أبرزت الانتخابات البرلمانية التي شهدتها إسبانيا معطياتٍ عديدةً وجديدةً من شأنها أن تحدث تحولا كبيرا في المشهد السياسي وداخل المجتمع.
أول هذه المعطيات،أن هذه الانتخابات-ولأول مرة منذ أزيد من ثلاثة عقود- وضعت حدا للقطبية الحزبية، التي كانت تتمثل في هيمنة الحزبين الكبيرين: الاشتراكي العمالي والشعبي، على المشهد الانتخابي.
هذه الانتخابات، سجلت –أيضا- تراجعا كبيرا لليمين، حيث إن الحزب الشعبي- الفائز في الانتخابات البرلمانية سنة 2011 بأغلبية مطلقة، وإن كان تصدر نتائج انتخابات أول أمس- فقد هذه الأغلبية وخسر 65 مقعدا، وبالتالي فإن احتمال عدم قدرته على تشكيل تحالف يحوز الأغلبية، ويمكنه من تشكيل حكومة، يبقى واردا. في حين أن اليسار -بمختلف مكوناته- خرج هو الفائز بحسب توزيع المقاعد بالبرلمان الجديد. وهو ما يجعل من سيناريو تشكيل حكومة يسارية بقيادة الحزب الاشتراكي العمالي واردا.
وبعيدا عن لغة الأرقام، فإن تصويت الناخبين الإسبان، وجه رسالة واضحة، تتمثل في رفضه لسياسة التقشف التي نهجها الحزب الشعبي في السنوات الأربع الأخيرة، سياسة جعلت الطبقة المتوسطة والدنيا تؤدي فاتورة الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد على غرار عدد من الدول الأوروبية، خصوصا في اليونان، مما أدى إلى تفقير فئات عديدة داخل المجتمع مع ما استتبع ذلك من تحولات مجتمعية وسياسية، أفرزت –بدورها- مكونات سياسية جديدة، وضعت على رأس أجندتها السياسية معالجة ذيول هذه الأزمة بأسلوب جديد يجنب إلحاق الضرر بهذه الفئات الاجتماعية، على مِنوال حزب سيريزا باليونان
وفي هذا الإطار، فإن الانتخابات الإسبانية، تطرح على اليسار تحدياتٍ عديدةً. فهو مطالب باستخلاص الدروس من نتائج الاستشارة الشعبية، وتقديم عرض سياسي، اجتماعي واقتصادي جديد، واستيعاب التحولات التي يعرفها المجتمع والتفكير في سياسة بديلة لمعالجة الأزمة، التي وإن كانت ذات طابع مالي اقتصادي واجتماعي إلا أنها في العمق أزمة بنيوية تتطلب معالجة مختلفة، وحده اليسار قادر ومؤهل للقيام بها.
ومن بين المعطيات الجديدة، التي أفرزتها هذه الانتخابات أيضا، صعود الحزب اليساري الجديد « بوديموس» أو « قادرون» ليحتل المركز الثالث في الخريطة السياسية.
فهذا الحزب، الذي خرج من رحم الاحتجاجات الشعبية العارمة التي عرفتها إسبانيا في 2011 و 2012 والذي يرتكز خطابه على محاربة الفساد والتغيير السياسي الجذري-وهو خطاب كسب به تعاطف فئات مهمة من الناخبين- مطالب اليوم، بأن يثبت أنه حزب قادر –كذلك- على ممارسة الحكم، بكل ما تحمله هذه الممارسة من تحديات، وليس فقط على ممارسة الاحتجاج، وذلك حتى يضمن لنفسه الحفاظ على تموقعه في الخارطة السياسية، لأن الناخبين والمواطنين بشكل عام، بحاجة إلى أحزاب تثبت قدرتها على تنزيل برامجها على أرض الواقع، ومعالجة مشاكلها الملموسة عبر تحمل المسؤولية في ممارسة الشأن العام.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •   الثلاثاء 22 دجنبر 2015