كنا نراه يقترب من الأفق المبين، ولم نكن نصدق أنه سيذوب في الغياب.كانت الحشرجة تصل إلى الدرجة الأخيرة في سُلّم الجلجلة، ولم نصدق أننا سنُدعى إلى
كراسي العزاء فيه.
لا أريد اللغة تنوب عني في حزني الشديد عليه.
لا أريد من البلاغة أن تعوض بساطة الألم الذي يخترق قلبي الآن..
لا أريد سوى أن أبكي ، قليلا وأرتجف قليلا وأشعر بألسنة اللهب تلعق القلب بِلسعات متتالية
تعرف حرقتها الأُمّ..
وتعرفها الرفيقة ..
وتعرفها الابنة ويعرفها الابن..
ومع أني ،في الزيارة الأخيرة له في بيته، أجهشت باللغة..لكن دفعها دمعي ونحَّاها جانبا لأنه يعرف أنه المفردة الحقيقية التي تفرزها خلايا القلب.
لأنني كنت أشعر أن اللغة أقل كثيرا من مجاراة قامته هو الذي صمد أمام آلة تعذيب رهيبة في مغرب عشرين سنة من الجحيم.
تهنأ أمامه حيا واقفا بلباقته الأميرية :كيف يخرج عبد الله بوهلال سليما وأنيقا من الجحيم يا ترى؟.
لهذا لم تستسغ عاطفتنا أن يكون مريضا وأن ينتصر المرض، ففاجأنا بأنه استطاع معنا لحظات الفرح الأخيرة..
فاجأنا بأنه مرة أخرى صمد..
ومرة أخرى لم ينهزم :ونحن يا إلهي، نحن الذين لم نتمرن كفاية على الجحيم هل سنستطيع أن نظل شامخين في اللحظة القصوى؟.
هذا الهواء أيها السادة نظيف لأن عبد الله بوهلال كان من الثلة التي غسلته في الأقبية..
وهذا الفضاء الرحب، يا سادة، رحب لأنه كان من القلة التي مزقت عنه سدف العتمة والغياب..
لهذا أشعر أننا نختنق عندما يموت رجل نظيف وأن الهواء يقل!
لم تُفْلته ولو حلقة واحدة من سلسلة الاعتقالات التي عرفتها البلاد.
من ستينيات القرن الماضي إلى ثمانيناته.
عددنا قيوده في 1963 وقبلها وبعدها….
وفي كل مجموعات الفعل الصلب: مجموعة شيخ العرب التي ماتت في ساحة الشرف، ولم يترك للمرجفين سوى هول التخلص منه ، بمهارة الانتهاز ..
في الستينيات كلها…
وفي السبعينيات رفقة الأشاوس ، يسبقهم في موكب المجد الشهيد عمر بنجلون..
والمرة الوحيدة التي أفلتته يد الكُلّاب كما يحكي الزميل عبد الرزاق مصباح كانت في اعتقالات 1981 عندما كان في مهمة صحافية بنيروبي، التي على بال المغاربة جميعا عندما قبل الراحل الحسن الثاني أن يعالج ضغط أصدقائه بالخطأ وقبل الاستفتاء، وأعقب ذلك اعتقال الفقيد عبد الرحيم بوعبيد.
وعدَّدْنا منافي الدم، ولم نجد منفى واحدا في الداخل لم يدخله معتقلا!
وعددنا زنازنه ولم نجدها في المعتقلات السرية بين درب مولاي الشريف والكوربيس..
ولم يحدثنا، بالرغم من حفلات الذكريات التي فجرتها الجلسات الحميمة بيننا،أبدا عن أمجاده .
ولا أكثر علينا، وكان يواجهنا بالابتسامة وبرنين المساءات الطويلة.
لم يكن يحب أن يرانا متخاصمين، وسعى دوما في أن يجمع بين قلوبنا في هيئة التحرير..
الفقيد العزيز عشت معه تجربة بليغة في المهنة:
كنت أشرف على العدد الأسبوعي للجريدة، وكانت أغلب مواده، إلى حدود التسعينيات من المواد الواسعة الآفاق وتغلب عليها ترجمات الأسبوعيات الفرنسية
والاسبانية.
وحدث أن مجلة »في .اس .دي»(الجمعة السبت الأحد)، نشرت تحقيقا مطولا عن .. شبكة للدعارة في وسط المراهقات. .. وورد اسم أمير قطر.
فقامت القيامة وقتها، وتحدث الوزير الأول عبد اللطيف الفيلالي ، إلى مدير الجريدة المجاهد عبد الرحمان اليوسفي أطال الله عمره. ولما تم استدعائي، وكنت متعاونا فقط مع الجريدة، كان عبد الله رحمه الله قد أعلن لليوسفي مسؤوليته عن النشر،.
في لقائي مع السي عبد الرحمان، قلت له إن المسؤولين، السي عبد الله وسكرتير التحرير السي محمد نبزر أطال الله عمره ، ذهبا ضحية ثقتهما في، وأنا تصرفت في الترجمة من باب الغيرة على فتيات مغربيات قيل إنهن كن من بين السلع الجسدية المعروضة في سوق النخاسة.
أذكر أن السي عبد الله لم يتهرب من مسؤولية النشر لكني دافعت عنه وعن نبزر، وكان قرار السي عبد الرحمان،«لا بد من إنصاف الضحية، وتم توقيفي لأيام .. «لأسباب سنعرفها من بعد على كل حال.
هذا المعدن
هذا الرجل الأصيل عشت معه سنين قليلة، لكني فخور بحياتي التي قادتني، بالرغم من كل شيء إلى أن أجاوره في حياة جميلة ..
رحم الله سي عبد الله بوهلال.
رحم الله رجلا من زمن الحب.
والبرتقال الرصاصي في حدائق الاستبداد الجهنمية .
رحم الله مغربيا صنع بجسده القليل، أسطورة لشعب بكامله في وجه واحدة من أبشع آلات الانتقام السياسي.رحم الله السي عبد الله بوهلال ..رجل من الاتحاد الذي علم الناس أن يقرأوا بلا خوف..
لأنه كان رفقة إخوته يتجرأ على دخول العرين ويرمي الأسد بحجر.
رحم الله رجلا لا نجد عبارة تنعيه ..لكننا نجد الغصة في القلب كافية لنقيس سمو الهرم الذي فقدناه..
إنا لله وإنا إليه راجعون.

*الاربعاء 16 دجنبر 2015