوارق الطبقية والجغرافية المتواصلة، التي تتسع باستمرار، على مختلف المستويات، وتخلق أوضاعا مختلة داخل المجتمعات، وعبر العالم.
وإذا كان أنصار النموذج الرأسمالي المتوحش، يبررون منطقهم بأن الليبرالية المفرطة، تنتج الرفاه والثروات، فإن الواقع أنتج أمرا آخر، وهو ازدياد الفوارق وتعميقها بين الفئات الاجتماعية، و بين المناطق، داخل نفس البلد، وكذلك بين البلدان والقارات…
هناك هوَة تتسع على مستوى الدخل الفردي، وفرص الشغل، ومستويات التعليم، والسكن والصحة، والرعاية الاجتماعية، مما ينتج عالمين متناقضين، الأول تسوده الأقلية، التي تنعم بكل خيرات العولمة، والأغلبية التي تتدحرج اجتماعيا، باستمرار، في إطار فلسفة تنادي بسيادة المنافسة الحرة، والاقتصاد الخاص، وليبرالية متطرفة.
من شأن هيمنة المال وسطوته، أن يضرب الديمقراطية في الصميم، حيث لا يمكن تصور أي منافسة سياسية شريفة، في ظل تمركز للثروة والنفوذ.
لذلك، أصبحت إشكالية الفوارق، تثير حساسية بالغة، في مختلف البلدان، سواء على الصعيد السياسي أو الأكاديمي، أو على الصعيد المجتمعي، حيث برزت حركات رفعت قضية العدالة كشعار أساسي، للمطالبة بالمساواة في الفرص الاقتصادية والثقافية والتربوية والاجتماعية.
كما طالبت بمراجعة النموذج السياسي السائد، على مستوى التمثيلية الانتخابية، وعلى مستوى السيطرة على وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة، لإحداث قطيعة، مع مجتمع الفوارق، الذي يتطور في اتجاه متناقض، بشكل رهيب.
و من أكبر المطالب التي رفعتها التيارات المناهضة للعولمة، في صيغتها الرأسمالية المتوحشة، هي أن تتحمل الدولة مسؤوليتها تجاه المجتمع، لتصبح دولة للجميع، و ليس للفئات الغنية، التي يمكنها، بواسطة نفوذها، الاستفادة من السياسات العمومية، ومن خيرات البلاد، وحركية الرأسمال والتسهيلات الضريبية، وغيرها من الإجراءات المالية والاقتصادية، التي تحولها لصالحها، نظرا لما تتمتع به من إمكانات.
عودة الدولة، كمطلب، يعني أن تتدخل الدولة، عبر سياسية اقتصادية واجتماعية وتربوية وثقافية، لإنصاف الأغلبية، والحد من هيمنة الاحتكارات والتهرب الضريبي من طرف الأغنياء وفئات طفيلية، والنفوذ المفرط للمال في السياسة والإعلام، لإحداث التوازن الضروري في المجتمع، من خلال إجراءات التضامن الاجتماعي، ليس بمنطق الصدقة والإحسان، بل بمنطق العدالة والمساواة والكرامة وتكافؤ الفرص.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الثلاثاء 24 نونبر 2015