لم يبق دور القضاء ينحصر في الفصل في النزاعات الفردية و الجماعية في الاحوال و الاعراض و الانفس و غيرها التي كانت تعرض عليه من قبل . ومن تم اصبح من الضروري الارتقاء بقطاع القضاء الى المستوى الذي يؤهله لمسايرة كل التحولات المجتمعية للاضطلاع بالمهام الجديدة المنوطة به , و يبدو أن الامر يحتاج الى ترسانة قانونية متطورة بدورها التي تمكن القضاء من اعمالها و الاجتهاد في تطبيقها تطبيقا سليما لتحقيق العدالة التي تشكل الغاية المتوخاة منه و هي الغاية التي جئت به الرسالات الالهية بواسطة انبياءه و رسله لاسيما ان العدل واجب لكل احد على كل احد و هو قوام العالمين

لقد اصبح للقضاء في عصرنا الحاضر دورا هاما و جسيما قبل أي وقت مضى يتطلب الأمر تطويره وكفاءته لمسايرة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي من تحولات في بنياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفي مختلف الميادين .
يتعلق الأمر بالأساس في استتباب الأمن والاستقرار التي تعاني منها المجتمعات البشرية في مختلف ارجاء المعمور بسبب تنامي ظاهرة الارهاب و الاجرام و التي تحدت بأساليب متطورة و كذلك ظهور انواع جديدة منها و متقدمة نتيجة التقدم التكنولوجي و المنافسة من اجل الريع المادي و السريع و قد انعكس هذا التحويل سلبا على القيم الانسانية و اثرها على العلاقات بين الافراد و المجتمعات تفتقد معها الثقة و الوازع الديني بين الافراد و الاقرباء في الاسر التي تجمعها العلاقات الدموية التي جاءت بها الشريعة الاسلامية و مما يزيد في دور القضاء ايضا ارساء قواعد الديمقراطية و صيانة الحقوق و الحريات و الاستثمارات التي تساهم في التنمية والازدهار.
هكذا لم يبق دور القضاء ينحصر في الفصل في النزاعات الفردية و الجماعية في الاحوال و الاعراض و الانفس و غيرها التي كانت تعرض عليه من قبل . ومن تم اصبح من الضروري الارتقاء بقطاع القضاء الى المستوى الذي يؤهله لمسايرة كل التحولات المجتمعية للاضطلاع بالمهام الجديدة المنوطة به , و يبدو أن الامر يحتاج الى ترسانة قانونية متطورة بدورها التي تمكن القضاء من اعمالها و الاجتهاد في تطبيقها تطبيقا سليما لتحقيق العدالة التي تشكل الغاية المتوخاة منه و هي الغاية التي جئت به الرسالات الالهية بواسطة انبياءه و رسله لاسيما ان العدل واجب لكل احد على كل احد و هو قوام العالمين و الظلم فسادهم .و لا يتأتى ذلك إلا بتوفير الاليات و ظروف الاشتغال للقائمين بهذه المهمة وتوفيرهم الشروط المادية و المعنوية يضمن استقلاليتهم من كل المؤترات كيف ما كان نوعها و مصدرها .ويجب كذلك تطهير هذا الجهاز من جميع عناصر الافساد و جميع الفاعلين المرتبطين به لان الاصلاح كل لا يتجرأ و عليه فان العدل هو قيمة من القيم الاسلامية العليا . تم ان اقامة الحق و العدل هي التي تشيع الطمأنينة و تنشر الامن و تشد علاقات الافراد بعضهم ببعض و تقوي الثقة بين الحاكم و المحكوم و تنمي الثروة و تزيد في الرخاء و تدعم الاوضاع و يمضي كل واحد منهما على واحد منهما في العمل و الانتاج و خدمة البلاد دون ان يقف في طريقه ما يعطل نشاطه. و مما تجدر الاشارة اليه ان العدل لا يتحقق الا بايصال كل حق الى مستحقه و تجنب الهوى بالقسمة بين الناس بالسوية اسوة بالرسول (ص) حيث انه كان اول من تولى القضاء بنفسه في الاسلام .و اتباع نهجه و قد كان عليه الصلاة و السلام يحرص على القيام بالقسط و الانصاف بين المسلمين و غير المسلمين , لذلك اتنى عليه الله سبحانه بقوله (( فلا و ربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم و لا يجدوا حرجا فيما قضيت و يسلموا تسليما )) سورة النساء . كان يعتمد (ص) في احكامه على قوله سبحانه (( و لقد ارسلنا رسلنا بالبينات و نزلنا معهم الكتاب و القران ليقوم الناس بالقسط )) . سورة الحديد , و في هذا الصدد روي عنه (ص) انه اذا قضى لشخص بحق دون استحقاقه وعده بقطعة من النار . اما اهم الوسائل التي يتحقق بها القسط « العدل « و تحفظ الحقوق و تصان الدماء و الاعراض و الاصوال هي اقامة النظام القضائي الذي فرضه الاسلام و لو كان الامر يتعلق بالقوانين الوضعية التي يعمل بها في اغلب الامور و القضايا.
فالاسلام جعل القضاء جزءا من تعاليمه و ركيزة من ركائز التي لا بد منها و لا غنى عنها و يراد به القضاء العادل و النزيه و المستقل، وهو فرض كفاية لدفع التظلم في الخصومات و لأهمية القضاء و ضرورته فقد اوجب الاسلام على الحاكم ان ينصب للناس قاضيا و من ابى اجبره عليه اذا كان اهلا له , في حين ان كثيرا من الصحابة و الائمة فقد رفضوا توليته خوفا من السقوط في الظلم كما هو الشأن بالنسبة للامام أبي حنيفة النعمان , كما ان الله وعد القاضي العادل بالجنة لقول النبي (ص) ( ان الله مع القاضي ما لم يجر فإذا اجار جار الله عنه و لزمه الشيطان . ) اما الحديث الذي جاء في التحذير في الدخول في القضاء ما رواه سعيد المقبري بقوله ان الرسول (ص) قال ( فمن تولى القضاء فقد دبح بغير سكين ) . اما بخصوص الحديث المتداول و التي مفادها ( قاض في الجنة و قاضيان في النار ) فيعني بها ان القاضي الذي سيدخل الجنة هو الذي علم بما انزل الله و يعرف حق المظلوم فيحكم به و ذلك يأخذ حق الظالم من المظلوم اما القاضيان اللذان سيدخلان النار فيعني بالأول الذي علم الحق و لم يحكم به اما الثاني فهو الذي لا يعلم الحق فيصدر حكمه بدون علم . و بذلك يأتي حكمه اما صائبا او خاطئا و المراد بالحق العدل مصداقا لقوله تعالى : (( و اذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل )). و قوله ايضا (( فاحكم بما اريناك )) اي احكم بالعدل . و لهذا السبب فقد اشترط بعض الائمة و الفقهاء شروطا لتولية القضاء اذكر على سبيل المثال ما جاء عن ابن عبد البر في كتابه الكافي و سابق في كتابه فقه السنة و كلاهما تابعين لإمام دار الهجرة و هو الامام مالك الذي تبنى المغرب مذهبه منذ قرون . و قد اجمع الامامين سابق و ابن عبد البر و غيرهما من المذاهب على الشروط التي يتوجب ان يتوفر فيمن يولي القضاء شروطها اهمهما: – ان يتوفر فيمن يقضي بين الناس من كان عالما بالكتاب والسنة.
– فقيها في دين الله قادرا على التفرقة بين الصواب و الخطأ .
– بريئا من الجور و بعيدا عن الهوى .
كما ان بعض الفقهاء فيشترطون بلوغ القاضي درجة الاجتهاد عالما بآيات الاحكام و احاديتها و عالما بأقوال السلف سواء ما اجمعوا عليه وما اختلفوا فيه عالما باللغة و بالقياس . اما من ليس اهلا للحكم فلا يحل له الحكم حسب بعض العلماء اطلاقا . فان حكم فهو اتم و لا ينفد حكمه سواء وافق الحق او خالفه , و احكامه مردودة كلها و لا يصدر في شيء من ذلك . و يقول السيد سابق ان على القاضي ان يتحرى الحق فيبتعد عن كل ما من شأنه ان يشوش فكره فلا يقضي اتناء الغضب الشديد او الجوع المفرط او الهم المقلق او الخوف المزعج او النعاس الغالب او الحر الشديد او شغل القلب شغلا يصرفه عن المعرفة الصحيحة و الفهم الدقيق ففي حديث ابي بكرة في الصحيحين و غيرهما قال سمعت رسول الله (ص) يقول ( لا يقضي الحاكم بين اثنين و هو غضبان ) فإذا حكم القاضي اثناء حالة من هذه الحالات صح حكمه ان وافق الحق عند جمهور الفقهاء . هذا و مهما اجتهد القاضي في معرفة الحق و اصابة الصواب فهو مأجور و لو لم يصب الحق و يعني بالمأجور الاجر . اما ابو بكر الجزائري فيرى في منهجه انه لا يولي القضاء من يطلبه و لا من يحرص على الحصول عليه . و يضيف الجزائري ان القضاء تبعة ثقيلة و امانة عظيمة لا يطلبها إلا مستخف بشأنها , مستهين يحقها لا يؤمن ان يخونها و يعبث بها و في ذلك من فساد الدين و البلاد و العباذ ما لا يتحمل و لا يطاق استنادا الى ما جاء عن الرسول (ص) (( انا و الله لا نولي هذا العمل احدا يسأله او احدا يحرص عليه )) رواه البخاري في كتاب الاحكام و مسلم في كتابه الامارة . و قال (ص) ايضا (( انا لن نستعمل على عملنا من اراده )) يعني به من ليس بفاسق بذنب من الذنوب اما بخصوص اداب القاضي فقد اشار اليها الجزائري في نفس المرجع ما يلي ( ان يكون قويا من غير عنف و لينا من غير ضعف لا يطمع فيه ظالم و لا يهابه صاحب حق و ان يكون حليما في غير مهانة حتى لا يتجرأ عليه سفهاء الخصوم و ان يكون ذا رؤية غير مماطلة و لا اهمال و ان يكون فطنا ذا بصيرة في غير اعجاب بنفسه و لا استخفاف بغيره . اما الاتبات فهو لا يختلف عما اشارت اليه المادة 399 من قانون الالتزامات و العقود و يتعلق الامر بالإقرار و البينة و اليمين و النكول , اما القاضي فلا يحكم بعلمه . هذا و قبل مغادرة الموضوع اود الاشارة الى ان عددا من الناس قد يحصل لديهم اللبس حول المراد من قوله تعالى في الاية 46 من سورة المائدة (( و من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون )) و قوله في الاية 47 (( و من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون )) تم قوله في الاية 49 (( من نفس السورة (( و من لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون )) . فقد جاء في تفسير الايات للعلامة محمد علي الصابوني في صفوة التفاسير قوله من لم يحكم بما انزل الله فقد كفر مشيرا الى الزمخشري قوله ( من لم يحكم بما انزل الله مستهينا به فأولئك هم الكافرون و الظالمون و الفاسقون و و صفهم بالعتو في كفرهم حيت ظلموا ايات الله بالاستهزاء و الاهانة و تمردوا بان حكموا بغيرها . اما ابو حيان فقد اشار الى ان الخطاب موجه لليهود إلا انها عامة فيهم و غيرهم , إلا ان نصر الدين الالباني فقد خلاف راي اباحيا ن في تحليله للحكم بغير ما انزل الله في كتابه الاختيارات العقائدية و ذلك بقوله بان الدكتور خالد العنبري قد فسر ذلك بما فيه الكفاية في كتابه « الحكم بغير ما انزل الله و اصول التكفير « و صار في اتجاهه الالباني في كتابه المدكور بقوله ( انه لا يجوز تكفير الحكام الذين يحكمون بغير ما انزل الله إلا اذا كانوا مستحلين هذا الفعل و ان الكفر الذي يخرج صاحبه من الملة هو الكفر القلبي او الاعتقادي و قسم الكفر العملي الى قسمين :
– كفر عملي مخرج من الملة بالكلية اذا دل على الجحود و التكذيب و اقامة الحجة عليه و يسمى البواح . – كفر عملي غير مخرج من الملة و الدائرة الاسلامية الا اذا ادل على الجحود . اما ما سار عليه العلماء من السلف و الخلف في هذا الاطار فهو ما جاء عن ابن عباس قوله ( فمن لم يحكم بما انزل الله فهم الكافرون او الظالمون او الفاسقون .) فالكافر هنا يعني بالنسبة اليه من جحد بما انزل الله فقد كفر . ومن اقر به و من لم يحكم به فهو ظالم فاسق و هو ما سار عليه عكرمة و الطبري و القرطبي و الفخر الرازي في تفسيره حيت ان عكرمة قال ( و من لم يحكم بما انزل الله انما يتناول من انكر بقلبه و جحد بلسانه «بواح» ) اما من عرف بقلبه كونه حكم بما انزل الله و اقر بلسانه كونه حكم الله الا انه اذا اتى بما يضاده فهو حاكم بما انزل الله و لكنه تارك له فلا يلزم بقوله تحت هذه الاية .
و يبدو ان هذا الاتجاه سليم خاصة انه لم يوجد في عصرنا الحاضر اي حاكم (قاض) يجحد بما انزل الله و بذلك لا يجب نعتهم بالكفار او الظالمون او الفاسقون و ان كان الامر يتعلق بالقوانين الوضعية.
و يبدو ان ما جاء به العنبري هو نفس ما جاء به العلماء السابقين كشيخ الاسلام ابن تيمية في منهج السنة النبوية و غيره من العلماء السابقين و المحدثين و على رأسهم نصر الدين الالباني في كتابه « الاختيارات العقائدية « بقوله لا يمكن الاقرار بالكفر العملي الذي يخرج من الملة بالكلية و ذلك الا اذا دل على الجحود و التكذيب او دل على الاستهانة و الاستخفاف فيجب التثبت من الحكم بغير ما انزل الله من غير جحود او استحلال من الكفر العملي غير المخرج من الملة و الدائرة الاسلامية و لا اختلاف بين شيوخ الاسلام و الائمة و الاعلام على انه كفر دون كفر و ظلم دون ظلم و فسق دون فسق . و قال البيضاوي في تفسيره ( و من لم يحكم بما انزل الله ) مستهينا به منكرا له فأولئك هم الكافرون لتمردهم بان حكموا بغير ما انزل الله ولذلك وصفهم بقوله فأولئك هم الظالمون و الفاسقون فكفرهم او ظلمهم بالحكم على خلافه و فسقهم بالخروج عنه .اما ابن القيم الجوزية فيرى ان الحكم بغير ما انزل الله يتناول الكفر بين الاصغر و الاكبر حسب حال الحاكم فانه ان اعتقد وجوب الحكم بما انزل الله في هذه الواقعة و عدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر اصغر و ان اعتقد انه غير واجب و انه مخير فيه مع تيقنه انه حكم الله فهذا كفر اكبر و ان جهله او اخطاه فهذا يسري عليه حكم المخطئين .
الجدير بالذكر ان الايات المشار اليها قد نزلت في اهل الكتاب من اليهود و النصارى لأنهم تركوا العمل بالتوراة و الانجيل و حكم عليهم بالكفر و الظلم و الفسوق , إلا ان بعض العلماء من يرى ان هذه الايات جاءت بالتعميم و بذلك تهم المسلمين . و في هذا الصدد تجدر الاشارة الى ان المغرب يعرف ترسانة قانونية متطورة في الميدان الاداري و التجاري و الاحوال الشخصية احدتث في شأنها محاكم ادارية و تجارية و قضاء اسري و تولى محكمة القضاء شباب و كذلك الشأن بالنسبة للمحاماة الامر الذي يتطلب التأطير و التكوين من اجل الاضطلاع بمهمة القضاء و استقامته . و لا يمكن تحقيق العدل إلا باستقامة المجتمع و توفر الارادة لدى المسئولين من اجل اقامة قضاء نزيه و مستقل و محاربة الرشوة التي اتخذت منحى خطيرا في افساد القضاء و ما ترتب عنه من فقدان المصداقية و الثقة كما هو الشأن بالنسبة لأغلبية المؤسسات العامة و خير دليل على ذلك الفساد المالي الذي عجزت المحاكم المختصة للبت في جرائم الاموال في استرداد المال العام المختلس . و قد عبر السيد وزير العدل و الحريات في اكثر من مناسبة الى ان المحاكمات التي تجري في شأنها يتم ايقاف او تعطيلها من طرف دوي النفوذ , اما الاستفتات الشعبية فرغم استعمال المال في شأنها جهارا و نهارا فلا احد يتوفر على الارادة الجادة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تفسد الانتخابات و تسيء الى سمعة البلاد و الاجهاز على المسلسل الديمقراطي ومن عناصر الافساد مستعملي المال هم الذين يشكلون الاغلبية في المؤسسات المنتخبة بمختلف درجاتها . و قد نتج عن هذا الوضع السيئ و في هذا المضماروقع المساس بالمكتسبات التي ناضل من اجلها الشعب المغربي و قواه الحية و تعميق الازمة التي تعاني منها الطبقات المستضعفة لعدم العناية بمسألة العدالة الاجتماعية وتنامي ظاهرة ثقافة التيئيس و اخطر من هذا اضعاف الاحزاب الوطنية و بات المغرب بدون احتياط اذا حلت به السكتة القلبية من جديد .

  • وارزازات * علي المرابط
  • 28 نونبر 2015