في هذا الحوار يتعرض الموساوي العجلاوي المؤرخ والخبير في الشؤون الإفريقية لكرونولوجيا الأحداث للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية بصفة أكاديمية وتاريخية، إذ يسعترض هذه الأحداث بنوع من التفصيل وبالتواريخ و التأكيد على أهم المحطات البارزة والتي لعبت دورا أساسيا في تطور الملف منذ الفترة الاستعمارية إلى غاية نونبر 2015، ويتطرق إلى عدد من الحيثيات والملابسات التي اكتنفت الملف كانسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية، ووضع الملف بمنظمة الأمم المتحدة وقبل كيف تم خلق جبهة البوليساريو، وكيف حصل المغرب على السيادة على أراضيه الصحراوية أمام الأطماع الاسبانية المتزايدة في تلك الفترة، كما تطرق للمناوشات والمناورات التي قامت بها الجزائر للحيلولة دون أن يتمكن المغرب من الحصول على صحرائه وعدد من الوقائع التاريخية التي تهم هذا الملف، وفي الأخير قام باستعراض آخر التطورات مع المبعوثين الأممين المكلفين بملف الصحراء.

  *أحد الخبراء الأجانب الذي تدخل في «ندوة النزاع المفتعل في الصحراء و مشروع الحكم الذاتي» التي نظمها مؤخرا الفريق الاشتراكي بمجلس النواب بتعاون مع لجنة العلاقات الخارجية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكد على أن أصل المشكل في هذا النزاع يرجع إلى الفترة الاستعمارية للمغرب هل لديكم معطيات تاريخية وتفصيلية بهذا الخصوص؟

* كان المغرب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ولأهمية موقعه الاستراتيجي، هدفا للأطماع الاستعمارية، فتهافتت عليه القوى الاستعمارية، ولم تتمكن من فرض سيطرتها على المغرب إلا بعد اتحاد مصالحها الاقتصادية و الإستراتيجية. في هذا السياق أبرمت عدة معاهدات لم يكن المغرب في أي منها طرفا، فاتفقت فرنسا وإسبانيا بالخصوص على تقسيمه إلى مناطق نفوذ من خلال معاهدتي 1900 ومعاهدة 1904. وانتهت الأمور بفرض عقد الحماية الفرنسية على المغرب في 30 مارس 1912، واقتسمت فرنسا وإسبانيا المجال المغربي من خلال معاهدة 27/11/1912، التي منحت لاسبانيا شمال وجنوب المغرب وبعض الجيوب الداخلية، وهكذا تم تمزيق المغرب إلى ثلاث مناطق نفوذ، النفوذ الإسباني، الذي كان يظم مدينتا مليلية وسبتة والجزر المحيطة بهما في البحر الأبيض المتوسط، وإقليم طرفاية، على المحيط الأطلسي، بالاضافة إلى إقليم سيدي افني، وهو جيب في منطقة النفوذ الإسباني، على المحيط الأطلسي، ثم إقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب، ( 1884)، والذي لم تحتله إسبانيا عمليا إلا في سنة 1934. أما النفوذ الفرنسي ويقع مجال النفوذ الفرنسي في المناطق الواقعة بين المنطقتين الشمالية والجنوبية التي كانت عمليا أو اسميا تحث النفوذ الإسباني، وبالنسبة للنفوذ الدولي وانحصر هذا النفوذ في منطقة طنجة التي كان تسيرها إدارة مختلطة من عدة دول غربية.

* وماذا بعد فترة الاستعمار كيف تطورت الأحداث مع هذه الدولتين الفرنسية والاسبانية فيما يتعلق بهذه المناطق المغربية؟ وما هي المجهودات التي قام بها المغرب من أجل استرجاع السيادة على أراضيه؟

   * حصل المغرب على استقلاله بمقتضى الاعتراف باستقلال المغرب وبوحدة التراب من لدن فرنسا في 2/3/1956، ومع إسبانيا في 7/4/1956، لكن إسبانيا لم تف بتعهداتها كاملة وظلت محتفظة بسبتة ومليلية والجزر المتوسطية، وسيدي إفني وطرفاية والمجال الصحراوي في الجنوب، والذي أصبح يحمل اسم الصحراء الغربية. استطاع المغرب استرجاع طرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969، في حين تمسكت إسبانيا بالصحراء الغربية وسبتة ومليلية.
وفي سنوات 1957 و 1958 و 1959 تمكن جيش التحرير في الجنوب إلحاق هزائم عسكرية بجنود الاحتلال الإسباني، لكن التحالف الإسباني الفرنسي في عملية أوكوفيون أجهض عمل جيش التحرير، وأثقل الاسبان الصحراء الغربية بوجود ما يقارب 70 ألف جندي، مع الطرد الجماعي للقبائل الصحراوية باتجاه السفوح الجنوبية لجبال الأطلس الصغير وباني، وهي القبائل التي كانت موضع جدال إبان تدخل الأمم المتحدة لتحديد لوائح هوية الناخبين.

 *ومتى بدأت المطالبة بتصفية الاستعمار من المناطق المغربية، و المطالبة بالصحراء المغربية ؟

    *طرح المغرب قضية استعادة الصحراء الغربية بمجرد قبوله عضوا في الأمم المتحدة سنة 1956، وأعاد طرحها كل سنة أمام لجنة الوصاية. وحين إنشاء لجنة تصفية الاستعمار بعد التصريح العالمي المؤرخ في 14/12/1960، بشأن ميثاق تصفية الاستعمار، طرح المغرب القضية من جديد، فصدر قرار بتاريخ 16 أكتوبر 1964 يندد باسبانيا لعدم امتثالها لقرار تصفية الاستعمار، ويطالبها بالعمل فورا على تصفية الاستعمار بسيدي إفني والصحراء الغربية، وأصدرت الجمعية العامة قرارا في 6/12/1965، مؤكدة فيه مطالبة إسبانيا بالدخول في مفاوضات بشأن القضايا التي تطرحها مسائل السيادة في دورة 1966.

* وماذا عن الجزائر في هذه الفترة التي تعتبر اليوم طرفا رئيسيا في النزاع المفتعل في الصحراء؟ و ماذا عن مشكلة الحدود التي خلفها الاستعمار؟

   * سؤال مهم ، ففي 6 يوليوز 1961 عقدت الحكومة المغربية مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، مذكرة تفاهم تقوم على نقطتين أساسيتين، أولا إعلان الدعم المغربي للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، في مفاوضاتها مع فرنسا، واحترام وحدتها الترابية، في سياق كانت فرنسا تحاول فصل الصحراء عن باقي التراب الجزائري، مقابل اعتراف جزائري بمشكلة الحدود المفروضة تعسفا بين البلدين، مشاكل ستجد حلولها عبر مفاوضات بين الحكومتين المغربية والجزائرية.
وفي نونبر 1963 كانت أولى الملفات الموضوعة على منظمة الوحدة الإفريقية، ملف النزاع الترابي المغربي الجزائري، في قمة باماكو بمالي، زمن الرئيس موديبو كيتا، غير أن المؤتمر الوزاري المنعقد في نوفمبر1963، أعلن عدم الاختصاص لمناقشة ملف النزاع المغربي الجزائري، لكنه كلف لجنة للنظر في الأمر على أن تصدر قراراتها بالإجماع. في يناير 1967 اجتمعت هذه اللجنة، وأعلن المغرب خلالها أنه يختار وعبر مفاوضات، حلولا متفقا حولها.

* وكيف تطورت مشكلة تسوية الحدود مع الجزائر و ما ذا عن تصفية الاستعمار من الأراضي الصحراوية المغربية؟

*في 5 يونيو1965 وقع انقلاب بومدين على بن بلة وكان التنكر الكامل للاتفاقية التي وقعت في يوليوز 1961 بين المغرب والحكومة الجزائرية المؤقتة حول تسوية مشكل الحدود،. أما بالنسبة لإشكال الصحراء فقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1965 قرارها رقم (XXI 2072) المطالب إسبانيا بإنهاء استعمارها للصحراء . ففي سنة 1966 ناقشت الأمم المتحدة في دورتها الـ 22 قضية الصحراء، وقد قدمت إسبانيا والمغرب وموريتانيا كلا من جانبه عريضة حول أحقيته في الصحراء الغربية. واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم (XXI 2229) القاضي بتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية لتقرير مصير المنطقة. و في سنة 1967 تم إنشاء «الجمعية الصحراوية» لتمثل الصحراء الغربية في البرلمان الإسباني، لتمطيط الوجود الاسباني في الصحراء.

* وخلال هذه الفترة التاريخية ما هي المجهودات التي قام بها المغرب من أجل معالجة هذه المشاكل التي خلف الاستعمار مع هذه الدول الاوربية فرنسا واسبانيا والمغاربية كالجزائر وموريتانيا؟

   * في سنة الفترة الفاصلة ما بين 1969 – 1972 عرفت المنطقة توافق المغرب والجزائر وموريتانيا على حل المشاكل الترابية، وموازاة مع المخططات الإسبانية في الصحراء، المرتبطة بالتحولات الداخلية التي عرفتها إسبانيا أواخر عهد مرحلة فرانكو، بدأ الحضور المغربي مشعا على الساحة الإفريقية، لقطع الطريق أمام المؤامرات الاستعمارية الإسبانية في الصحراء الغربية. برزت قضية استرجاع الصحراء الغربية من اسبانيا على الخصوص بعد بدء الحديث عن خلق دولة في هذه المنطقة، تكون تابعة لإسبانيا شكلا ومضمونا، وفي هذا السياق كتبت مقالات حينها تشبه ما يتم الإعداد له في الصحراء الغربية بما تم في فلسطين سنة 1947. كمقال الولي مصطفى( مؤسس البوليزاريو في ماي 1973) في مجلة أنفاس، عدد مزدوج يناير 1972: بعنوان «فلسطين جديدة في الصحراء»، ومع ظهور ثروات الفوسفاط في الصحراء باكتشاف احتياط ضخم من 1715 مليون طن من الفوسفاط بمنجم بوكراع، تزايد اهتمام الدول الغربية بالمجال الصحراوي.

* وماذا عن الجانب الاسباني الذي كانت له أطماع كبرة في الصحراء المغربية ؟

   * ففي سنة 1969 أعادت إسبانيا للمغرب منطقة سيدي إفني، في حين عملت على الاحتفاظ بالصحراء الغربية، موازاة مع ذلك عملت اسبانيا على تحقيق الأهداف التالية، محو الشخصية المغربية من الصحراء الغربية وذلك عن طريق عدد من الإجراءات، تقوية نفوذ الدول الكبرى في الصحراء الغربية لحماية النفوذ الاستعماري، تهجير السكان، تقوية الاستيطان الاسباني، وتمكين الجالية الاسبانية من جميع وسائل السيطرة والنفوذ، وتقوية الجهاز العسكري والأمني، فأصبح عدد الجنود ضعف عدد السكان ثلاث مرات، بالاضافة الى خلق جهاز تمثيلي للسكان ، أطلق عليه اسم» الجماعة»، و اتفاقية لتمديد القواعد الأمريكية في إسبانيا، ونقل القاعدة الأمريكية المقفلة في ليبيا إلى الداخلة، غداة انقلاب القذافي على الملك السنوسي في الفاتح من شتنبر ، ثم توظيف رؤوس الأموال الغربية في المنطقة، فضلا عن إبرام اتفاقية بين إسبانيا و فرنسا سنة 1970 للدفاع المشترك، و استثمار رؤوس الأموال الفرنسية في المنطقة، وتسليم 50 طائرة فرنسية للجيش الإسباني، و اتفاق عسكري بين إسبانيا وألمانيا الغربية في فبراير 1972 للدفاع المشترك، و دمج جميع دول الحلف الأطلسي في استثمار رؤوس الأموال في منجم الفوسفاط ببوكراع، عن طريق الشركات والبنوك.
كما أعلنت إسبانيا أن الصحراء الغربية كانت في الأصل أرض خلاء لا تخضع لأي سيادة أو إدارة للتهرب من تطبيق قرار تصفية الاستعمار، وشنت حملة دبلوماسية بأن أمر الصحراء الغربية لا يهم المغرب فقط، بل الدول المجاورة أيضا، وعند فشل هذه الخطة جهرت إسبانيا بموقف جديد، وهو أن المسألة لاتهم إلا طرفين، الإسبان والصحراويين، وهو أمر ظل قائما في خطاب عدد من الأحزاب اليمينية، إلى يومنا هذا، و التي تعد امتدادا للمرحلة الفرنكوية.

* فما هي الأحداث البارزة التي طبعت ملف استرجاع الصحراء المغربية في فترة بداية السبعينات؟

   * في سنة 1970 عقد مؤتمر ثلاثي بمدينة نواذيبو بموريتانيا بين الملك الحسن الثاني و رئيس موريتانيا المختار ولد داده ورئيس الجزائر هواري بومدين لمناقشة مسألة الصحراء. ثم كان تأسيس «الحركة الطليعية لتحرير الصحراء» بزعامة محمد سيدي إبراهيم بصيري. وفي 17 يونيو1970 كانت انتفاضة الزملة في مدينة العيون ضد إسبنة الصحراء ، وقد انتهت هذه الانتفاضة بمقتل واعتقال العديد من السكان. في 1973يوليوز حصل اجتماع قمة بين الملك الحسن الثاني والرئيسين الموريتاني والجزائري، أكد فيها بومدين الانتصار للمغرب في قضية أسبنة الصحراء الغربية. ـ في سنة 1974 لجأت إسبانيا في إلى تنظيم إحصاء أسقطت منه القبائل الصحراوية المهجرة إلى الشمال أواخر عقد الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وكان الهدف من ذلك خلق دويلة صحراوية تابعة لإسبانيا، هذا الإحصاء سيصبح مرجعية أساسية في الثمانينات والتسعينيات بالنسبة للأمم المتحدة وأطراف النزاع. وأصدرت إسبانيا قانون الجنسية الصحراوية وواقف عليه مجلس الجماعة الصحراوي. وفي 20 غشت أعلنت إسبانيا عن نيتها في إجراء استفتاء لتقرير المصير خلال الأشهر الستة الأولى من عام 1975.

*فما كان موقف المغرب آنذاك والدول المساندة له في نزاع الصحراء المفتعل، وما هو الدور الذي لعبته منظمة الوحدة الإفريقية في تلك الفترة اتجاه قرار اسبانيا بإجراء استفتاء سنة 1975؟

   *أمام التحركات الإسبانية في الصحراء الغربية تجندت الدول الإفريقية ومنظمة الوحدة الإفريقية للدفع بالمغرب وموريتانيا لتوحيد جهودهما من أجل قطع الطريق على إسبانيا، وفي هذا الصدد، أعطى الكاتب العام لمنظمة الوحدة الإفريقية وليام مبوموا تصريحا بتاريخ 29 أكتوبر 1974، رفض فيه قيام إسبانيا باستفتاء في الصحراء الغربية، واعتبر الأمر استعمارا جديدا، وابتهج لانضمام موريتانيا إلى المبادرة المغربية. وترك ظهور ملف الصحراء بهذه الصيغة أثرا في الصراع السياسي الدبلوماسي داخل منظمة الوحدة الإفريقية.
وماهي أهم اللحظات والأحداث التي ميزت الملف وساهمت في تطويره لصالح احقية المغرب في السيادة على صحرائه انطلاقا من سنة 1975؟
اسرد لك محطات أساسية في تاريخ الملف لها دلالتها خلال سنة 1975، ففي 14 أكتوبر طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإجراء استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية، و في 16 أكتوبر، أعلنت محكمة العدل الدولية رأيها القاضي بوجود علاقات تاريخية بين الصحراء الغربية من جهة والمغرب وموريتانيا من جهة ثانية. وبعدها في 14 نونبر 1975: المغرب ينظم « المسيرة الخضراء» ( 350 ألف متطوعا) باتجاه الصحراء، وانسحاب اسبانيا من الصحراء الغربية بعد توقيع الاتفاقية الثلاثية في مدريد بين المغرب واسبانيا وموريتانيا (نونبر 1975)، وتقضي بانسحاب اسبانيا من الصحراء الغربية في 28 فبراير 1976.

  *وماذا عن الموقف الجزائري في هذه الفترة؟

   * بعد تبدل الموقف الجزائري، أخذ ملف الصحراء الغربية بعدا إقليميا وقاريا، فالجزائر كانت ترى في اتفاقية مدريد خلخلة للتوازنات الإقليمية، فتقوية المغرب من خلال استرجاعه للصحراء، والتوافق مع موريتانيا، سيجعل منه بلدا قويا، وهذا يتناقض مع السياسة الجزائرية العاملة على إضعاف المغرب بهدف الهيمنة الإقليمية، إضافة إلى أن المغرب سيتمكن من مناجم الفوسفات ببوكراع، ومن الثروات البحرية، وهذا أمر سيقوي المغرب اقتصاديا. في هذا السياق، خلق احتضان الجمهورية العربية الليبية لجبهة البوليزاريو، شعورا لدى الجزائر بتمدد ليبيا نحو الغرب، في منطقة اعتبرتها الجزائر مجالا حيويا لها. وفي الفترة الفتصلة بين 1976 – 1980 تبنت الحكومة الجزائرية بشكل علني جبهة البوليزاريو، ودفعت بها إلى تأسيس حكومة، وإعلان قيام «الجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية» ( 27 فبراير 1976)، ومنحت لها منطقة متنازع حولها مع المغرب، تندوف، مقرا لهذه «الدولة»، وكان هذا خرق لميثاق منظمة الوحدة الإفريقية من وضع تراب أي بلد كقاعدة لاستهداف دولة مجاورة. ووجدت الجزائر دعما من ليبيا في سياق تداعيات احتضان ليبيا للتنظيم السري داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. الموقف الجزائري من الصحراء الغربية يخدم « الدول الإفريقية التقدمية»، من حيث أن إضعاف المغرب وإسقاط النظام السياسي سيؤدي إلى خدمة استراتيجية لحلف الاتحاد السوفياتي آنذاك على اعتبار الموقع الاستراتيجي للمغرب. ومهما يكن من أمر تغير الموقف الجزائري فجأة بين أكتوبر 1975 و26 فبراير 1976، وعند إعلان الاتفاق الثلاثي حاولت تغيير الواقع على الأرض من خلال تدخل عسكري، إذ تسربت فرق من الجيش الجزائري نحو الصحراء، واصطدمت بقوات مسلحة ملكية في ما سيعرف في مابعد بأمغالا، قتل فيها 200 عسكري جزائري، وتم أسر 106، أطلق سراحهم بعد وساطة سعودية.

* أمام هذا الموقف الجزائري وخلق جبهة البوليساريو كيف أصبح الوضع بعدها بالمنطقة؟

   * في يونيو 1976 كان هجوم البوليساريو الأول على نواكشوط عاصمة موريتانيا ومقتل قائد الحملة الولي مصطفى السيد رئيس ومؤسس جبهة البوليساريو. وفي 5 غشت 1976، تم انتخاب محمد عبد العزيز أميناً عاماً لجبهة البوليساريو ورئيساً ل»مجلس قيادة الثورة» وما زال إلى يومنا هذا الماسك بالقرار داخل جبهة البوليزاريو، 13 مايو 1977 كان التوقيع على معاهدة الدفاع المشترك بين المغرب وموريتانيا. وفي 3 يوليو 1977 سيكون هجوم البوليزاريو الثاني على العاصمة الموريتانية نواكشوط. وفي 10 يوليو 1978 سيطيح انقلاب عسكري بالرئيس الموريتاني المختار ولد داده، ويصبح العقيد المصطفى بن محمد السالك رئيسا للبلاد. وفي 5 غشت 1979: اتفاق الجزائر الموقع بين القيادة العسكرية لموريتانيا والبوليزاريو يقتضي بخروج موريتانيا من إقليم وادي الذهب، وتسليمه للبوليزاريو وفي .14 غشت 1979 دخلت القوات المغربية إقليم وادي الذهب، وإعلان أعيان وأشراف الإقليم البيعة للملك الحسن الثاني.

  *وما هي التحركات الديبلوماسية للمغرب من أجل مواكبة العمل على السيادة على أراضيه الصحراوية؟

    *انبنت سياسة المغرب الإفريقية في هذا الوقت أيضا على مواجهة « الدول التقدمية « الإفريقية التي خاضت حملة من أجل إدخال «الجمهورية العربية الصحراوية» إلى المؤسسات الجهوية والدولية. كانت هذه الدول تنظر إلى حالة التوازي بين الصراع في الصحراء و الثورة التي كانت تقودها الحركات الماركسية المسلحة في موزامبيق وأنغولا و غينيا بيساو. كانت هذه الدول « التقدمية» ترى أن الاستفتاء هو الحل الوحيد لمشكل الصحراء، استفتاء يؤدي إلى استقلال الصحراء عن المغرب. جندت ليبيا والجزائر إمكاناتهما المالية والدبلوماسية لقبول «ج ع ص د» في المنتديات الدولية، و تبعا لذلك هدد المغرب بقطع علاقاته مع الجزائر وإثيوبيا في مارس 1979، ومع ليبيا في سنة 1980. في هذا الزمن كانت الحملة قوية لإدخال « ج ع ص د « إلى منظمة الوحدة الإفريقية، بيد أن مساندة عدد من الدول الإفريقية « المعتدلة «، ساعد المغرب على ممارسة دبلوماسية مواجهة مع عدد من الدول المناصرة للطرح الجزائري.

* وكيف واجه المغرب هذه التحركات الديبلوماسية الجزائرية المعادية لحق المغرب في الصحراء على الصعيد الافريقي؟

   * في يونيو 1981 قبل المغرب في مؤتمر نيروبي، مبدإ الاستفتاء في الصحراء، وفي نهاية السنة ذاتها نجحت الحملة الجزائرية في كسب اعتراف 26 دولة إفريقية لصالح البوليزاريو، فطلبت الانضمام إلى منظمة الوحدة الإفريقية. وفي 12 نونبر 1982: بادر الكاتب العام للمنظمة إدمو كودجو ، و»بمبادرة فردية منه « بقبول عضوية «ج ع ص د» في منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1982، الشيء الذي أدى إلى انسحاب 18 عضوا من المنظمة الإفريقية، والإعلان عن مقاطعة قمة طرابلس. أفضى تحالف إدجو مع الجزائر إلى إدخال منظمة الوحدة الإفريقية في أزمة لم يسبق لها مثيل في مؤتمر القمة بأديس ، وفي المقابل هددت الدول المؤيدة للجزائر بأنها ستقاطع أي مؤتمر للقمة الإفريقية، إذا لم تحضره « ج ع ص د»، وكانت المنظمة الإفريقية قاب قوسين من الانفجار، وفي 12 نوفمبر 1984 تم قبول عضوية «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، كعضو في منظمة الوحدة الإفريقية، دون مراسيم، وأدى ذلك إلى انسحاب المغرب منها وتشكلت حالة فريدة في المنظمات الدولية، أن المغرب دولة عضوا مؤسسا لمنظمة الوحدة الإفريقية خارج المنظمة، في حين « أن عضوا» بالمنظمة يوجد «مقره» بتراب دولة أخرى عضو كامل العضو. في هذا السياق تطورت الأمور في تحالفات ستحد من أثر دخول البوليزاريو لمنظمة الوحدة الإفريقية، فوقع المغرب وليبيا اتفاق وجدة سنة 1983، وضمن بذلك تبني ليبيا للطرح المغربي. و31 أكتوبر 1986 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا تحت رقم 4 0/ 50 حول الصحراء الغربية، والمطالب بإجراء مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع.

* وكيف تطورت قضية الصحراء المغربية بعد انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الافريقية؟

   * ابتداء من 1988 عاد عدد كبير من المؤسسين لجبهة البوليزاريو إلى المغرب بعد أن أعلن الملك الحسن الثاني عبارته المشهورة» إن الوطن غفور رحيم»، وهو ما زكى الطرح المغربي إن على المستوى الإفريقي أو الدولي. وفي غشت 1988 كذلك كانت موافقة المغرب وجبهة البوليساريو على خطة السلام المقترحة من طرف الأمين العام للأمم المتحدة. ثم في 20 شتنبر 1988 صادق مجلس الأمن بالقرار رقم 621 على تعيين ممثل خاص للأمين العام المتحدة مكلف بقضية الصحراء.
وفي 5 فبراير 1989 التقى وفد من جبهة البوليساريو في مراكش الملك الحسن الثاني. وفي هذه السنة وصل عدد الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» إلى 74 دولة.
أما سنة 1990 فقد انعقد في مستهل يونيو أول اجتماع لشيوخ الصحراء بجنيف وفي 18 يونيو 1990 قدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريرا لمجلس الأمن حول التسوية المقترحة لنزاع الصحراء، وأبدى المغرب تحفظات بشأن عددا من النقاط الواردة في مقترح الأجرأة في مخطط تسوية النزاع والقاضي بإجراء استفتاء في الصحراء الغربية بعد وقف إطلاق النار. وفي سنة 27 يونيو 1990 أصدر مجلس الأمن قرارا بوقف إطلاق النار و بحث تسوية نزاع الصحراء. في 6 شتنبر 1991 دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وانتشر المينورسو في المنطقة، وتحددت مهمتها كما يدل على ذلك اسمها في الإشراف على الاستفتاء.

* وكيف تطور ملف الصحراء في التسعينيات فيما بعد حين اصبح بيد منظمة الأمم المتحدة؟

   * فبعد وقف إطلاق النار أدى تدخل الأمم المتحدة في الصحراء الغربية منذ 1991 إلى تغيير عدد من المعطيات، ودخلت الجزائر في حرب دموية داخلية، دامت عشر سنوات ، وتوالت عودة المحتجزين في مخيمات تندوف إلى المغرب، هذه التحولات أدخلت صراع الصحراء في الوضع الثابت، إضافة إلى عوامل أخرى جعل عددا من الدول الإفريقية تراجع موقفها من هذه « الجمهورية» وتسحب اعترافها بها. ففي نهاية سنة 1992 تم الاجتماع الثاني لشيوخ القبائل الصحراوية في جنيف. وفي 19 يوليوز 1993 انعقد لقاء العيون تحت إشراف الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بملف الصحراء. وفي 4 نونبرمن نفس السنة بدأت لجنة تحديد الهوية التابعة لمينورسو الأعمال التحضيرية لتسجيل المصوتين الفعليين. وفي 12 دجنبر قامت لجنة تحديد الهوية في عملية تسجيل سكان الصحراء المسموح لهم بالتصويت بفتح مكتبين في مدينة العيون. وفي دجنبر1995جمدت عملية تحديد الهوية من لدن الأمم المتحدة بعد خلافات كبيرة، بين المغرب من جهة والجزائر وجبهة البوليزاريو من جهة أخرى، على تفسير الشروط المطلوب توفرها في الناخبين.

 *وكيف تصرفت منظمة الأمم المتحدة في الملف فيما بعد؟

  * مارس 1997: عهدت الأمم المتحدة إلى جيمس بيكر ليكون المبعوث الشخصي لها في الصحراء ليتم عقد اتفاق في هيوستن 1997، بين المغرب وجبهة البوليساريو، وبحضور كل من موريتانيا والجزائر كمراقبين. موازاة مع ذلك وفي يونيو 1998 طلب عدد من الدول الصديقة للمغرب في قمة واكادوكو طرد «الجمهورية الصحراوية»، من المنظمة الإفريقية، وطرحت نفس الفكرة في قمة الجزائر في السنة الموالية، لكن انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية الجزائرية في العام 1999، عقد الأمر أكثر، فهو الرجل الذي قاد سياسة خارجية الجزائر ضد المغرب عندما كان وزير خارجية بومدين، وارتبط اسمه كثيرا بسياسة العداء ضد المطالب المغربية.
في شتنبر تم انتهاء المرحلة الثانية من تحديد الهوية، ليصبح مجموع من حُددت هويتهم في المرحلتين 147348 شخصا. وفي أكتوبر قام الأمين العام الأممي بجولة في المنطقة و عرض خلالها مقترحات لتجاوز الخلاف حول تحديد هوية القبائل محل الخلاف. وفي هذا السياق قدم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان اقتراح تأجيل الاستفتاء إلى ديسمبر 1999. فتم نشر لوائح المؤهلين للتصويت من القبائل محل الخلاف في يناير 2000.
وجرت بعد ذلك ثلاث جولات من المباحثات، لم تستقر عن أي تقدم.
في يونيو 2001 اقترح جيمس بيكر اتفاقية إطار جديدة تقضي بمنع الإقليم حكما ذاتيا قبل إجراء الاستفتاء الذي يقرر المصير النهائي للإقليم، وقد حاولت الولايات المتحدة جاهدة فرض هذه الخطة على الأمم المتحدة. وفي 24-25 يناير 2002 قام جيمس بيكر بزيارة للمغرب لإبلاغ المغرب رفض الجزائر وجبهة البوليساريو لمشروع الاتفاق الإطار، وأن هناك طرحاً آخر لحل النزاع، قدم من لدن الجزائر والبوليساريو لتقسيم الإقليم ، وهو حل رفضه المغرب.
وفي يناير 2003 قدم مخطط جديد لبيكر ( بيكر 2) والقاضي بإقامة نظام للحكم الذاتي لمدة 5 سنوات تعقبه عملية استفتاء يتضمن اختيار الاستقلال، فرفض من لدن المغرب. وأما هذا الوضع تم تعيين بيتر فان فالسوم ممثلا للأمين العام، في يوليوز 2005، وهو الذي أعلن في نهاية عمله استحالة إقامة دولة في الصحراء الغربية.
في أبريل 2007 المغرب يقدم مشروعا للحكم الذاتي في الصحرا في سياق نتائج تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة. وفي يونيو 2007 بدأت أولى جولات المفاوضات بين المغرب والبوليزاريو في مانهاست بضواحي نيويورك.
وفي يناير 2009 تم تعيين كريستوفر روس خلفا لبيتر فان فالسوم ، وفي غشت 2009 بدأت الجلسات غير الرسمية بين المغرب والبوليزاريو . وأمام « لعب « روس في ملف النزاع أعلن المغرب في 17 ماي 2012 سحب ثقته من كريستوفر روس، وبعد تدخل قوى صديقة للمغرب زار كريستوفر روس مدينة العيون في أكتوبر 2012، وكانت الزيارة الأولى للعيون.
مارس 2013: جولة جديدة لروس للمنطقة، مع توسيع الاتصالات بشأن نزاع الصحراء خارج المؤسسات الرسمية.
وأمام انسداد الأفق وتجاوز روس لاختصاصاته رفض المغرب استقبال روس وطالب برد مكتوب من لدن الأمم المتحدة يحدد فيه مهام المبعوث الأممي، واستمر الوضع أشهرا إلى أن اتصل بان كي مون بالملك محمد السادس ويقر بحيادية الأمم المتحدة، فانفرجت الأمور بين المغرب وروس.
زيارة الملك محمد السادس إلى العيون في 6 نونبر 2015 غيرت كثيرا من المعطيات، إذ أعادت إلى الواجهة الارتباط الكبير للمغاربة بالصحراء، وأعلن الملك مشروعا سياسيا اقتصاديا واجتماعيا يهم الأقاليم الصحراوية في إطار جهوية موسعة، وأشار إلى أن أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب هو مشروع الحكم الذاتي، لكن بعد القبول به من لدن الأطراف الأخرى، وكان ذلك رسالة إلى الأمم المتحدة في سياق إقليمي جديد لن يحتمل إشعال نار نزاع جديد.

 

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

السبت 28 نونبر 2015