ماهو دور المبعوث الأممي في كل نزاع أوقضية تطرح على المستوى الدولي ..إذا اشتغلنا تحليلا وتقييما على قضية الصحراء المغربية واستحضرنا الأطراف الوالغة فيها وربطنا كل ذلك بطبيعة الموقف المغربي المدافع عن حق تاريخي ..ماهي الخلاصات الممكنة والمقولات الموضوعية التي تعطي كامل الوجاهة للمشروع الوطني الذي اسمه الحكم الذاتي في إطار الجهوية ووسط وفي سياق محيط إقليمي يغلي بالتوترات واتساع رقعة الإرهاب .. في تساوق مع هذا هل سينجح المبعوث الحالي في تحريك مسار المفاوضات نحو طريق الحل الجدي والحقيقي ..هل الحل اليوم في الكونفدرالية وفي الكلام المصاحب لها والمنسوب حسب تسريبات مضبوطة وموقتة للمبعوث الاممي ..أم أن كل هذا مجرد بالونات اختبار تطلق لخلفيات لايعلمها سوى الراسخون في العلم والحائزون على المعلومة بحكم قربهم من مركز القرارهنا وهناك وهنالك ..هي أسئلة تدخل في صميم النقاشات الدائرة اليوم حول القضية الوطنية ..طرحناها على أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض إدريس لكريني في محاولة للتفكيك والفهم ليس إلا ..وهكذا كان ……

  *بداية ..ننطلق من سؤال بديهي ..يحاول أن يختصر لنا مهام ووظيفة أي مبعوث أممي في قضية أو نزاع معين ..

  *المبعوث الأممي مهامه تندرج في سياق البحث عن حل متوافق عليه كما نصت عليه قرارات مجلس الامن، وبالتالي تحركات المبعوث تتم في إطار التسوية السلمية ومؤطرة بقرارات المجلس ذات الصلة ..وإذا وقع تجاوز لهذه الصلاحيات ، فمن حق البلد المعني رفض كل تجاوز لهذه الصلاحيات ، وهنا نسوق حالة المغرب الذي أتى موقفه منسجما مع هذه القواعد والمبادئ..

*إذا أخذنا حالة السيد «روس» ..مثلا وانطلاقا من هذا التعريف ..نجده قد داس مبدأ الحياد في التعاطي مع المشكل ..

  *المبعوث الأممي دائما مهامه تنطوي على مدخل رئيسي وهو السعي إلى التقريب بين وجهات النظر دون التدخل في النزاع لصالح طرف أو على حساب طرف اخر وإلا فإن مهمته مآلها الفشل ..

  *في الحالة المغربية كان المغرب الرسمي واضحا ..لاشيء يمكن تقديمه أكثر من مشروع الحكم الذاتي وهو الأقصى كسقف يمكن الوصول إليه على طاولة المفاوضات ..
*ينبغي الإقرار على أن المغرب عبر عن مجموعة من المواقف الصارمة بخصوص الوحدة الترابية وفي علاقتها بما يمكن أن يطرح كسقف للتفاوض ويصل إليه في المقترحات.. هو مقترح الحكم الذاتي ..ثانيا رفض كل تجاوز يحصل من طرف المبعوث الأممي لقرارات مجلس الأمن والمهام الموكولة إليه ..

*لقد وصل «روس» الى المغرب بحر هذا الاسبوع الذي نودعه وقبلها التقى الرئيس الجزائري .. زيارة ستكون مطوقة بما سبق وأن صرح به مزوار وزير الخارجية لوكالة الانباء الاسبانية مؤخرا ..بأن الرجل سيكون مرحبا به في العاصمة الرباط فقط ..هل هي زيارة لتصحيح الامور أم لجس النبض .
  *الزيارة الحالية تأتي في أعقاب مجموعة من الرسائل أو الإشارات التي بعث بها المغرب إلى الأمم المتحدة والمنتظم الدولي ..فالمنطقة اليوم تواجه تحديات مطروحة بحدة تفرض التسريع بإغلاق هذا الملف الذي يريد البعض تطويل أمد النزاع فيه لأسباب باتت مفهومة اليوم لدى الجميع ..الاشكالات التي تفرض نفسها تستلزم الانتهاء من هذا الملف ..التوتر ،تغلغل الإرهاب الذي يوجد له مكان خصب في المنطقة ..

  *الامم المتحدة والدول الراعية ..تعرف ما الذي يقع الآن في منطقة الساحل جنوب الصحراء وتعرف أيضا ما يقع في مخيمات البوليساريو ..ثم الجزائر التي تشتغل على دبلوماسية «اللاحل».. هل كل ما تفعله الجارة لحدود الساعة يبني أرضية صلبة للتفاوض الحقيقي والجدي ..
  *أعتقد أنه من بين الاشكالات التي تواجه قضية الوحدة الترابية خصوصا على مستوى مسار التفاوض ..هو عدم توفير الأجواء السليمة للحوار.. خصوصا الطرف الجزائري الذي يؤكد أنه غير معني بالنزاع ..لكنهم دائما يحاولون قدر المستطاع التشويش على المفاوضات وتحريض البوليساريو ..وكلنا نعرف أن مسار التفاوض رهين بوجود حسن النية خصوصا لدى الأطراف المجاورة ..ففي مقابل المرونة التي أظهرها المغرب لما طرح مشروع الحكم الذاتي ..نجد أن الجزائريين لا يزالون يرددون نفس المقولات والخطابات التي تجاوزها الزمن ..

  *على فرض أن الجزائر غير معنية بالنزاع ..لماذا زارها روس أولا ..هل ذهب ليطمئن على صحة بوتفليقة ويقرقب الناب مع العسكر هناك..
  *هذا السلوك يعبر على أن الجزائر تقحم نفسها في الملف عكس ما تحاول الترويج له، والنقطة الثانية المستشفة من هذا الأمر ..أن هذه السلوكيات تعتبر بمثابة عامل يمكن أن يفشل جميع المحاولات الرامية لإنهاء المشكل ..

  *الناس في قصر المرادية يتحدثون عن مبدأ حق تقرير المصير ولا يجدون في المقترح المغربي أي مدخل لحلحلة المشكل الموروث من زمن الحرب الباردة ..
  *المغرب لما طرح المشروع ..لابد أن يسجل الملاحظ الموضوعي ،أن الحكم الذاتي لقي قبولا أسهم في عودة الكثير من النخب الصحراوية تعبيرا عن قناعتها بنجاعة هذا الخيار وأهميته ..الأمر الثاني، هذا المشروع أفرز استحسانا من لدن القوى الكبرى والأمم المتحدة التي مافتئت تنوه به ..الطرف الاخر يردد مطلب تقرير المصير.. علما أن مبادئ القانون الدولي تطورت ، عندما نتحدث عن مفهوم السيادة أو مفاهيم أخرى نجدها قد خضعت للتطوير.. وبالتالي مشروع الحكم الذاتي هو تجسيد واقعي لحق تقرير المصير ..خصوصا أنه مبني على التفاوض وعلى إشراك الساكنة في تدبير شؤونها المحلية والمختلفة ..

  *المبعوث الأممي صاحب البرنس والعربية المعسولة ..يبدو وكأنه حشر نفسه في الزاوية مرة ثانية ..بعدما سبق أن فعلها لما رفض المغرب استقباله في المرة السابقة .. البعض يتحدث عن خطته التي يروج فيها لما يسمى بالكونفدرالية ..
  *بدون الغرق في التفاصيل .. الخطاب الأخير لذكرى المسيرة الخضراء كان واضحا بشكل لا يدع مجالا للشك ..الخطاب رسم خارطة طريق لتدبير الملف ..أوله هو الرهان على مدخل التنمية، الاشتغال على الاستثمار وتعزيز المشاريع ذات الطبيعة الهيكلية.. وأعتقد أن الرسالة واضحة للمجتمع الدولي وللأمم المتحدة.. إن المغرب حدد السقف الذي يمكن الوصول له في المفاوضات ..مشروع الحكم الذاتي يجمع ويوازي بين خيار الوحدة ومنح الساكنة الصحراوية نوعا من الاستقلال الكفيل بالتدبير في إطار المؤسسات الدستورية ..أي اقتراح خارج هذا المقترح سيكون فيه نوع من المبالغة وكثير من عدم القراءة الجيدة والموضوعية..

* جزائر العسكر وصنيعتها البوليساريو أوفياء للمقولة الشعبية ..» على من تعاود زابورك ااداود…» وبالتالي فالمواقف الجامدة والمتكلسة للطبقة السياسية في جزء كبير منها مضاف إليها العقيدة العسكرية التي تقول بمواصلة وضع حجر في حذاء المغرب ، تعرقل وتشتت أي جهد لإنهاء هذا النزاع المفتعل..
  *مشكل الجزائر في علاقتها مع الوحدة الترابية للمغرب يمكن تحليله من أوجه متعددة.. أهمها أنه في الوقت الذي عرف المغرب وعاش نقاشات واسعة وبناءة حول قضية الصحراء المغربية، رافقه تجديد متواصل وهادئ في النخب السياسية المغربية بنوع من الجرأة ..نجد في الوقت نفسه ثبات الموقف الجزائري على نفس الأطروحة ..هذا يعكس عدم تجدد في النخب السياسية الجزائرية ، يوازيها في الداخل نخب لم يكتب لها الظهور تراهن على تعزيز العلاقات ..وتعتبر أن ملف الصحراء يثقل الاقتصاد الجزائري ويضع البلاد في مأزق تاريخي ..
المهم أن الدينامية السياسية في المغرب وفي الصحراء أيضا ..تعمق الشروخات التي تخترق الدولة هناك ولا حاجة للدخول في التفاصيل..

  *تحدثنا طويلا عن روس والجزائر في هذه الدردشة الاعلامية.. لكن نسينا أن نتطرق أستاذ لكريني إلى أوجه العطب العالقة في تدبيرنا لقضيتنا الاولى في المغرب ..الحاجة إلى التقييم والنقد الذاتي مسألة جوهرية.. في إطار استراتيجي ورؤية استراتيجية لا تنزلق نحو التكتكة الساذجة وانتظار المبادرة من فوق.. أعني هنا الديبلوماسية الرسمية والموازية ..
  *أحيلك هنا على الخطب الملكية، فهي لم تعد تذكر بالمنجزات.. بل هي خطابات تركز على مكامن الخلل وتوجه النقد الذي يقدم الكثير من المداخل لدعم الملف، الجانب المتعلق بالتنمية مدخل ناجع.. وفي العمق يحقق الاستقرار ويقطع الطريق على التوظيفات السياسوية للمعضلات الاجتماعية.. ثم هناك الضرورة لتعزيز الدبلوماسية الرسمية عبر تقوية دور الدبلوماسية الموازية التي ستخاطب الاصوات التي تأتي منها المشاكل ..نتحدث عن الدبلوماسية البرلمانية، الاحزاب السياسية ..فالمجتمع المدني الذي يمكن أن يوظف الطفرة النوعية التي يعيشها.. استثمار أيضا إمكانيات الجاليات المغربية في كل قارات العالم الذين وصلوا إلى مراكز مهمة داخل أوروبا وأمريكا واللاتينية وكندا ..ناهيك عن دور الجامعات ورجال البحث العلمي ..كل هذه المداخل من المؤكد أنها ستدعم الحقوق المشروعة للمغرب….