د. محمد العمري                                                                                   *محمد العمري

امتدت يد الحقد الأعمى لتغتال الشهيد عمر بن جلون على الساعة الثالثة والنصف من يوم الخميس 18 دسمبر 1975. تولى تنفيذ الجريمة أعضاءُ خلية من الخلايا العمالية للشبيبة الإسلامية التي أسسها عبد الكريم مطيع أوائل السبعينيات. كانت هذه الخلية واحدة من الخلايا التأديبية التي كانت الشبيبة الإسلامية تعتمدها في الاعتداء الجسدي على خصومها، على نمط تنظيم الإخوان المسلمين المصري الذي استنسخه مطيع مرجعياتٍ وتنظيما. كان أكثر أعضاء الشبيبة يسمعون بوجود هذه الخلايا، ولكنهم يدعون الآن أنهم لا يعلمون عنها شيئا، إذ كان اتصالها المباشر برئيس الحركة. (هذا ما يقولونه، والحال أن وظيفة لخلايا ظلت تنجز حتى بعد حل الشبيبة الإسلامية حيث شاهدنا الصُّناع والحرفيين يهاجمون الطلبة في الحي الجامعي بفاس و وجدة، ويعتدون على الطلبة حتى أواخر العقد الثامن وأواخر التاسع من القرن الماضي بمساهمة خلايا العدل والإحسان) .

تتكون الخلية التي اغتالت المرحوم عمر بن خلون من: سعد أحمد، ومصطفى خزار، وعمر أوزوكلا، ومحمد حليم، وآخرون. كان محمد حليم مسؤولا عن هذه الخلية إلى أن حان موعد اغتيال عمر بن جلون فأخَّره عبد الكريم مطيع ووضع مكانه رجلَ ثقته عبد العزيز النعماني. يقول العربي العظم، وهو الذي كان مسؤولا عن القطاع العمالي للشبيبة الإسلامية: “لم يكن عبد العزيز النعماني خاضعا تنظيميا لأحد، فقد كان تابعا لعبد الكريم مطيع فقط. ولا أحد كان يعرف العلاقة الخاصة التي كانت بينه وبين مطيع”. (ذاكرة 2/52).

ويفهم من كلام آخر للعربي العظم أنه ليس وحده الذي لم يكن يعلم بتدبير الجريمة، بل لم يكن يعلم بها حتى الرجل الثاني في التنظيم، أي إبراهيم كمال، بدليل أن مطيع تظاهر بعزل النعماني عن تسيير الخلية أمامه وعاد فنصبه في غيبته. (نفسه). غير أن هناك ما يشير إلى عكس هذا الاستنتاج، من ذلك أن مطيع استطاع إلجام إبراهيم كمال و”قطع لسانه وشل حركته” إلى الآن بمكالمة تلفونية واحدة عندما أحس أنه سيحل محله وهو في منفاه، فهذا يدل على أنهما “دفناه معا”، كما يقول المثل؛ بين الرجلين سر تقطع له الرقاب، ولذك لزم الرجل داره.

يقول العربي العظم: عندما أسندت مهمة قيادة خلية الاغتيال للنعماني “بدأت عملية الشحن ضد اليساريين، وضد عمر بن جلون بشكل خاص. ولما تمت عملية الشحن جاءت تعليمات لتنفيذ العملية. وظلوا شهرا كاملا يترصدون عمر بن جلون. فكان، كما حكى لنا بعض” الإخوة بعد خروجهم من السجن، كالرجل المصروع: يتكلم وحده طوال اليوم، ولا يفتر عن الحركة. فيجلس إليه عشرات الاتحاديين في المقهى، فينصرف فوج ويأتي فوج. وكان لا يمل من الحديث والتعبئة والتأطير”. (3/53).

نترك للقارئ اللبيب مهمة استنتاج ما يريد استنتاجه من كلمة “الإخوة، ونتساءل: ما هو محتوى الشحن الذي تعرضت له الشبيبة الإسلامية لدرجة إقدامها على قتل الزعيم الاتحادي بتلك الطريقة البشعة في الشارع العمومي؟ الجواب من ذاكرة الإخوة أنفسهم.

عندما سئل عبد الجليل الجاسني ـ من نشطاء الشبيبة ـ عن أثر خبر اغتيال عمر بن جلون عليه وعلى من معه، قال:

“في تلك الفترة كان الصراع مع اليسار محتدما… والنفَس الذي كنا نُغذى به، في تلك المرحلة، هو الدفاع عن الفكرة الإسلامية ضد اليسار الذي كان شرسا في مواجهته للإسلام…” (ذاكرة 1/12).

وعندما أعيد عليه السؤال قال: “في البداية الأولى لم نُشغل بحادث قتله، كنا نظنه من اليسار الذين يواجهون الدين…”.

هكذا كان الانتماء إلى اليسار تهمةً تبررُ القتل بعد أن توصم بوصمة مواجهة الدين. ولكي يستحق اليسار بدون استثناء هذه الصفة وذلك الجزاء قُرن بتهمة اليهودية، فهو نتاج يهودي. وهنا يتم القفز من الاتحاد الاشتراكي، إلى حركة 23 مارس، إلى حركة إلى الأمام “الكفر ملة واحدة”. يقول الأمين بوخبزة: “..لم نكن نشغل أنفسنا بموضوع الاغتيال، بل بالعكس، في فترة من فترات الشبيبة الإسلامية، كانت هناك محاولة لإقناع المنتسبين .. بأن الخطر الداهم ضد الحركة الإسلامية، وضد العمل الإسلامي، وضد تنظيم الشبيبة الإسلامية، هو التنظيم الشيوعي الماركسي اللينيني. وخاصة منظمة إلى الأمام، ومنظمة 23 مارس، فهؤلاء كنا نعتبرهم مؤطَّرين من طرف اليهود (إبراهيم السرفاتي، وليفي أشكول، وأبراهم ليفي (كذا) ) … كانت عملية إقصائهم من الساحة، والعمل على استئصالهم، شيئا مستساغا بالنسبة إلينا، هكذا كُنا نُشحن..”. (ذاكرة 2/23).

وفي هذا الإطار الديني المتطرف، وداخل هذه الوصمة، بدأت الأساطير التحريضية المناسبة لشحن الجمهور الغيور على الدين. بدأ الحديث عن تدنيس المساجد، وإهانة المصحف، وهتك حجاب الأخوات… والظهور بمظهر المظلوم الغاضب لله، إلى آخر المنظومة. يقول ع. الجاسني: “كنا دائما في موقع الدفاع ضد الشيوعيين الذين كانوا يقتحمون المسجد، ويتغوطون فيه، ويدنسون المصحف، ويعتدون على الأخوات، وينزعون حجابهن…”. (ذاكرة 1/13).

لم أتردد في نعت هذا الادعاءات بالأساطير لأنني عايشتُ مثلَها وخبرته في جامعة فاس. اعتنيت بتلك الأساطير، وحققت فيها من موقعي النقابي والسياسي، واهتمامي الصحفي، فلم أجد غيرَ السراب. قد يقع حادث فردي يتيم في مكان ما من شخص مختل، ولكنك كلما اقتربت من مصدر الأول للخبر كلما تهت في الظلام. وأنا أعلم بانشغالي الخطابي، وتتبعي لحجج الأصوليين أن الكثير من شيوخهم، في المشرق قبل المغرب، يصنعون أساطير وأخبارا وينتحلون روايات ويفتعلون وقائع يدعمون بها ما يريدون تبليغه، ولا يرون في ذلك حرجا ولا إثما، خاصة إذا استعملت ضد “أعداء الإسلام”، وهم كل من يختلف معهم، أو يهدد مصالحهم. ولماذا نذهب بعيدا ألم يفتعل المرشد العام للجماعة (مطيع) نفسُه وقائعَ من هذا القبيل معطيا المثال للمسترشدين به؟ يقول محمد الفقيه النايت، وهو من الستة الذين حلوا محل مطيع في تدبير شؤون الجماعة عند هروبه: “كان شغل مطيع الشاغل هو اليسار، وكأن الشبيبة الإسلامية لم تؤسَّس إلا لمحاربة اليسار، حتى إنه أمر سنة 1974 أحد الأتباع بإحراق حصير مسجد ثانوية محمد الخامس إحراقا جزئيا، ثم ألصقَه باليسار، ودعا إلى إضراب عام اختبر به قوة التنظيم الوليد، ومدى استجابته له. وقد تلت هذا الحادث اعتقالات محدودة في صفوف الإخوان”. (ذاكرة 3/124). وقد أجمل محمد الفقيه النايت ما يميز المرشد بقوله: “إن أهم ما يميز عبد الكريم مطيع…هو المكر والدهاء والخداع والكذب والحقد، وحب الرئاسة والميكيافيلية التي لا حدود لها”. (ذاكرة. 3/118). لله دره! لقد استخلص جِماع صفات طائفة من المكيافليين، غُلْفِ القلوب، المتاجرين بالدين؛ وكأنهم لا يخشون عاقبة ولا يرجون معادا.

ذلك هو التفسير الذي سوغَ لأعضاء الشبيبة الإسلامية الملتزمين بخطها طعنَ عمر بن جلون بالسكين وشدخ رأسه بقضبان الحديد حتى الموت، وهو الذي سوغ لإخوانهم في القناعة.

هذا هو التفسير الواقعي كما يتذكره أعضاء الشبيبة، ولكنه لم يكن مقنعا لفئات أخرى من المجموعات الإسلامية القريبة من الفكر السلفي السني، مثل جماعة التبليغ التي كانت بمثابة مشتل تزرع فيه الأغراس قبل نقلها إلى الميدان الحركي، كما يسمونه. كان أعضاء الشبيبة محرجين أمام شركائهم غير المتورطين معهم في جريمة القتل، ولذلك كان لا بد من البحث عن الشيطان ليتحمل عبءَ ما اقترفه الإنسان الظلوم الجهول. حين يُحرج المغربي ولا يجد تبريرا لجُرمه يقول: لعب بي الشيطان، لعنة الله على الشيطان.

كانت المهمة سهلة، ذلك أن الشيطان كان يقبع في الغرفة المجاورة يراه المخططون ويَسمعونه، ويستشيرونه. ولأنه قال لهم: “إني بريئ منكم..” ولم يف بوعوده في التستر عليهم، فقد لزم كشف أوراقه ولعنه أمام الملأ. هكذا هكذا كُشف النقاب عن دور المخابرات، لا كشريك بل كبديل يحمل الأوزار وحده. يذكر عبد الله بها أنه تحفظ في الانتماء إلى جمعية مطيع “نظرا لما كان يروج عن صلة الشبيبة الإسلامية بمقتل عمر بن جلون”، غير أن محاوره الذي سعى إلى استقطابه أقنعه بأن الأمر يتعلق بمؤامرة حاكتها المخابرات للتخلص من الحركة. (ذاكرة 2/53). وهكذا أدى الشيطان دوره.

وقد عبر عبد الناصر التيجاني عن مدى الحرج الذي سببه اغتيال عمر بن جلون للجماعات الإسلامية غير المنتمية للشبيبة بقوله: “بعد أن وصلَنا خبر اغتياله بواسطة خلايا إسلامية، كما تردد في جريدة المحرر، أُحرجنا أمام الرأي العام الذي كان اليسار في ذلك الوقت هو ضميرَه العام الشعبي، فاليسار هو الذي كان يدافع عن الشعب، وكان يمثل القيم النبيلة، ويدافع عن الحقوق، ولذلك كان اغتيال عمر بن جلون ضربةً قوية للحركة الإسلامية. أما عن العلاقة مع الشبيبة فلم تكن لنا وقتئذ بها أية علاقة”. (ذاكرة1/82).

وكان مطيع قد جرب، قبل كشف دور المخابرات، تقديم ضحية تنوب عنه وعنها، ولكنها تجاهلت عرضه. لم يكن كبشُ الفداء المقترح غيرَ مجموعة أخرى من الإسلاميين لا دخلَ لها في الموضوع. يقول الأمين بوخبزة، ولم يكن وقتها منتميا للشبيبة الإسمية: “وتم اغتياله، للأسف، بتلك الطريقة اللاأخلاقية. وأَعطى عبد الكريم مطيع تعليماته لبعض الشباب أن ينسبوا ما حصل إلى الآخرين، فسعوا إلى توريط مجموعة من الإخوة (الأستاذ إبراهيم بخات، والأستاذ محمد العربي الناصر، وغيرهم، والأستاذ أحمد الريسوني، والأستاذ محمد الدكالي، والأستاذ عبد اللطيف المراكشي). فتم اعتقال هؤلاء جميعا، وقد وقع البحث عني في تلك الفترة بحكم أني كنت أتردد على هؤلاء”. (ذاكرة 2/19).

وقد تضررت “جمعية الدراسات الإسلامية” التي كان ينتمي إليها حين اعتُقل أفرادها بسبب ما نُسب إليهم من توزيع مناشير تبرر اغتيال عمر بن جلون.

بعد فشل محاولة توريط الإخوة الأعداء تم التركيز على دور المخابرات دون أن يتم التبرؤ من القتلة، وهذه جزئية ينبغي تذكرها.

الواقع أن الإعلان عن دور المخابرات لم يكن أكثرَ من قناع يسمح للمحرجين بالاستمرار في النظر في وجوه الآخرين المترددين والحديث إليهم بغض استقطابهم، وإلا فإن ممارسة أعضاء الشبيبة بكل أطيافهم، إلى تاريخ الانفصال سنة 1981، تدل على اقتناعهم بما فعلوا. ولذلك حزموا أمرهم للقيام بمهمتين: أولاهما، دعم القتلة، والوقوف بجانبهم أثناء محاكمتهم، والثانية، الهجوم على الإتحاد الإشتراكي بشراسة لا حدود لها:

1ــ ففي دعم القتلة المجرمين يقول عبد الجليل الجاسني: “كانت المحاكمات تجري في [حي] الحبوس، وما كانت تمر محاكمة إلا ونحضرها، فيكون هناك تجمع كبير، ونتابع ما يجري ونشارك إذا ما دعت الضرورة، ونرفع شعارات، إلى أن جاءت مظاهرة 1980 التي قادها عبد الإله بنكيران” (ذاكرة.1/14).

وقد نظمت هذه المظاهرة بعد صدور الحكم على عبد الكريم مطيع بالمؤبد. ضمت مابين ألفين وأربعة آلاف حسب تقديرات المشاركين. توافد أعضاء الجمعية للمشاركة فيها من الرباط وفاس وغيرهما. انطلقت من المسجد المحمدي مارة بجانب القصر الملكي وصولا إلى بنجدية حيث توجد دارُ مطيع. ولا شك أن عبد الإله بنكيران كان في غاية الحماس كعادته، إذ بُحَّ صوتُه قبلَ أن يَفرغ من كلمته. يقول الجاسني: “ولم يُعتقل، بحمد الله، أحدٌ من مجلسنا التربوي…”. (ذاكرة 1/15). الحمد لله واجبٌ على كل حال، ولكن لا بد أن يستعمل المرءُ عقلَه ليفهم ما وقع، سنحاول.

2ــ أما الهجوم على الاتحاد الاشتراكي فقد بلغ لأوجه سنة 1977 بمناسبة الحملة الانتخابية التشريعية، فتعبأت الشبيبة الإسلامية ومن يدورُ في فلكها من الشيوخ الخُطباء للحملة ضد الاتحاد الإشتراكي. يقول محمد العربي بلقايد: “أعطيت لنا تعليمات للخروج في الحملة الانتخابية ضد الاتحاد الاشتراكي. وكان التوجيه الذي وصلنا يقول: إن الاتحاد الاشتراكي فيه قوم يفطرون في رمضان، ويسبون الله ورسوله، ولذلك فقد وجب الوقوف ضده”.(ذاكرة. 2/117).

وقد استُعملت المساجدُ في هذه الحملة تحت سمع السلطة وبصرها. يقول بلقايد: “أذكر أنني في هذه الحملة الانتخابية تحدثت في المسجد الكبير في الحي الحسني، بعد صلاة الظهر أو العصر، في الموضوع… أذكر أنني رفعت الورقة الزرقاء، وكانت رمزا لحزب الاستقلال، وقلتُ لهم: صوتوا على هذا الحزب بدلا من التصويت على حزبٍ يسبُّ بعضُ أفراده اللهَ ورسولَه، ويفطرون في شهر رمضان جهارا”. (نفسه).

يُرجع بلقايد هذا السلوك إلى ضعف الوعي السياسي، وتنفيذ أوامر قائد الحركة عبد الكريم مطيع. يبدو أن مطيع لم ييأس من شركائه في الجريمة، أقصد المخابرات، ولذلك سعى، في المرحلة الفاصلة بين الاغتيال والمحاكمة، إلى تقديم خدمات لها علها تثمر ولو براءة شخصية، وربما كان تشغيلُهم له من أسباب تأخير المحاكمة كل تلك السنوات، وتخفيف اليد في معاقبات تجاوزات أتباعه. إن الرجل يتحدث عن الخيانة في خطبة طويلة على موقعه، دون تحديد الجهة. وعندما صدر الحكم عليه بالمؤبد علم أن لا فائدة من الاستمرار في الخدمةٍ تغيرت استراتيجية الحركة، صارت تهاجم النظام نفسَه، وصار حال مطيع ينشد قول أبي فراس:

معللتي بالوصل والموت دونه   إذا مت ظمآن فلا نزل القطر

يقول الأمين بوخبزة: “لم يكن الحديث إطلاقا عن النظام السياسي بشكل مباشر، ولم يقع هذا إلا في حدود 1980 لما حوكم عبد الكريم طيع بالإعدام في قضية بنجلون، وقتها سيتغير توجهه”(ذاكرة 2/23).

كان الهجوم على الاتحاد الاشتراكي ــ وأوراقُه محروقة مع النظام ــ مضمونَ العواقب: النظام ساخطٌ، والاتحاد يضمد جراحه استعدادا لجولة أخرى، ولذك ساهمت في الحملة ضده كل الأجهزة السرية والعلنية من الحركة: شيوخها وشبابها، من على منابر المساجد وفي أقسام الثانويات ثم في مدرجات الجامعة وأحيائه السكنية. فالحركة كانت حركة معلمين وخطباء، تلاميذ وطلبة، مع امتدادات عمالية حرفية. حركة فعالة ولكنها هشة مكشوفة أمام النظام.

ولذلك فحين اختار مطيع، دون استشارة أحد، مقارعةَ المخزن صار يهدد هذه البنية غير الجاهزة لأداء الثمن الذي تعودت حركة اليسار على أدائه عن رضى وطواعية نظرا لخروجها من رحم المقاومة وجيش التحرير. وقد صدق عبد الإله بنكيران عندما صرح مرة قائلا: نحن لسنا الاتحاد الاشتراكي، أو لا نريد أن نكون كما كان الاتحاد الاشتراكي، فهذا قول حق، التاريخ لا يسمح بذلك.

يقول الأمين بوخبزة معبرا عن التساؤلات التي فرضها التوجه الجديد لرئيس الحركة: “ما الذي يريد مطيع منا؟ وهل يريد أن يدفعنا إلى المجهول؟ فقد استعديْنا اليساريين، واستعدينا النظام، واستعدينا العلماء، واستعدينا الجميع”.(ذاكرة. 2/25). وقتَها “تنادى الإخوان فيما بينهم”، واستدعوا “الشيوخ، وعلى رأسهم الشيخ محمد زحل، والشيخ برهون، والحاج علال العمراني، رحمه الله، ..” (نفسه). وتوالت الاجتماعات والاتصالات بمطيع لتنتهي بالانفصال عنه، والشروع في انتقاد مسلكه قبل الانتقال لتقويم شخصه.

ويرد مرشد الجماعة بتخوين أعضاء شبيبته، فيتهم بعضهم بالاختلاس، ويتهم أكثرهم بالعمالة لأجهزة الأمن.

من العناصر الخفية التي ظنت بها ذاكرة الإسلاميين عموما في المرحلة المذكورة، خاصة الشبيبة والدعوة والتبليغ، قضية التمويل الأجنبي. وإنما ظهرت مؤشرات ذلك في لحظة الخصومة وتبادل الاتهامات، فمطيع يتهم عبد الحميد أبو النعيم بحجب المساعدة الموجهة إلى مجموعة فاس (ذكر ذلك عبد الرحمن اليعقوبي, ذاكرة. 2/131). كما اتهم مجموعة فاس نفسها بالاستيلاء على مليون سنتيم كانت مرصودة لشراء آلة لنسخ المنشورات السرية. (ذاكرة. 2/134).

يرى عبد الرحمن اليعقوبي أن مطيع تعامل في قضية المليون بخبث، فهو يعلم أنه وضعهم في مأزق: إما أن ينكروا أخذ المال، وهو ثابت في حقهم، وإما أن يكشفوا أنفسهم للبوليس. ويُعقِّب على ذلك: “وكان هذا في الحقيقة من مكر مطيع ودهائه، لكنه أيضا من عدم تورعه، وعدم خوفه من الله”. (ذاكرة. 2/134).

يسمون تلك الأموال “أموال الدعوة”، لأنهم يأخذون طرفا منها تحت هذا البند من دول الخليج، وقد علمت كيفية ذلك عند عملي في الرياض. ومن هذه الأموال تسدد بطاقات السفر والحجوزات في الفنادق…الخ. وهناك طرف آخر يؤخذ تحت الطاولة من أجل مهمة محددة، خاصة من ليبيا. وكان مطيع في حاجة إلى تبرير تلك الأموال بالظهور في ساحة النضال. يقول محمد النايت: “كان يريد أن يقدمنا قرابين لمخططه الجهنمي، فنُعتقل نحن أو غيرُنا، ولا بأس أن يُقتل البعض منا، فمطيع بحاجة إلى شهداء يتغنى بهم، ومعتقلين يدافع عنهم في المحافل الدولية، ويبتز بهم الأموال الطائلة من الجهات الإسلامية المشرقية التي كانت تعطف عليه حتى يثبت للسلطات المغربية أنه ذو وزن على الساحة لا يستهان به، وأنه رقم يصعب تجاوزه”. (ذاكرة. 3/126).

***

هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح على قارئ شهادات المجموعات الإسلامية في سياق اغتيال عمر بن جلون وما تلاه من تحولات في بنية تلك الجماعات، وهو تعامل أجهزة الأمن معها. فبالمقارنة مع القسوة التي عوملت بها الحركات اليسارية الماركسية، وما وقع من الأخذ بالشبهة والتكييف المتعسف لأمور بسيطة، بل طفولية أحيانا، من النطق بعشرات السنوات من السجن، يلاحظ تساهلٌ وتسامح لا حدود لهما مع التنظيمات الإسلامية السرية فيما تقوم به من توزيع للمنشورات وما تنظمه من مظاهرات. وقد كان ذلك يتم بقرار من الجهات العليا. يقول محمد الزروالي، من جماعة التبين: “انكشف أمر التنظيم، وأدركت السلطةُ أن الأمر يتعلق بإطار تنظيمي له رؤاه وهيكلته التنظيمية، وله مسؤولوه. وقد كان مقررا أن نحال على المحكمة، لكن اُستُبقي علينا في انتظار صدور أوامر وتعليمات من السلطات العليا للبلاد. وهكذا تم الإفراج عنا بتاريخ 16 شتنبر 1985” (ذاكرة. 3/102).

وكان مما جاء في أدبيات هذه المجموعة مما حجزته السلطة: “إن الدولة المغربية هي الوجه الثاني للاستعمار”. (نفسه. 3/101). وقد مرت كل الاعتقالات على هذه الشاكلة، وحمد الإخوانُ الله على الرفق بهم، في جميع الحالات. ولا شك أن هذا الحمد ناتج عن مقارنة النتائج المحصلة بالمقارنة مع اليساريين الذين سبقوهم إلى نفس المسار. ولسنا في حاجة للمقارنة مع المتابعات الحالية للتنظيمات السرية في إطار قانون الإرهاب.

التفسير القريب لهذا السلوك هو أن “الجهات المعنية” بتطبيق القانون كانت تقوم بعملية تحقيق التوازن الطبيعي، فلا تجتث كل الأعشاب الضارة من الحقل ولا تبيد كل ما تعتبره حشرات طارة، آملة أن يقمع بعضها بعضا. كان مطيع بمكيافليته صالحا لضرب اليسار ميدانيا بعدما عجز فكريا، ثم صار المنشقون عنه صالحين لضربه هو وما تبقى معه من جماعته بعد أن قلب ظهر المجن للدولة وعوض الكتاب الأسود بالكتاب الأخضر، وشحن الأسلحة نحو المغرب بعد التمهيد بمجلة “المجاهد” التي طبعت في مطابع الكتاب الأخضر، كما استنتج بعضهم.

ذهب مطيع بدون رجعة، ولكن مهمته لم تنته، كانت الدولةُ في حاجة إلى خِدمة تكميلية في الجامعة، لذلك يسرت السبيل لمن أراد القيام بها، وفي هذه اللحظة اكتشف مطيع علاقةَ بنكيران بالخلطي، وبنى عليها مقالة مقولاته في العمالة والخيانة. ولا اعتقد أن هناك عمالة ولا خيانة، بل هناك التقاء مصالح، كما وقع بين الإسلاميين والأمريكان في أفغاستان. وقد عشنا ذلك بالملموس في حرم جامعة محمد بن عبد الله بفاس حيث حوصر الحرم الجامعي ذات يوم من جهاته الأربع بحوالي 1600 من أعضاء الجماعات الإسلامية حسب تقرير قدم في اجتماع مجلس الكلية ومجلس الجامعة. حاصروا الحرم الجامعي بعد أن صلوا صلاة الفجر بظاهر باب فتوح، قبالة ظهر المهراز، تحت سمع وبصر كل أجهزة الدولة. كان هؤلاء المهاجمون قد توافدوا على المدينة من كل جهات المغرب، من وجدة والراشدية ومن أبعد منهما، واستقروا في البيوت في أحياء فاس جماعات؛ يدخلون ويخرجون ويتبضعون أمام أجهزة الأمن. أحكموا الطوق على الجامعة حتى لا يُفلت أحد من قبضتهم، في حين كانت قوات الأمن ترابط بالمداخل والمخارج. ثم هجموا، فشتتوا الطلبة تشتيتا. وحين تأكدت قوات الأمن من أنهم أدوا المهمة المنوطة بهم، وأَخرجوا المبحوثَ عنهم من مخابئهم تحركت وراء الفارين من اليساريين لاعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة. وفي هذه اللحظة وجدوا مجموعة صغيرة بظهر كلية الآداب تؤدي ركعتين شكرا لله قبل أن تذبج الطالب جرير أحد المبحوث عنهم، وكانوا قد شوهوا وجهه بأدواتهم الحربية. هذه هي الرواية الرسمية التي قُدمت في مجلس الكلية من طرف مسؤول كبير كان يرقب الوقائع من بالكون منزله في الطابق الثالث. وقد ذكر من حضر تلك اللحظة أن المغيرين على الجامعة تركوا في الميدان سيوفا لا يُصدق ما ذُكر من طولها وتنوع أشكالها، منها سيف برأسين.

في هذا السياق شَدخت مجموعة من طلبة العدل والإحسان رأس الطالب المعطي بوملي بجامعة وجدة سنة1991 بعد أن اقتادوه من قاعة الدرس على مرأى ومسمع من أستاذه وزملائه الطلبة، وقد احتفلت بهم الجماعة بعد خروجهم من السجن سنة 2009 احتفال الأبطال. وقد كتبتُ بعد الحادثة مقالا تخييليا في الموضوع بعنوان: محالمة الشاقور في رثاء طالب بِ”القدس الغربي”! نشر بجريدة الإتحاد الاشتراكي يوم18/02/1992.

جئت إلى كلية الآداب بفاس يوم الهجوم عليها حوالي الثامنة إلا ربعا صباحا، كان مدخل الجامعة خاليا من المارة على غير عادته. عندما اقتربتُ من باب الحي الجامعي انتصبَ ضابط من الأمن بجانب الطريق مشيرا علي بالتوقف، حسبت أنه مجرد نوع من التحرش بالأساتذة والجسارة عليهم كنا قد رفضناه، فتجاهلته ومضيت، وعندما وصلت المدخل الخلفي لكلية الآداب، باب المكتبة، وجدت نفس محاطا بكتيبة الملشيات حوالي تسعة أفراد عصبوا رؤوسهم بحزام أبيض كتبت عليه عبارة الله أكبر، إلا وحدا فكانت بلون مغاير أسود أو أصفر، لا أذكر. لعله أميرهم. اعتصمت بسيارتي مناورا ووليت الأدبار.

***

خاتمة

استفدنا مادة هذا العرض من شهادات مجموعة من المنفصلين عن الشبيبة الإسلامية، ومَن كانت لهم بها صلة أو اتصال قبل القطيعة مع مطيع كما جاءت في الحوارات التي أنجزها بلال التليدي ونشرت في جريدة التجديد. وقد وضع بعضهم مسافة من الأحداث، خاصة من لم يكونوا منتمين للحركة حين ارتكاب الجريمة. وهذه المسافة منعدمة عند المنفذين للجريمة وعند من بقي مع مطيع، ولذلك لا فائدة من الاهتمام بكلامهم. خاصة الروبوت المدعو خزار. الذي يعترف بممارسة القتل ولا يجد اللسان الذي يعتذر به لعائلة القتيل رغم إلحاح من استجوبوه. وهو لا يتحدث لا عن مخابرات ولا عن غيرها. وهو يبدو الآن كحشرة جافة عالقة بشجرة ميتة. ويرى أن الاتحاد الاشتراكي ضخم المسألة، فعمر بن جلون كان سيموت ولو بحادث سيارة مثلا. وبهذا المنطق فإن كل الناس الذين يركبون السيارات أو يسيرون في الطرقات التي تمر منها مباحون له.

أذكر أن ظروف الاعتقال سنة 1979 حكمت بأن تكون زنزنتنا نحن النقابيين مقابلة لزنزنة هؤلاء القتلة في الحي الأوروبي بالسجن المدني. التقينا بهم مرة أو مرتين؛ هم عائدون من الاستراحة ونحن خارجون لها، وكان واحد منهم جالسا بكنبة في الرواق، قيل إنه مريض، لعله شيخهم كمال إبراهيم. وكان أحدهم يلصق فمه بثقب الباب ويؤذن، فكان يرد عليه أحد الإخوة، القرني، رحمه الله، وكان يعاني من مرض عضال: “وا ما خصكم غير الصلاة ألمجرمين! ومرة قلد معه الأذان قائلا: الللله يلعن…”، فجاء صوت الحارس متوعدا للطرفين، فكف عنهم.

وعندما ذهبت مرة إلى مصحة المستشفى بسبب إسهال حاد وجدت أحدهم هناك، فتقدم نحوي قائلا: الأخ من النقابيين…؟ رددت بالإيجاب في غير اهتمام. قال: “المحامون ديالكم رفضوا الدفاع عنا،… هذه هي الديموقراطية.. أو هذه هي العدالة؟”، شيء من هذا القبيل. قلتُ له، وهذا أتذكره جيدا: “لو كنتُ مكانك لما فكرتُ لا في الدفاع ولا في المحاكمة، سأفكر في اليوم الذي ألقى فيه وجه الله، فيسألني عن قتل نفس بغير حق، من أنتم قضاة؟ …الخ. نظر إلي مشدوها مليا، ثم انصرف. كان وجهه أبيض ممتلئا، وحنكه منتفخٌ بسسب التهاب ضرس.

المراجع:

ذاكرة الحركة الإسلامية المغربية. إنجاز بلال التليدي. طوب بريس. 2008. مجموعة حوارات، في ثلاثة أجزاء.

موقع الشبيبة الإسلامية على الأنتيرنيت.