إلى هذا الرجل يرجع فضل ولوجي عالم الصحافة. والسبب رسالة بريدية بيننا، كنت كتبتها بلغة أدبية فيها بعض من لواعج شاب، أجرى مباراة للالتحاق بكلية علوم التربية، ونجح في الكتابي واجتاز مباراة الشفوي بارتياح كبير، لأن السؤال حول لسانيات السويسري دوسوسور كان في متناوله، إلى الحد الذي جعل الأستاذ الممتحن يوقفه، معتبرا أن لا حاجة لإتمام الجواب لأنه كان جوابا موفقا. لكن حين أعلنت النتيجة النهائية، أسقط اسمه من الناجحين وطلع اسم شاب آخر كان متلعثما، مرتبكا، مثقلا بالهنات المعرفية والأكاديمية، في جوابه أمام ذات «الأستاذ». كان ذلك في سنة 1988.
كانت علاقتي بالرجل، تعود إلى ما كان يحكيه لي عنه والدي، حين اعتقلا معا لأسباب سياسية صيف 1964، ضمن مجموعة شيخ العرب، وكيف قضوا شهورا من التعذيب بالمعتقل السري الشهير درب مولاي الشريف، بما كان لها من آثار على أذنيه وأطراف من جسده، هو الذي كان لا يزال طالبا حينها وكان أصغر المجموعة كلها. كنت أيضا أجد اسمه دوما واردا في الملف القضائي الذي كنت أملك نسخة منه لمجموعتهم، وصك الاتهام الموجه ضد كل واحد منهم. ولن أتعرف عليه مباشرة، سوى سنة 1978، وأنا في 14 من عمري، عند بوابة المسرح البلدي القديم بالدار البيضاء، حين استجاب والدي لطلبي الملح كي يسمح لي بحضور سهرة فنية لمجموعة ناس الغيوان والثنائي بزيز وباز، وأنا حينها في نقابة التلاميذ، نظمتها يومية «المحرر» تضامنا مع عائلات الجنود المغاربة الشهداء بالصحراء. تقدم للسلام على والدي، وكان عناقه لي أول لقاء جمعني به.
مرت السنوات، حتى جاء حدث اعتقالي سنة 1986، بسبب نشاطي الطلابي ضمن الطلبة الاتحاديين المنضوين تحت لواء المنظمة الطلابية «الاتحاد الوطني لطلبة المغرب»، وكان له فضل نشر خبر اعتقالي بالصفحة الأولى ليومية «الاتحاد الاشتراكي». بل تدخل رفقة المرحوم الطاهر وديعة، بالتنسيق مع الأخ محمد اليازغي لإنهاء ذلك الاعتقال. زرته بعدها في الجريدة لأشكره وأشكر مدير الجريدة حينها الأخ محمد البريني على جميل تضامنهم معي. مرت الأيام، حتى جاء أمر مباراة كلية علوم التربية، وقصة ما وقع فيها، فكتبت إليه رسالة عبر البريد أنقل فيها بعضا مما أحسسته من ألم حينها بسبب التلاعب في مباريات مماثلة للأسف. كانت الرسالة أقرب لنص أدبي تأملي، أعجبته وأطلع الأخ البريني عليها.
ذات صباح اتصل بي هاتفيا ببيت والدي وطلب مني الحضور إليه بمقر الجريدة لأمر خاص. كان الموعد صباح 16 غشت 1988. حين ولجت إلى بناية الجريدة القديمة ب 33 زنقة الأمير عبد القادر، وجدت شابا طالبا ينتظر قبلي لقاء ذات الرجل. كان ذلك الشاب هو عبد الرحيم أريري (مدير أسبوعية «الوطن الآن» اليوم). التقيت الرجل رفقة الأخ محمد البريني بمكتب هذا الأخير، وكانت المفاجأة، أنهما طلبا مني معا، إمكانية التعاون مع الجريدة في فترة تدريب لـ 6 أشهر مع تعويض مادي، تأسيسا على الأسلوب الذي كان في رسالتي الخاصة إليه. كونهم في حاجة إلى أقلام جديدة تختص في مجال التحقيقات والروبورتاجات الصحفية بلغة أدبية إيحائية غير جافة. وقيل لي بالحرف: «لنجرب بعضنا البعض. إن أعجبناك بقيت معنا وإن لم نعجبك لك حق المغادرة». كانت النتيجة أن امتدت 6 أشهر من التجريب تلك إلى اليوم، أي 27 سنة.
الرجل ذاك هو عبد لله بوهلال. المناضل والإعلامي المغربي الذي يجتاز هذه الأيام محنة المرض بإباء كبير، بذات الروح التي واجه بها صعابا أشد منذ شبابه الأول. ولعل أهم خصلة في الرجل هي قيمة الإحساس بالمسؤولية والحرص على تنفيذها كاملة. هو رجل أمانات وأسرار، أي أنه من القلائل الذين رأيت كيف يحرص على صون أسرار كثيرة بروح الكبار. وأنه كان أشبه بقديس في محراب ممارسته لدوره المهني. لأنه محمي بسقف عال من المبدئي في الفكر وفي الممارسة، كونه ينتمي إلى جيل كان الالتزام السياسي عندهم قرينا بمعنى وجودي صوفي، أقرب لمنطق الزاوية بمعناها الإيجابي، الذي القيمة العليا فيه، هو قيمة الوفاء. لهذا السبب تظل شهادتي في هذا الرجل دوما شهادة مجروحة. لأنه، لعقود مديدة، إذا كانت للجريدة من قوة حضور بشكل يومي، فلأنها كانت مسنودة بدأب رجل في الظل، حارس على القيمة المضافة، في نكران هائل للذات، وعلى حساب حتى التزاماته العائلية، اسمه عبد الله بوهلال. الرجل الذي كنت دوما أشاغبه وأمازحه قائلا له : «إن لنا في أعالي الأطلس الكبير جبلا ناتئا قرب سيروا اسمه «تاوريرت نبوهلال». فهو جبلك وعليك استعادته». كان يضحك ويصمت. هو حقا بالنسبة لي جبل.

عبد الله بوهلال المناضل والصحفي