رحم الله سي عبد الله بوهلال، رحل بعد أن رسم لنفسه مكانا دافئا في قلوب الناس الذين عايشوه ورافقوه واقتسموا معه كل التفاصيل القريبة والبعيدة..
جئنا إلى زنقة الأمير عبد القادر في أواسط الثمانينيات. جئنا إلى هذا المكان حاملين حلما رحيما، ونحن وقتها شباب نتطلع إلى أفق عنوانه الكبير” التغيير والعمل من أجله».
جئنا إلى هذه الدار وكان سي عبد الله أحد ركائزها. فكان أول المستقبلين والموجهين والمنبهين ليس إلا..
لم نستكمل بعد شهرا واحدا على دخولنا، شهرا أزال فيه الراحل كل الحواجز والأبواب? فأضحى ليس فقط رئيسا للتحرير بل صديقا يأخذ بأيدينا ليدخلنا إلى عوالمه الخاصة خارج الجريدة?
كان الفقر أكبر رفيق لنا، وكان سي عبد الله أكبر محتضن..فالخروج الأول نحو الأبواب ذات الرائحة الخاصة كان على يديه.. وكانت أولى الدروس على يديه، وكان نسيج العلاقات الأولى على يديه بأناقته وبشجاعته، استقام لنا الفهم والبصيرة، تعلمنا منه أن لا ننحني إلا للذين يستحقون ذلك، كان صوته على قلبه وعلى لسانه، لا ننسى أبدا كيف كان سي عبد الله يحمينا من «الهجومات» المتتالية التي كان يتعرض لها جيلنا من الداخل والخارج، بهيبته وبلسانه القوي كان ظلنا جميعا، نحتمي به دون أن نخبره بذلك، لأن مهمته كانت الحرص أولا على أن يظل الجميع على خط مستقيم مع العمل والإنجاز والمهمة? أما غير ذلك، فسي عبد الله يعتبرها تفاصيل? والتفاصيل لا قيمة لها عندما يكون الهم كبيرا والقلق يساير الوطن..
شاركني الراحل في كثير من الأحداث وفي الكثير من الأمكنة، فكان يدعوني «المتلبس». أدخلني إلى قلبه بدون أن أبذل مجهودا، لأن البساطة والتعامل البسيط وروح المرح والنكتة، كانت المفتاح الأول والأخير..
ظل سي عبد الله طيلة عمله بالجريدة يتكلم لغة واحدة وبصوت لا يلين حين تختلط الأوراق ويكثر الضجيج.. كان قادرا على الحسم وعلى إعلان وجهة نظره كيفما كانت المواقف والمواقع.. بعد تقاعده وخروجه من الجريدة.. كان دائم الحضور دائم الاتصال حتى في آخر أنفاس حياته..
قبل الرحيل بأسابيع، كلمني بالهاتف والصوت لم يعد ذلك الصوت، أخبرني بصوت متألم ألا أحد سأل عنه وهو بالمستشفى، عاتبني بدموع وبحسرة، لم أجد وقتها مبررا سوى بوعد أن أزوره غدا? بالفعل ذاك ما كان، دخلت الغرفة صباحا ووجدته نائما. قبلت رأسه فاستفاق، كلمني بعيونه فقط حيث لم أجد إلا دموعي للدعاء له بالشفاء، خرجت من الغرفة وأنا جد مقتنع أن مصيري لن يكون إلا على هذا الشكل، لأن الاعتراف أضحى عملة نادرة في زمن أضحى فيه كل شيء رخيصا وبدون معنى..
رحل سي عبد الله بعد أن خبِر المعتقلات العلنية والسرية، بعد أن ذاق المحن والتعذيب، وبذلك ظل كبيرا في عيوننا، لأنه لم يساوم يوما نفسه على المبادئ التي تربى عليها وفيها واقتنع بها، لذلك سيظل شامخا في عيوننا، عيون الأبناء الذين تربوا على يديه.
رحلت وأنت شامخ سي عبد الله..

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الاربعاء 16 دجنبر 2015