فاز الدكتور محمد نور الدين  أفاية استاذ التعليم العالي في تخصص الجماليات وفلسفة التواصل..بجائزة “أهم كتاب عربي” لدورة 2015 التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي ببيروت، وذلك عن كتابه “في النقد الفلسفي المعاصر، مصادره الغربية وتجلياته العربية”.

التالي  عن موقع مراسلون :

في هذا الحوار  يسلط الباحث والمفكر المغربي محمد نور الدين أفاية الضوء على عدد من القضايا التي تشغل بال الباحثين والإعلام في مغرب اليوم. ولعلّ أبرزها ما يتعلّق بقضايا الإسلام والحداثة والتعليم والثقافة والسياسة الخ، وكذا مختلف الالتباسات التي تتولد عنها وتنعكس على باقي المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية. من ثمّ هذه التناقضات في عملية فهم المغرب السياسي، وفهم موقع الدين في التشكيلة السياسية، والأدوار الحقيقية للأحزاب. هذا التشابك تزيد من تعقيده، في غالب الأحيان، ما يسميه أفاية مشكل الهشاشة المركّبة.

ففضْلا عن «هشاشة» البنية السياسية في المغرب هناك بحوث سياسية لم تنتج «لغة سياسية» قادرة على كشف «لغات» وتدخلات الفاعلين السياسيين، بسبب التشابك الكبير بين الأبعاد الرمزية واهتمامات المرحلة، بين العاطفي والشروط العقلانية، بين التقليد والتحديث. وهذا كله يجعل المعرفة بالظواهر السياسية «هشَّة». ويزيدها هشاشة والتباسًا ضجيج الإعلام والكلام الاجتراري الذي ينقصه الكثير من التواضع الذي يستلزمه البحث الرصين.

الأستاذ أفاية، في سياق تحليلك لمتغيرات السياسة في المغرب في كتابك الأخير «التفاؤل المعلّق، التسلّطية والتباسات الديمقراطية في الخطاب العربي الراهن»، تشير إلى «هشاشة» المعرفة السياسية، في بلادنا، وكذا إلى «التباس» الوسط السياسي، فما هي ملامح هذه الهشاشة وهذا الالتباس؟

* لا يظهر أن «هشاشة» المعرفة السياسية بالمغرب مقتصرة على «البحث في السياسة» فقط، إنما تشمل كل مجالات العلوم الإنسانية. لم تعمل الدولة ولا مؤسسات البحث على وضع قواعد لتحليل واستقصاء بنيات ومتغيرات المجتمع المغربي طيلة الخمسين سنة الأخيرة. وتقرير الخمسينية، الذى يمثل لحظة فكرية وسياسية بارزة، يشهد على ذلك. إنّ التحوّلات التي يعرفها المغرب تتجاوز قدرات الباحثين المغاربة ، قياسا إلى إمكانياتهم، ولا سيما من يتوفر منهم على درجات من الرصانة والجدية. علما أن هؤلاء الباحثين يشعرون دائما وكأنهم يبدأون من الصفر، وبدون سند مؤسسي، وأحيانا بلا جدوى إنتاجاتهم.
ومن المؤكد أن المغرب، باعتباره موضوعا للتفكير، كان وما يزال، مدار مئات من الكتب والأطروحات والخطب؛ سواء ما تركه الإرث الكولونيالي الفرنسي من كتابات، أو ما أنجزته المدرسة الأنغلوسكسونية من دراسات، أو ما أنتجه الباحثون المغاربة من بحوث ومؤلفات. كان «المغرب السياسي»، وما يزال، بأبعاده الاجتماعية و الاقتصادية، موضوع مناقشات وسجالات عديدة. غير أن الأبحاث السوسيولوجية والأنتروبولوجية كثفت أهم التمثلات التي صيغت حول المغرب. نجَم عنها تكوين ثلاثة أنماط من النظر: النمط الوظيفي الذي يدعو إلى الجمع بين المعرفة والثقافة، أو بين المعرفة والدين؛ والنمط التطوري، الذي يتصور أن انتقال المغرب من التقليد إلى التحديث لا مناص منه، شريطة مناهضة أشكال المقاومة التقليدية؛ ثم أخيرا النمط الأنتروبولوجي النسبي الذي يرى بأن إدراك المغرب معناه أن تقبض على بنيته الاجتماعية المتعددة، ذلك أن هناك قوى تحديثية وأخرى تقليدية ، وأن المظاهر المحلية والجهوية لها أهميتها خاصة في التوازن الوطني. لذلك يتعين على الباحث تفكيك الأنظمة الرمزية ، وإبراز الدلالات التي تدخل ضمن عملية بناء المعرفة.
إزاء هذه الأنماط في فهم المغرب، اكتسب بعض المثقفين المغاربة وعيا بضرورة القيام بنقد مزدوج: نقد النظريات الغربية، بما لها وما عليها، ثم تأسيس اجتهاد نقدي للثقافة السياسية والمجتمع المغربيين، كما يتقدمان في مكوناتهما التراثية الكابحة للفعل والمبادرة، وكما تكوَّنتا في سياق الاحتكاك المتوتر مع النماذج الفرنسية بشكل خاص. وقد تبيَّن أنه على الرغم من كل ما أنتج حول المغرب السياسي، فإن التفكير في النظام السياسي، والأحزاب، والنقابات، والجمعيات، والانتخابات، والديمقراطية يتميز ب»هشاشة» لا توفر شروط إنتاج مضامين تأسيسية لا كميًا ولا كيفيًا، ولا تسعف في الوقوف على فرضياتها، وأطروحاتها، وتياراتها واتجاهاتها. قد نعثر على مفاهيم مثل مؤسسة الشريف، والنمط المخزني، والنظام القيادي في النسيج السلطوي، والأحزاب السياسية، والنقابات، لكن البحوث السياسية لم تنتج «لغة سياسية» قادرة على كشف «لغات» وتدخلات الفاعلين السياسيين، بسبب التشابك الكبير بين الأبعاد الرمزية واهتمامات المرحلة، بين العاطفي والشروط العقلانية، بين التقليد والتحديث. وهذا كله يجعل المعرفة بالظواهر السياسية «هشَّة».و زادها هشاشة و التباسًا ضجيج الإعلام و الكلام الاجتراري الذي ينقصه الكثير من التواضع الذي يستلزمه البحث الرصين.

تعتبر أنه ما لم تتجدد اللغة السياسية، ويتحرر الفاعلون، ويتأسس مجمتع عصري جديد، فإن الإيقاع البطيء للقرار، واحتقان الحياة السياسية والاجتماعية سيؤديان إلى مزيد من إضاعة الفرص، وتشجيع عوامل التخلف. فهل هذه شروط حتمية في نظرك؟

* ليستْ هناك حتميات ميكانيكية في التاريخ، وإنما جدليات تنتج حقائقها الخاصة. لا شك أننا نعيش مغربا مختلفا طيلة العشر سنوات الأخيرة. وقد عمل العهد الجديد على إدخال مصطلحات مغايرة إلى قاموس السياسة (المفهوم الجديد للسلطة، الجهوية الموسعة، الملكية المواطنِة…) وفي الاقتصاد ( الأوراش الكبرى المُهيكلة، إصلاحات مختلفة، أقطاب رائدة…) وفي الاجتماع (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية….).لكن المعضلة الكبرى التي نعاني منها تتمثل في» الهدر». فنحن لا نؤدي ثمنًا باهضًا بسبب» الهدر المدرسي» فقط، وإنما نؤدي تكلفة لا يمكن تكمِيمُها وقياسها في «الهدر المؤسسي» والاقتصادي والثقافي، بسبب غياب الإستمرارية والتراكم، والبناء على المكتسبات. وكل الفاعلين مسؤولين عن هذا الوضع: تبذل مجهودات، جبارة أحيانًا، حول أفكار طليعية، لكنها تتعرض للإجهاض. والأمر لا يتوقف فقط على مجال التعليم، وإنما في كثير من الحقول. نبني مؤسسات عصرية ثم نفرغها من مضامينها وتُحوَّل مساراتها نحو اتجاهات تناقض أفكارها أهدافها التأسيسية. أليست هذه من مظاهر التخلف؟

هل يمكن في نظرك أن تزول يوما ما أشكال «سوء الفهم» الذي تشير إليه ما بين السياسي والثقافي؟

* إن الثقافة هي الضحية الكبرى للمغرب الحديث. وتُبين الوقائع أن «سوء الفهم» بين السياسي والثقافي سيستمر. انظر إلى أن كل القطاعات وُضعت لها مخططات وطنية: المخطط الأزرق في السياحة، المغرب الأخضر في الفلاحة، مخطط «إقلاع» في الصناعة، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية للتقليص من العجز الإجتماعي؛ تأهيل الشأن الديني، المغرب الرقمي، إصلاح منظومة العدالة…المغرب في حاجة إلى كل هذه البرامج وأكثر. ولكن لماذا اسثثناء الثقافة بالرغم من كل الكلام الإنشائي حول أهميتها في التنمية وفي تحصين الهوية وما إلى ذلك . ما هو السبب؟ لاأدعي امتلاك جواب.لا شك أن هناك من المثقفين السياسيين لهم ما يلزم من عناصر الأجوبة عن هذا السؤال.المهم أن المرء يلاحظ أن وزارة الثقافة، منذ نشأتها إلى الآن، لم تقم بأدوارها التأسيسية التي كان من المفترض أن تقوم بها. وكيف لها ذلك وميزانيتها لا تتعدى 0,50 في المائة من الميزانية العامة ؟ وبأن التعليم أفرغ من مضامينه التثقيفية، وبأن المثقفين، باختلاف نزعاتهم وأشكال حضورهم، يشعرون بلا جدوى الكتابة والتأليف إزاء نخب سياسية واقتصادية تستخف بقيمة «المنتوج الفكري المغربي» ، وخصوصا إزاء مجتمع لا يقرأ.
صحيح أنه لا يمكن اختزال الثقافة في القراءة وفي ما هو مكتوب، عِلمًا بأن (60 في المائة من المغاربة يشاهدون قنوات غير مغربية )، وهو الآن يتعامل مع الثورة الرقمية، مضطرًّا، بدون قواعد ثقافية إبداعية تسمح له بأن يكون فاعلا حقيقيا لولوج مجتمع المعرفة.
لا شك أن لأهل السياسة «خصومة» مع الثقافة. ومهما كانت النوايا التي تحرك من يردد منهم بأن «الثقافة أساس التنمية» ، فإن لهذه الخصومة أسباب سياسية تعود إلى الستينات ، كما قد نجد لها عناصر التفسير في مواقف البعض لأسباب سيكولوجية تتحول الثقافة فيها من مَرفق عمومي إلى موضوع لتصفية حسابات خاصة.

يعتبر الأستاذ عبد الله العروي أن المجال الديني ينبغي أن يبقى بين يدي الملك لأن ذلك في مصلحة البلاد، ما الدافع في نظرك إلى هذا القول؟

* للأستاذ العروي دوافعه ومبرراته لقول ذلك. وفي ظنِّي أن الرجل لا يطلق تصريحاته بدون تمعُّن ولا َروية. فمنذ «الإيديولوجية العربية المعاصرة» والعروي يدعو إلى تبني مقومات الفكر العصري، والحرص على التأطير الأنسب للخطاب الديني في المجتمع. والمؤكد أنه يشعر بخيبة لمآلات «الانتفاضات» العربية، ولتطورات الأحوال السياسية في المغرب. كل هذا وارد. لكن علينا أن ننظر إلى دعوة العروي في سياقها. لأن الاستحواذ على السياسة باسم الدين له مخاطره بدون شك، وبأن هذا المعطى في حاجة إلى «هيأة ضبط رمزية» لكي لا يختل التوازن في المجتمع. ثم إن دعوة العروي ليست جديدة لأن نخبا تحديثية مغربية رفعت أصواتها منذ أحداث ماي 2003 بالدارالبيضاء لتُنبه إلى خطورة إقحام المقدس الديني في التدافع السياسي والانتخابي، بما يفترض ذلك من «تكفير» من يجهر بالاختلاف، وابتزاز عقائدي، وتحريض فئات من المجتمع ضد أخرى.

في سياق مناقشتك للعروي، تشير إلى «نزعته التشاؤمية» بشأن إمكانية إقامة ديمقراطية في بلادنا؟ ما هي مسوّغات هذا النقاش أو النقد؟

*يعود هذا النقاش إلى 2006 بمناسبة محاضرة بعنوان»عوائق التحديث» ألقاها عبد الله العروي بدعوة من اتحاد كتاب المغرب، حيث طُلِب منِّي التعقيب عليها.وذكَّرته بحوار كان قد أجراه مع جريدة مغربية سنة 2002 يرى فيه العروي أن «الذين يطالبون بالديمقراطية لا يريدونها فعلا..وبأنه لا يظن بإمكانية إقامة نظام ديمقراطي لأن هناك معيقات اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية وعائلية كثيرة جدا». وهو أثناء المناقشة لم يُراجع هذا الموقف أو عَّبر عما يمكن أن يفيد إعادة النظر فيه.
وفي كل الأحوال، فإن المطّلع على كتابات عبد الله العروي سيلاحظ بأن هذا المفكر المغربي كان وما يزال «هيغلي «النزعة. آمن بأن تجاوز التأخر التاريخي لا يمكنه أن يتم بدون إقامة دولة عصرية، وبدون توطين ثقافة عصرية حقيقية من خلال التعليم، تحرير المجتمع من تكلُّسه التقليدي، وتأهيل المرأة…ونادرا ما يتعرض للمسألة الديمقراطية. يكفي أن نعود إلى سلسلة «المفاهيم» لنلاحظ بأنه خصص كتابا عن»مفهوم الحرية» وآخر عن» مفهوم الدولة». والقارئ لكتابه «من ديوان السياسة»، الذي أصدره سنة 2009 ، سينتبه إلى أن العروي يتعرض لدولة المخزن، ولدولة الحماية، والدستور الملكي، والدولة الإسلامية، والدولة الوطنية. وفي حديثه عن الإصلاح يشير إلى الديمقراطية المحلية، ثم إلى «التأويل الديمقراطي « بشكل عابر في سياق دحضه للتأويل السلفي…إنه يتجنب استعمال كلمة ديمقراطية، لربما للإذلال التي تتعرض لها هذه اللفظة. لذلك يُنبه في آخر الكتاب في سياق تعليقه على شعار «الكلُّ سياسة» إلى أنه :»إذا طغت السياسة على الكلِّ صارت، وجرَّت الكل معها، إلى الحضيض…وأن العلاقة بين الديمقراطية والإبداع أعمق مما نتصور .. في ظل الأمية، السياسة طاغية ومُنحطَّة. في ظل النظام الديمقراطي، مجالها ضيق قيمتها عالية»(ص154).

ألا يمكن القول بأن الالتباس الكبير الذي يعيشه المغرب هو الالتباس ما بين الخطاب الديني والخطاب السياسي؟ وإذا هذا صحيحا، فما السبيل للخروج منه؟

*هناك التباسات عدة في الخطابات الرائجة عن الديمقراطية في المغرب، لأن ثلة من الناس ركبوا عليها وشوَّهوا السياسة بإفسادهم للبلاد والعباد. لكن هل يمكن التسليم، في ضوء هذا المعطى، بأن الحقل الحزبي والسياسي الوطني وطَّن قيم المجتمع الديمقراطي في الأدبيات، والمناقشات، وأنماط التواصل، والمشاريع المقترحة على المجتمع؟
كثيرا ما يختزل البعض الديمقراطية في الانتخابات، أو في حرية التعبير، أويخلط بين الليبرالية الدستورانية والاختيار الديمقراطي. لا شك أن هذا الموضوع يستحق الشرح و المقام لا يسمح بذلك. تكفي الإشارة إلى أن للديمقراطية ذاكرة تعددية، وأنها لا تنحصر في «الاقتراع العام» فقط- وهو آلية حاسمة- أو أن الدولة الراعية- بما تفترضه من مضامين اجتماعية للسياسات العمومية-. وإنما يناقش فقهاء الديمقراطية، اليوم، ضرورة حل مشكل «التمثيلية» لأنها لم تعد، وحدها، معبرة عن «إرادة الأمة»، سيما وأن هناك «نخبًا منتخبة فاسدة»، ومحترفي انتخابات، وهناك فئات اجتماعية واسعة لا تشارك في الاقتراع، فضلا عن ما يُسمّيه م»بيير روز انفالون»ب»منسيي التمثيل». لهذا اهتدت «الدولة الديمقراطية « إلى إقامة «مؤسسات ضبط»، تتوفر في أعضائها شروط الكفاءة، والنزاهة، وروح الإنصاف، تراقب وتحاسب من هو موكول له ب»مراقبة» الجهاز التنفيذي. والملاحظ أن النخبة التي سهرت على تحرير الدستور الجديد انتبه البعض فيها إلى أهمية دسترة «هيئات الضبط»لمراقبة الفاعل السياسي، و الحرص على احترام قيم الإنصاف و التوازن في إطار القانون. لكن الرهان يتمثل في توافر ترجمة ما هو نظري و افتراضي إلى ممارسات عادية لخلق ما يلزم من التراكم لتوطين الديمقراطية.

ما يعرفه العالم العربي من حركات احتجاجية، يبرز لحدّ الآن حقيقة أن المجتمعات العربية كلها، ومنها المغرب، مؤطرة بثقافة تقليدية راسخة، تتجلى تمظهراتها في هيمنة الخطاب الديني في صيغته الشعبوية. هل تتفق مع هذا الحكم؟

* لا يتعلق الأمر بالاتفاق أو الاختلاف مع هذا الحكم، وإنما بإقرار وقائع وخطابات هي نفسها تؤكد ذلك . لقد عمِلت التسلطية على إنتاج ظواهر مفارِقة. إذ بعد عقود من الإستبداد وإذلال الإنسان، هل يمكن للمرء أن يتوقع إنتاج قوى عصرية متغلغلة في أحشاء مجتمع مُحتقر ومُهان يجد في الدين عزاءَه الوحيد، وفي التفكير السحري ملاذَه لمقاومة القهر السياسي، والفساد الإقتصادي، خصوصا وأن نخبًا تحديثية تعاونت مع الأنظمة خوفا من مشاريع الإسلاميين؟
تتمثل المشكلة في انقضاض قوى منظمة، تعرضت للقمع هي كذاك، وركبت على مطالب نبيلة، من قبيل الحرية، والديمقراطية، والكرامة، ومحاربة الفساد. وتمكَّنت من احتلال الصفوف الأولى في التسابق الإنتخابي. هناك من يرى بأن مرحلة قوى الإسلام السياسي جاء دورها. إنها تمثل تيارات في المجتمع وأنها بالرغم من شعبيتها لا يمكن، في كل الأحوال، أن تفرض أجندتها السياسية بشكل تام، بحكم أنها في حاجة إلى الآخرين لتدبير الشؤون العامة، وأنها لا تملك بديلا اقتصاديا ، وإنما خطورتها تكمن في برامجها الإجتماعية واختياراتها الثقافية.لكن المثير هو أن من يدفع في هذا الإتجاه بإمكانياته المالية الضخمة، وترسانته «الإعلامية» وأجهزته الإيديولوجية، لا يمكن تصنيفه في عداد الصف الديمقراطي.
ومهما يكن، إننا نعيش «أحداثا» تاريخية بالمعنى القوي للكلمة. نشهد على تطورات سريعة، و عنيفة، و لى ديناميات خاصة بكل بلد عربي.لا أحد يمكنه أن يتنبأ بمآلات الأحوال.صحيح أن حركة النهضة في «المختبر التونسي» حصلت على أعلى الأصوات، لكنها لا تمثل سوى 35 في المائة من نسبة من صَوَّت في الإنتخابات. أما الحالة المصرية فلها كيمياء تُميزها.فمرشح الإخوان المسلمين حصل على 51 في المائة فقط، ولا يمكنه أن يتحكم في مقاليد الأمور باسم إيديولوجية الإخوان وحدها.و هو يواجه 49 في المائة ممن لم يصوت عليه، ومؤسسة عسكرية جبَّارة، لها استثمارات ضخمة في الإقتصاد، في البناء ومصالح متنوعة.لا شك أن هناك إرادة ل»أسلمة» العالم العربي. لكن النية غير المُعبر عنها، لربما، هي العودة بالبلدان العربية إلى مراحل» ما قبل الدولة» وإلهائها في متاهات إيديولوجية و سياسية لا علاقة لها بمفردات الإنتماء إلى الزمن الحديث. وهنا يتعين الانتباه إلى ما يحصل في الحالة المغربية.

أمام التشاؤم الذي نقرأه بين سطور كتابك، هل ما يزال الأمل في تحقيق حداثة مجتمعية وفكرية اليوم؟

* إنني أتطلع كل صباح لاكتساب عوامل التفاؤل. وللإشارة فإن المبحث الأول من الكتاب تمَّ تحريره في ماي 2011 في عزِّ «الهذيان الجماعي» حول التفاؤل الثوري، وبشائر الشباب، وسقوط رؤوس الأنظمة، ووعود الثقافة الجديدة من حريات فردية، و عقلانية..إلى آخر الكلام الذي تسرَّع البعض في إطلاقه. لم يكن الأمر تنبؤا بشئ ما.هذا ادعاء أنا عاجز على تحمله، وإنما قررت التشبُّت بنزعة شكية، وما أزال، إزاء الضجيج العام، ولا سيما ما اقترفته الفضائيات العربية من انتهاكات جسيمة لأخلاقيات المهنة و الإعلام.
أما بخصوص «الحداثة المجتمعية والفكرية»، فهذا موضوع شائك. فكيف لتيار جارفٍ يستهدف «تسطيح الوعي»، وتحريك ما كان يسميه محمد عابد الجابري ب»ثقافة الإدراك» أن يساعد على التحديث الفكري والمجتمعي؟ كيف يمكن أن تتحقق هذه الحداثة، في ظل تدنِّي مُريع لمؤشرات التنمية البشرية، وخواء ثقافي مثير، وتنامي مستفز للسلوكات اللامدنية ،والعدوانية المجانية، وتراجع قيم الإجتهاد، و العمل، التضامنالمحبة

ما رأيك في الوضع الثقافي في بلادنا اليوم بصفة عامة؟

* لا يكفي أن يبدي المرء برأي في الوضع الثقافي المغربي، اليوم،لأن ذلك يفترض تشخيصا مسبقا لما نسميه «الوضع الثقافي»، وعن أية ثقافة نتحدث؟
ما يمكن ملاحظته، بسرعة شديدة، هو أننا نعيش في مغرب لا تنطبق كثير من المقولات التي حملها المثقفون في العقود الأخيرة على حقائقه الجديدة التي بدأت تظهر علاماتها الاولى منذ بداية الثمانينات. لهذه التحولات التي تجري،و ما تزال تجري بإيقاع مذهل، تداعيات على تعبيرات الثقافة. ففي غضون أربعين سنة أصبح عدد سكان المدن أكبر من سكان البوادي، ونسبة النساء أكثر قليلا من نسبة الرجال، وما يقرب من 20 في المائة من العائلات تعُولها نساء، مظاهر وتعبيرات ثقافية انفلتت من عقالها، تنامٍ مضطرد للتديُّن، مطالب لغوية وهُوياتية متصاعدة، تفاوتات اجتماعية تزداد باستمرار، التباسات في وظائف المبادرات الخاصة، في الإقتصاد، في التعليم، وفي الإعلام. فوضى لغوية غير مسبوقة، استقالة أو ضعف النخب بأصنافها و اختلاف مجالات تدخلها، تهافت مرضي على الإستهلاك، وتآكل مستمر للهيئات الكلاسيكية المنتجة للثقافة الحديثة، واستثمار هائل في صنع المشاكل المزَيّفة، و هيمنة مثيرة لخطابات التبرير، وسلوكات الغش. كل ذلك على حساب قيم الإبداع، وبذل الجهد، والتعاضد والاعتراف.
لا يمكن، في ظني، إبداء رأي حول الوضع الثقافي دون الكشف عن دلالات بعض هذه التحولات.

ألا زال للجامعة المغربية دور في إفراز شرائح تتطور في اتجاه الخلق والإبداع والبحث الرصين؟

 *إن مشكلة قدرة الجامعة على الإنتاج مرتبطة بمعضلة التعليم بشكل عام.لم تتمكن الحكومات المتعاقبة، ولا الدولة من إصلاح منظومة التربية والتعليم. بل إن المجهودات الإصلاحية تفرز كل ما هو مضاد لإنقاد التعليم و حل معضلاته البشرية، والمؤسسية، والتربوية. التعليم الإبتدائي العمومي، الآن، شبه مُعطّل، والهدر المدرسي يتصاعد كلما انتقلنا إلى الإعدادي و الثانوي والعالي. ففي كل 100 متمدرس في بداية الإبتدائي يحصل 3 طلاب على الإجازة، حسب معطيات المجلس الأعلى للتعليم. الذي أصبح مُعطلا هو بدوره.يستقبل أساتذة الجامعات، الآن، جيل من الطلبة يعاني من نقص بنيوي في التكوين الأساسي.في القراءة والكتابة واللغات. ربع قرن من «الكذب المؤسسي» على المجتمع والدولة. ترك هذا القطاع الحيوي لوزراء كل واحد يأتي لمحو سياسة من سبقه.و كأن التعليم مختبر للتجربة والخطإ وقياس أمزجة المسؤولين العابرين.مما أنتج جيلا تعوَّد على النجاح بدون استحقاق، و جعل من الغش حقا مشروعا ،مسنودا بتواطؤ كبير. اللهم إذا استثنينا بعض الإرادات الشريفة، وهي من حسن الحظ ما تزال تقاوم .كما أن هناك بؤر للذكاء والتفوق، يكون فيها للآباء دور مهم، ومؤسسات تعليم رائدة بفعل حماس مديريها وبعض أساتذتها، وأن التعليم العلمي ما يزال يثابر فيه من اختار العمل والإجتهاد. لكن الكتلة العامة تعاني من عجز في التكوين فظيع.يكفي أن نشير إلى نتائج التقرير الأخير لمجتمع المعرفة في العالم العربي لنُفجع بنتائج البحث المتعلق بالمغرب. ففي مهارات الحصول على المعلومة، وحل المشكلات، والتمكن من التكنولوجيا، والتواصل الكتابي، لم يحصل الطلبة المغاربة على المعدل في أي من هذه المهارات.
من الواجب القول بأن التفرُّج على مآلات التعليم لم يعد محتملا، وأن المراهنة على القطاع الخاص، وحده، وإنشاء جامعات حرة، ومدارس عليا خاصة تنتج نخبا لتدبير الشأن العام، مراهنة انتقائية لا يمكن اعتمادها كحل لمعضلة التعليم .وقد لاحظ المراقبون أن خطاب العرش الأخير تعرض لكل القطاعات والبرامج والموضوعات باستثناء قضية التعليم .
هناك في الجامعة مجموعات جادة ما تزال تؤمن بمهامها في التدريس والبحث. لكن التراجع في الإنتاج أصبح واضحا للعيان .فكيف يمكن ضمان إعادة إنتاج النخب والإنخراط في إنجاح مختلف البرامج والسياسات بدون مواجهة حقائق التعليم. فتركيا لم تكن أحسن حالا منَّا في بداية الثمانينات، لكن توافر إرادة سياسية حازمة، وإرساء أسس منظومة تعليمية تعتمد على العلم، وصعود طبقة وسطى مواطنِة حقًّا…جعل كل ذلك من تركيا في غضون 25 سنة تحتل المرتبة 15 في الإقتصاد العالمي. كلُّ هذه الإعتبارات تدفع إلى القول بأن عملية سياسية إنقاذية ، على أعلى مستويات الدولة، أصبحت ضرورة حيوية، للحد من التجريب السياسي ذي الكلفة العالية على الجماعة الوطنية.