ننطلق في هذا البحث من أمرين اثنين نرى فيهما تعبيراً عمومياً عن خصوصية الفلسفة العربية وتطورها ما بين القرنين التاسع والثاني عشر، أو- إذا اعتبرنا علم الكلام الاسلامي العربي الفلسفةَ العربية إياها، في مرحلة الإرهاص بها- مابين السابع والثاني عشر. أما الأمر الأول فهو ذو طابع تكويني يفصح عن الكيفية التاريخية التي كان على الفلسفة المذكورة أن تسلكها ، في حين ظهر الأمر الثاني بمثابة الإشكالية الكبرى أو بمثابة إحدى الاشكاليات الكبرى لتلك الأخيرة.‏

فلقد واجه المفكرون العرب الاسلاميون، منذ بواكيرهم، وضعية فكرية معرفية وايديولوجية فرضت نفسها عليهم، بحيث تدخّلت في نسيج الفكر الذي أخذوا ينتجونه ويعملون على تعميمه، بقدر ما تسمح بذلك آليات تقسيم العمل السائد سوسيو ثقافياً وسياسياً. وقد تمثلت تلك الوضعية في أن المنظومة الاعتقادية والثقافية الإسلامية كانت قد أعلنت عن نفسها، بوصفها مقدِّمة وتمهيداً للفكر العربي ، كما سيتجلى لاحقاً في حركتي ” أهل السنة والجماعة” و” أهل الرأي”. وفي عملية ” التدوين” الواسعة النطاق إضافة إلى” علم الكلام” و” الفلسفة”، وما اقترن بها من أنساق ذهنية من نمط التصوف والمنطق. ونعني بالمنظومة الاعتقادية والثقافية الاسلامية ، خصوصاً ، الخطاب الإسلامي المتصل بـ” العقل” و” العلم”.‏

إن الخطاب الاسلامي المذكور أتى ليؤكد أهمية العقل والعلم في الحياة الانسانية عموماً، وعلى صعيد الخيار الاعتقادي على نحو مخصص ، بغض النظر عن أنه ( أي الخطاب) يضع الاسلام والعقل والعلم ضمن علاقة تقوم على التواشج والتوازن. ويظهر ذلك ، تحديداً، في واحدة من القراءات المتعددة والمحتملة للنص الديني الأساس( القرآن الكريم)، هي “القراءة العقلية”. نقول بذلك ، دون أن نستنبط من مفهوم” العقل” في الخطاب المعني أكثر من كونه دالاً على صفة ” التعقّل” في شؤون الكون وارتباطه بـ” مبدعه أو خالقه”، أي الله . وربما نضيف ، تحديداً أقرب لذلك ، أن الصفة المذكورة ذات بنية ” بسيطة- غير مركبّة”، هي أقرب إلى التأمل الفاحص العفوي منه إلى ممارسة عمليات عقلية تستند إلى الملاحظة والفرضية والتحليل والتركيب.‏

إن ذلك ، مجتمعاً، صادَر- بالاعتبار المنطقي- على احتمال سيْر الفكر العربي الاسلامي (وضمنه الوجه الفلسفي منه) بعيداً عن الخطاب الاسلامي وأقل من هذا، بصراع معه ذي طابع مكشوف، على الأقل. لقد أخذ الأمر يبدو وكأن النسقين، الديني الاسلامي والفلسفي، يمثلان وجهين لمسألة واحدة أو طريقين اثنين يفضيان إلى هدف واحد وحقيقة واحدة. وفي هذه الحال، كان على الفكر الكلامي والفلسفي أن يدخل ” دائرة” تاريخية شبه مغلقة عمل على فتحها شيئاً فشيئاً وبكثير من “التقيّة”، كي يحقق لنفسه حدّاً أولياً وضرورياً من” الاستقلالية” التي تجعل منه ما هو عليه ، أو ماهو صائره.‏

هكذا ، كان على الإرهاصات الفلسفية العربية ( الاسلامية) أن تلفّ على الخطاب الديني الاسلامي بهدف الاستحواذ على مشروعيتها بالانطلاق من موقع من يستحوذ عل عصب المشروعية الذهنية الفكرية استحواذاً حاسماً. كان عليها ألا تقول” لا” من خارج الخطاب المذكور. بل، لم يتح لها ذلك، بوضوح ودون غمغمة، حتى من داخله. وهذا ما أسهم باطراد وبصيغ آخذة في التركّب والتعقد والطرافة، في انتاج نمط من القراءة الفلسفية للنص الديني مفعم باتجاهات مفتوحة من” التأويل” بل من” التفسير” كذلك ، عملا على تشظية الدلالات البعيدة لذلك النمط وإقصائها إلى البنية الخفيّة . وكان من نتائج ذلك أن خلق أطيافاً من الإشكال واللبس والتعددية الفهمية المفتوحة جعلت من النص الفلسفي العربي الاسلامي مركّباً غير بسيط، في غالبه وعلى نحو الإجمال نصاً‏

ولعلنا نرى في” لابساطة- تركيبية” ذلك النص امتداداً لـ” التقية” التي تحدثنا عنها بوصفها أحد أشكال الحقل التاريخي والسوسيوثقافي، الذي تحرك فيه ذلك الأخير ( أي النص). فمن موقع جدلية السلطة والثقافة، التي هيمنت في بواكير إنتاجه عربياً اسلامياً، ماكان لنص فلسفي أو مقول فلسفي أو خطاب فلسفي أن يفصح عن نفسه إلا وعينه الحذرة المتحفظة على الاتجاهات الأساسية من هذه الجدلية. لقد قبع السلطوي ( السياسي تحديداً) في الخلفية البعيدة والمضمرة ولكن الفاعلة من كل إنتاج فلسفي عربي إسلامي. وعبر هذا السلطوي السياسي كان على الإنتاج الفلسفي بشخص منتجه أن يضع في حسبانه حضور السلطوي الايديولوجي ممثلاً ، خصوصاً، بفئة الفقهاء. فهؤلاء، وعلى نحو مخصص في المغرب العربي، استطاعوا أن يمارسوا سلطة ذات حدين، حدٍّ يتجه نحو الجمهور الواسع من الناس العديمي أو القليلي التمرس بالقضايا الفكرية النظرية عموماً، والمكوَّنين أساساً من موقع الايديولوجية الدينية في احتمالها الجبري، وحد يستمد مقوماته من رأس السلطة السياسية.‏

وبمقتضى ذلك ، كان الفقهاء المعنيون في الموقع الذي يسمح لهم أن يؤلّبوا ذلك الجمهور على المشتغلين في الفلسفة والقضايا الفكرية عموماً، بقدر ما كانوا كذلك قادرين على تأليب السلطة السياسية وأعوانها على أولئك . بل إن الأمر كان يصل إلى درجة يتمكن فيها الفقهاء أن يؤلبوا الجمهور على السلطة السياسية ذاتها، بحيث يظهرون وكأنهم اسياد الموقف برمته. وواقع الحال المشخص بتناقضاته وصراعاته وتحالفاته والمصالح المادية والسياسية والاجتماعية الكامنة وراءها، هو الذي كان من وراء هذه الصيغة أو تلك التي تظهر في إطار جدلية السلطة والثقافة.‏

إن الانتاج الفلسفي ، العربي الاسلامي ، والحال كذلك، كان عليه أن يلفّ على النص الديني الاسلامي( القرآن والسنة)، بهدف امتلاكه مشروعية ظهوره مما امتلك- في الأساس- المشروعية الأولى والعظمى. وهو في هذا، وجد نفسه أمام ثلاثة أنماط من” السلطة” تعيّن عليه أن يحاذرها ويطلب ودها ويفصح عن نفسه في ضوء اعتبارها ذات حضور فاعل ، وهي السلطة الساسية العليا وفئة الفقهاء وجمهور المؤمنين الواسع. ومن ثم ، فالمنتج الفلسفي وجد نفسه ضمن شرط تاريخي ايديولوجي ومعرفي مزروع بـ” قنابل موقوتة” يمكن أن تنفجر مع أي ” خلل” قد يحدث على صعيد هرمية السلطة السياسية وفئة الفقهاء وجمهور المؤمنين. وهذا يتضمن احتمال نشوء مثل ذلك الخلل على صعيد العلاقة المعقدة والمشحونة غالباً بين الفريقين الأولين( السلطة السياسية والفقهاء) ، دون أن يكون لمنتجي الفلسفة العرب المسلمين دور مباشر في ذلك. ولكن كان على هؤلاء أن يدفعوا ثمناً باهظاً حيال ذلك، حيال الفقهاء ضد السلطة السياسية المعنية. وإذا وضعنا في اعتبارنا أن الفقهاء، من أمثال ابن مسرّة وابن الصلاح، برزوا بمثابة فزّاعة تدميرية في وجه المتعاملين مع الفكر الفلسفي (في المغرب)، فإنه سيغدو في مقدورنا أن نتبيّن كم كان حرجاً ومعقداً وقابلاً للاختراق موقف هؤلاء الأخرين.‏

لقد ترتبت على ذلك نتائج ذات أهمية حاسمة وذات طابع مرهف في حقل الانتاج الفلسفي في المغرب العربي. هذه النتائج قد نتبيّنها في نسيج النص الفلسفي والخطاب الفلسفي في حينه، أي في بنية هذين الأخيرين، وفي الآلية التي كمنت وراء إنتاجهما. هاهنا يجري الحديث على ” نص خفي” و”نص احتمالي” و” نص مسكوت عنه” و”نص مُدان” و”نص مهمش” ومن ثم على “نص معلَّق”. فهذه النصوص كلها تُحيل إلى دلالة مركزية تتمثل في أن إنتاجها لم يتم في حالات منبسطة ومفتوحة ووفق استقلالية ضرورية- وإن نسبية- تحققها حيال واقع الحال الاجتماعي المشخّص.بل إن واقع الحال هذا تدخل في آليات انتاجها وفي كيفيات تبنينها على نحو ضاغط وجامح، وعبر إرغامها على اللهاث وراءه، متسقِّطةً احتمالاته ومطبّاته ومفاجآته وعواقبه.‏

هكذا ، تبلور الانتاج الفلسفي في المغرب العربي ملوَّثاً، بقوة ، بهوس الواقع المباشر واحتمال لَيّ عنقه وإحالته إلى قبضة الفقهاء أو السلطة السياسية أو كليهما، وفق معطيات الجدلية المفتوحة بين السلطة والثقافة والجمهور. وحيث كان الأمر كذلك ، فقد أفضى إلى أن وجد الفلاسفة هناك أنفسهم أمام ضرورة إنتاج فلسفتهم في إطار” وعي مراوغ”، يلفّ على المسائل دون أن يواجهها عيناً، لاجئاً- في ذلك- إلى نسقيّة ترميزية إشارية تطالب متلقيّها بفك دلالاتها والكشف عن احتمالاتها المفتوحة بكثير من الرهافة والحذر المنهجي المعرفي والإيديولوجي.‏

لقد جاء موت ابن باجه مسموماً، كما يجمع كثير من الباحثين، تحذيراً لمعاصريه وأخلافه، وخصوصاً منهم ابن طفيل وابن رشد. فالأول منهما لم يترك إمكانية إلا توسّل بها للتأكيد على أن “الّلبيب” وحده هو الذي يتمكن من استنطاق النص الفلسفي الذي كتبه، ومن فهمه وتفكيكه، وبالتالي وضع اليد على مراميه ” الحقيقية”. أما ابن رشد فقد صاغ ” نظرية الحقيقتين” بوصفها واحدة من المحاولات الكبرى في التاريخ الفلسفي للّف على الدين ( الأكثر شرعية ومشروعية في حياة الأكثرية في حينه) بهدف استجرار حدّما من الشرعية النصية الدينية والمشروعية الاجتماعية للفلسفة. وبرأينا سوف تبقى هذه المسألة منتصبة أمام أعين الباحثين ومؤرخي الفلسفة لأمد ليس قصيراً، بحيث يتمكنون من استقصائها والتدقيق فيها على نحو تحليلي وتركيبي يبيّن الآلية المنهجية التي كمنت وراء انتاج تلك ” النظرية” والأهداف القصيّة” المراوغة” التي أفضت إليها.‏

ومن هنا، فإن مااستنتجه رهط أو أكثر من الباحثين ومؤرخي الفلسفة من أن الفلاسفة العرب المسلمين عامة وبعضهم على نحو التخصيص ، مثل ابن رشد إيّاه ، قد ذهبوا إلى التمييز بين حقيقتين اثنتين، واحدة لـ” العامة” وأخرى لـ ” الخاصة”، من باب احتقار أولئك معرفياً وأيديولوجياً، وتبجيل هؤلاء كذلك معرفياً وايديولوجيا، أمر لايستقيم مع نتائج القراءة المنطلقة من جدلية السلطة والثقافة والجمهور. ولعلنا ندلل على ذلك بمثل واحد على صعيد ابن رشد ، وهو أنه في كتابه المهمّش لدى معظم الباحثين العرب والمستشرقين” شرح جمهورية أفلاطون ” لايربأ بنفسه عن مثل ذلك التحقير لـ ” العامة” فحسب بل يسعى لتقديم مجتمع فاضل خال من الملكية الفردية الاستغلالية ومن الاضطهاد الاجتماعي للعامة وخصوصاً النساء منهم.‏

ومن طرف مقابل، بإمكاننا الأخذ بالتمييز بين الحقيقتين المذكورتين من باب ذلك التحقير للعامة، ولكن في أوساط الفلاسفة والمفكرين الذين رفضوا القول بثنائية الحقيقة واكدوا على أحاديتها من موقع اللاعقلية. وقد يكون الغزالي في مقدمة من انجزوا هذه ” الأحادية ” ضمن الباب الإيديولوجي”التحقيري” المذكور. واللافت الداّل هاهنا يقوم على أن أمثال الغزالي انتجوا نصوصاً مركّبة من نمط الخفيّ والمسكوت عنه الخ… فهي نصوص منبسطة تشير ظواهرها إلى بواطنها وهذه إلى تلك دون توسّطات شائكة. ومن ثم ، فهي في انبساطها ذاك ، تعيّنت في بنيات معلنة مكشوفة ومباشرة وصريحة وناجزة( مقابل احتمالية).‏

وليس عصيّاً على الضبط ذلك النمط من الانتاج الفلسفي ، حين نضعه في سياق الجدلية المأتي عليها، جدلية السلطة والثقافة والجمهور. فهذا الانتاج غالباً ماتم إنجازه في فضاء سلطوي سياسي وجماهيري معلن ومفتوح. بل لعله نُظر إليه على أنه حصيلة الفئة المثقفة التي ظهرت بمثابة المدافع الشرعي الحقيقي عن” صفاء العقيدة الاسلامية”، بحيث صودر على ما قد يتشكل من معارضة محتملة من الأدنى ( الجمهور المؤمن الواسع) ومن الأعلى ( السلطة السياسية المهيمنة). وفي هذا السياق بالضبط، تبرز المقولة الفقهية والفلسفية الغزالية – وهي هنا ذات طابع نموذجي تمثيلي عمومي في حقلها- والتي يمكن وضعها مقابل” نظرية الحقيقيتين” الرشدية ، كما حددنا دلالاتها التاريخية والايديولوجية المشخّصة آنفاً: لجم ُ العوام عن علم الكلام ( ناهيك عن الفلسفة والعلوم الطبيعية)! وإذاً ، هاهنا، لاتقيّة ولا لفّاً ولا دوراناً على دلالات النص واحتمالات تبنينه.‏

وإذا كان الأمر كذلك ، فإنه يغدو من الوضوح بمكان أن تتم عملية انتاج النص الفلسفي العربي الاسلامي ذي البعد المركب وغير المنبسط ضمن شرطين أساسيين كبيرين تدخّلا فيه بحيث تحوّلا إلى لحظة من لحظات نسيجه ذاته. الأول منهما تمثل في ثلاثية السلطة السياسية المهيمنة وفئة الفقهاء والجمهور الواسع من المؤمنين، في حين أفصح ثانيهما عن نفسه بصيغة منفتحة باطراد من التناصّ بين النصوص المنتَجة. ومن شأن ذلك، وخصوصاً الشرط الثاني، أنه أسهم بإنتاج عملية من التّراكب بين النصوص أضافت إلى تعقيدها تعقيداً وإلى فضائها الخاص فضاءات أخرى؛ مما جعل الباحثين والمؤرخين في تاريخ الفكر عموماً والفكر الفلسفي بصورة خاصة يواجهون ، باطراد ، السؤال التالي: أين مكمن النص الموضوع تحت مبضع البحث من النصوص الأخرى، المخترقة له أو المتواطئة معه أو المتممة له على نحو أو آخر؟ وراح الأمر يبدو وكأن “النص المطلوب” تبدّد في لجة النصوص المتناصّة معه؛ مما دعا مفكراً مثل ميشيل فوكو إلى التمييز القطعي بالاعتبار الابيسيتمولوجي بين ” الاتصال” و” والانفصال” في التاريخ، رافضاً الأول ( الاتصال) لصالح الثاني بمسوِّغ أن من يبحث في حدث تاريخي ماليس بحاجة للبحث فيما ” وراءه” من مكونات تاريخية أفضت إليه. وهو، بهذا، يطالب بـ ” الحفر” عمقياً شاقولياً وليس سطحياً أفقياً للوصول إلى” الحدث- النص” من حيث هو، دون عوالق تحيله إلى ماسبقه. وتابع الباحث( اللسني بارت) ذلك الخط بأن يعلن ” موت” منتج الحدث – النص، داعياً إلى رؤية هذا الأخير مجتزَأً ومنتزعاً من سياقه التاريخي والاجتماعي.‏

ان نمطاً من ذلك التنظير اللاتاريخي قمين بإسدال حجب كثيفة حيال البحث في تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية في مرحلتها المغربية بكيفية خاصة. لأنه يشطب باستسهال لاتاريخي ملفت التعقيد والغنى والإشكاليات الكبرى والصغرى في هذه الفلسفة، ويحرمها من عملية نشوئها وتبنينها وتعضيّها التاريخية، بحيث يطاح بجدلية المتصل منفصلاً والمنفصل متصلاً.‏

من هنا، تتكشف الأهمية المنهجية القصوى للبحث في الكيفية التاريخية التي سلكتها الفلسفة العربية في تاريخها في الفترة المحددة آنفاً، تلك الكيفية التي اعتبرناها أحد التعبيرين الحاسمين لخصوصيتها ، بحيث نرى أن الكيفية المذكورة لم تنحصر – مع تقادم إنتاج تلك الفلسفة وتعاظمه عمقاً وسطحاً- في حدود كونها إطاراً سوسيوثقافياً خارجياً لهذه الأخيرة( الفلسفة) في مرحلة الارهاص بها خصوصاً. فمن الملاحظ المدهش ماحدث لاحقاً من انغماس ذلك الإطار في النسيج الفلسفي المنتج ، بحيث أفضى إلى أن يتحول هذا الإطار إلى لحظة من لحظات النسيج المذكور في ثنائية متجادلة بين طرفين يشير الواحد منهما إلى الآخر ويقتضيه ويشترطه ، وهما المعرفي الفلسفي والايديولوجي ( السوسيوثقافي). وعلى سبيل المقارنة التاريخية الفلسفية، قد نقول بأن الأمر إذا كان كذلك على الصعيد العربي الاسلامي، فإنه في الحقل اليوناني الفلسفي مغاير في أنه قامت بين المعرفي والايديولوجي فيه علاقة غير مباشرة وغنية مترعة بالتوسّطات؛ مما لايسمح بالنظر إلى تاريخ الفلسفة متماسلاً في العالم ، بقدر مايتيح النظر إليه عموماً في تشخصه التاريخي الوطني والقومي.‏

وإذا كان الأمر كذلك في إطار من اتخذوا من” التقيّة” عنصراً بارزاً في انتاجهم الفلسفي( العربي الاسلامي) ، فإننا نواجه حالة أخرى مثّلها ذلك الطراز من الفلاسفة ( والمفكرين)، الذين اختاروا -ضمن واقع الحال العربي الاسلامي المشخص- مواجهة الموقف من حيث هو وبما هو، دونما لجوء للتقية بما انتجته من وعي فلسفي مراوغ ( لدى أولئك) وبعيداً عما يقتضيه اللّعب على جدلية السلطة الرسمية المهيمنة والفقهاء والجمهور وما تفرضه هذه من مراوغة أيديولوجية ومعرفية ومنهجية. وقد برز من هؤلاء أمثال ابن طالوت وأبو عيسى الوراق وابن الرواندي ومحمد بن زكريا الرازي.‏

هاهنا في هذا الحقل الفلسفي، نتبين أمامنا نصاً منبسطاً مفتوحاً، كما هو الحال في النص الذي انتجه أمثال الغزالي ؛ ولكنه – إلى ذلك- نص ” ملاحق” يعتبر في عداد” المطلوبين الهاربين أو المهرّبين”. وبهذا الاعتبار ، فهو يقوم على بنية متوترة وأميل إلى السجاليّة. ومن ثم، يغيب عنه النفَس الطويل في انتاجه واعادة انتاجه والتدقيق فيه وتعميقه، فضلاً عن اشاعته وتعميمه وتسويقه. إذ هاهنا ، قد يتحدد حقل التعميم والتسويق في نخب ثقافية مفكرة تنحو نحو المعارضة السياسية والايديولوجية للايديولوجيا السلطوية والفقهية المهيمنة، أو نحو الاستقلال الفكري والفلسفي.‏

ان ذلك النص المنبسط المفتوح والمتوتر والملاحق لم تتح له امكانية فعل فكري تاريخي واسع عمقاً وسطحاً، أو ربما سطحاً بصورة خاصة على مستوى الجمهور المؤمن الكبير. فقد ظل، في عموم الموقف، حبيس المجموعات المثقفة المعارضة والمناهضة لـ ” النص المهيمن”و” السياسة المهيمنة” و” الفقه المهمين”. ومن ثم فإن الفعل التاريخي في التاريخ الفلسفي العربي الاسلامي كان من نصيب أولئك الذين تماهوا مع السلطة السوسيوثقافية وأولئك الذين راوغوا في هذا وعملوا على اختراق هذه السلطة في الأعلى (السياسي المهمين) والاوسط الفقهي والقاع الجماهيري). والآن، حين نتجه نحو الأمر الثاني الذي يعبر تعبيراً عمومياً عن خصوصية الفلسفة العربية ويظهر ، في الوقت ذاته، بمثابته الإشكالية الكبرى أو إحدى الإشكاليات الكبرى فيها، فإنه سيفصح عن نفسه من حيث هو، ومن موقع الأمر الأول من الخصوصية المذكورة المأتي عليه فيما سبق. نعني بذلك محاولات الفلاسفة العرب الاسلاميين الدؤوبة لرفع ثنائية” الفاعل والمفعول- الله والعالم” وتجاوزها باتجاه توحيدية وجودية . ويلاحظ أن ذلك افصح عن نفسه بصيغتيْ نسقين اثنين، واحد فلسفي وآخر صوفي نظري . وفي كلتا الصفتين نضع يدنا على محاولة حثيثة، ولكن غالباً مضمّنة لإبراز الانساني إزاء الالهي وللنظر إلى الواحد منهما في ضوء الآخر.‏

لقد برز الصراع السوسيوثقافي والسياسي ، الذي دارت رحاه بين المنافحين عن” الحق الالهي المقدس” في الحاكمية( الخلافة أو الامارة) وبين خصومهم ممّن قالوا، عموماً وإجمالاً، بحاكمية تنتمي للبشر في نظامهم الاجتماعي الوضعي. لقد رُكّز في هذا المضمار على المقولة التالية بعد استبدال أخرى بها، وهي” لاوجود ولا موجود إلا الله” مقابل تلك :” لا إله الا الله”.‏

ولعلنا نقرأ في عملية ذلك التحول خطاباً إيديولوجياً يحيل- – هنا ايضاً عموماً وإجمالاً- إلى المعارضة السياسية والايديولوجية التي راحت تنتشر في معظم أمصار الدولة العربية الاسلامية. إن أنسنة الإله ، وتأليه الانسان ، باعتبار أخلاقي قيمي لدى البعض ، ووجودي لدى بعض آخر، كان من مقتضيات الردّ على واقع الحال الفكري والعقيدي الايديولوجي في أوساط الاسلام السلطوي السياسي المهيمن . فإذا كان من عناصر الألوهية في فهم هذا الأخير ” المفارقة” و” العُلوية” فإن الردّ عليه أتى بمثابة إقصاء لهذين العنصرين بهدف دفع الألوهية باتجاه الانسان والاقتراب الحميمي منه. وبهذا الاعتبار، كان ذلك الرد- كذلك- تعبيراً عن مواجهة الفقهاء وفريق من الكلاميين في تفقيههم وتقعيدهم الصّارمين اللا إنسيين لمبادئ الاسلام وشرائط التعامل معه.‏

ويلاحظ أن نمطاً آخر من مواجهة ذلك تبلور في أوساط ” الاسلام الشعبي”، وذلك عبر التركيز على شخصية النبي بصورة رئيسة وحاسمة، وتحويلها إلى حالة حميمية كارزمية (إلهامية ملهِمة) متصلة بالناس ، دون حجُب ، مع النظر إلى” الله” كقوة عليا علوية ومفارِقة.‏

وإذا قلنا إن الإشكالية المذكورة في الفلسفة العربية الاسلامية لم تظهر من حيث هي ( أي كمنظومة فلسفية لها بنيتها المنطقية ودلالاتها الوجودية) فحسب، فإنما عنينا أنها -في صفتها هذه- لم تتمكن من الظهور هكذا علناً وجهاراً ودون توسطات إلا في أوساط من أخذها من الفلاسفة كثنائية مطلقة بين الفاعل والمفعول ، والله والعالم. أما على صعيد الفلاسفة الآخرين، أمثال الكندي( جزئياً) والفارابي وابن سينا وابي بكر الرازي وابن باجه وابن طفيل وابن رشد، فلم يكن لها أن تفصح عن شخصيتها واتجاهها خارج نص مركّب وربما كذلك خفيّ ومسكوت عنه. ذلك لأنها – في هذه الحال- كانت قد مثلت – في نظر المهيمن من القراءات ضمن الأوساط الفقهية خصوصاً- قراءة” باطنية مؤبلسة “، باعتبار عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه ” تلبيس ابليس”. ولذلك ، كان لـ” التقية” نصيب أوّلي في عملية الإفصاح عنها وفي إشاعتها وتسويقها. ومن هنا، ، كذلك ، أتت قابلة قبولاً واسعاً لـ” تعددية قرائية تأويلية” بل ربما ايضاً وفي أحوال معينة لـ” تعددية قرائية تفسيرية”.‏

وقد كان من شأن ذلك، في معظم الاحوال، أن انتج التباسات خطيرة في أوساط الباحثين ومؤرخي الفلسفة العربية الاسلا مية ، بحيث غدا وارداً أن نقول عن هذه الأخيرة ما قاله علي بن ابي طالب عن القرآن الكريم من أنه ” حماّل أوجه”. وإذا كان الأمر المعني هنا يتصل خصوصاً بالإشكالية الفلسفية المركزية المحددة فوق، إلا أنه قد ينسحب على مشكلات عديدة نواجهها في الفلسفة المذكورة ، مثل النفس والرؤية ( رؤية الله) والذات والصفات والعلّية الخ…. وهذا يفضي بنا إلى مزيد من التعميم في المسألة ، إذ نعلن أن الفلسفة العربية الإسلامية اختُرقت من ذلك الخط، خط التقية والحذر والتحفظ ، فغدت لوحة معرفية وايديولوجية تحفز على أن تُقرأ بأنحاء متعددة وفي ضوء تعددية تأويلية مفتوحة؛ مع الاشارة إلى أن هذا الحكم نسبي ومختلف في انطباقه على مشكلات الفلسفة إياها.‏

ولكن ، هل على الباحث أن يأخذ عملية الاختراق المذكورة وما تفضي إليه من تعددية تأويلية على محمل الجد، بكيفية مغلقة، بحيث ينتفي الحديث على احتمال الوصول إلى ” النص الأصلي”، أي المنظومة الفكرية المعرفية التي أرادها الفلاسفة العرب الاسلاميون تعبيراً عن مقاصدهم؟ لقد طالب هؤلاء قراءهم بشحذ عقولهم وربما كذلك ملكاتهم التخيلية لاكتشاف شبكة الدلالات التي قصدوا إليها، والتي ظلت تناور وتراهن على الخروج من حلوقهم والتحرر منها. ذلك لأن هذه الدلالات” الأصلية”، التي تشكل لديهم” الحقيقة” النادرة ندرة” الكبريت الأحمر” تمثل هدف الباحث المؤرخ الفلسفي ورهانه في استنباط مالم يُقل علناً وجهاراً، فظل أسير الغمغمة والتلعثم والجمجمة.‏

وإذا ، فعلى ” من اراد الحق دون جمجمة”، كما سيقول ابن طفيل، أن يسبر غوره ضمن قاعه المعرفي، ولكن دون التنكّب لما يشكل حصاراً منهجياً وايديولوجياً لعملية سبر الغور هذه لدى الباحث المؤرخ المعني.‏

إن البحث في الفلسفة العربية الاسلامية ينطلق من أنها، في تجلّييها الجغرافيين المشرق العربي ومغربه، وفي خصوصيتها الفلسفية، تكوّن وحدة مؤسسة إبيسيتمولوجياً على وحدة إشكالياتها وآلياتها والشروط السوسيوثقافية والتاريخية التي أحاطت بها وأسهمت في انتاجها. وفي هذا الحقل ، تندرج ضرورةً” الفلسفة الأندلسية” بوصفها تعبيراً عن الفكر الفلسفي المغربي العربي. نقول هذا وذاك ، دون غض النظر عن أن ذلك الفكر الفلسفي ظل ، بطبيعة الحال، بخصوصية ” مغربية” هي تعبير عن تشخّص العام خاصّاً.‏

ويهمنا ، هنا تناول الفيلسوف ابن طفيل، من حيث هو أنموذج مكثف لما أتينا عليه من ضبط للنحو الفلسفي العربي الاسلامي ، ذي الطابع المركّب وغير المنبسط والمثقل بهواجس ” التقية”. فهو لايكتفي بتقديم نص من هذا النمط، بل يعلن هو ذاته بوضوح أن نصه يحتاج قدرة متمرسة لتبيّن أغواره وقاعه، وذلك بسبب من أنه انتجه في ظل تلك الهواجس. يقول ابن طفيل في آخر سفره” حي بن يقظان”:” ولم نخل… ما أودعناه هذه الاوراق اليسيرة( من الأسرار) عن حجاب ( رقيق وستر) لطيف ينهتك سريعاً لمن هو أهله، ويتكاثف لمن لايستحق تجاوزه حتى لايتعداه”.‏

ونلاحظ في سياق البحث في نظرية الوجود ونظرية المعرفة عند ابن طفيل أن حديثه عن النظرية الثانية أكثر انبساطاً وأقل تركيباً وأميل إلى الجهر والإفصاح. فعلى العكس من نظريته في الوجود التي تتعلق بمبادئ كلية تمسّ أسس التفكير الفلسفي كما الديني بشيء من المباشرة، تبدو نظريته في المعرفة حقلاً قابلاً للخوض فيه. ذلك لأن مثل هذا الحديث متحرر، عموماً ، من حساسية الميتافيزيقا وما تستتبعه من لاهوتيات من الطراز الاسلامي.‏

عاش ابن طفيل ردحاً من الزمن في عهد المنصور يعقوب بن يوسف ( وهو من الموحدين الذين حكموا من 1146 إلى 1269) . وكان قد ولد في وادي آش من اقليم غرناطة 1110 ، ومات عام 1185. وإذا المنظور هذا قد عمل على التأسيس لنهوض فلسفي، عاصره ابن طفيل نفسه واسهم فيه إلا أن الحالة العامة تمثلت في تسلط الفقهاء على السلطة الخلافية وعلى الجمهور المؤمن الواسع. ومن هنا ، ندرك القولة التي أطلقها ابو يعقوب يوسف في وجه من عارض مذهبه الديني : إما المصحف وسنن أبي داود، وإما السيف! ومع ذلك ، صمد ابن طفيل ، الذي دخل باب الخلافة من باب الطب ( طبيب الخليفة) والحكمة ( الفلسفة هنا) . بيد أن صموده ذاك الذي حققه في وجه الوشاة المحافظين المناهضين للفكر العقلي بعامة والفلسفي بخاصة، ظل مشحوناً بالقلق والتحسّب حيال ما قد يحدث له، وهو الطبيب، طبيب الخليفة وفيلسوفه.‏

أما الإنتاج الذي قدمه ابن طفيل على صعيد الفلسفة ، فلم يتبق منه سوى قصته الفلسفية الشهيرة بـ” حي بن يقظان” والتي أتى عنوانها الكامل على النحو التالي:” رسالة حي بن يقظان في اسرار الحكمة المشرقية استخلصها من درر جواهر الفاظ الرئيس ابي علي بن سينا الامام الفيلسوف الكامل العارف ابو بكر بن طفيل”. في هذه يسلك ابن طفيل طريق النقائض . ففي المسألة الواحدة يقدم اطروحتين أو احتمالين يضعهما أمام القارئ على نحو تبدوان فيه وكأنهما متساويتان في الأهمية والجدارة المعرفية. وعلى القارئ ” اللبيب” أن يستنبط مايرى أنه أقرب إلى الترجيح لدى المؤلف ابن طفيل.‏

ان ذلك يظهر بوضوح في مسألتي المعرفة والعلاقة بين الفلسفة والدين. فعلى صعيد المسألة الأولى، تواجهنا إشكالية” مصدر المعرفة”، تلك الاشكالية التي تفصح عن نفسها بصيغة السؤال التالي: ماهو مصدر المعرفة، التي تفضي إلى” الحقيقة”، العالم الطبيعي أم العالم ” الماورائي- الالهي”؟ ويلحق بذلك سؤال آخر متمم، هو التالي: هل من مسوَّغ للحديث عن مصدر للمعرفة وموضوع لها في تركيب وجودي( انطولوجي) من نمط ” العالم الالهي” أو ” الاله العالمي”؟ هاهنا، نلاحظ تقاطعاً في الخطوط بين المسألة المعرفية والمسألة الوجودية( الانطولوجية)! مما يشير إلى استحالة القيام بفصل قطعي بين كلتا المسألتين في الإطار الابن طفيلي.‏

بيد أن تناول المسألة المعرفية من مدخل آخر غير ذاك الوجودي، قد يضع يدنا على اللحظة التي ترجح هذا أو ذاك من الاطروحتين أو ذلك من الاطروحة التركيبية الثالثة. أما المدخل الذي نعنيه فيتمثل في تحديد ثلاثة أمور هي الأدوات المقولاتية والمفاهيمية المستخدمة في انتاج المعرفة أولاً، ومستويات المعرفة القابلة للتحقق ثانياً، والسياق أو السياقات التي تتحقق المعرفة فيها ثالثاً.‏

ان قصة حي بن يقظان تضع يدنا على مجموعة من المقولات والمفاهيم التي تتم المعرفة بواسطتها ، وتحقق تراكماً يجعل من تاريخ المعرفة أمراً ممكناً. من ذلك تبرز” الملاحظة”و” التأمل ” والتساؤل” و”المقارنة- الموازنة” و” التجربة” و” الفرضية المضمرة”. وجدير بالاهتمام العميق أن الشخصية الرئيسة في القصة ، وهي” حي” حققت من ضروب المعرفة ما اتاح لها انتاج علاقات متنامية مع المحيط الطبيعي بمساعدة آخذة في التقدم من” الآلات المادية”.‏

وعلى هذه الطريق، تمكن حي من تحقيق معرفته الحسية بمحيطه الطبيعي، لينطلق منها باتجاه نمط آخر من المعرفة أكثر عمقاً وشمولاً هو المعرفة العقلية. وإذا كانت المعرفة الأولى ذات بعد جزئي مشخص، فإن المعرفة الأخرى تتحدد بكونها مجرّدة وتنحو نحو العموم والشمول. ومن ثم، فهي ( أي الأخيرة) أكثر إحاطة وجوهرية بحيث تعتبر طريقاً إلى المعرفة العلمية والفلسفية. بيد أن ابن طفيل يصل، على يدي بطله حي، إلى نمط آخر من المعرفة، قد يكون جماع القول في نمطي المعرفة السابقين وفي إجمالي المعرفة عامة، وهو ماقد ندعوه بـ” المعرفة الروحية”. وربما كانت هذه الأخيرة، لدى فيلسوفنا، شكلاً من اشكال الشعور بالاندماج الروحي ( العاطفي النفسي)، هذا الاندماج الذي يكتسب طابعاً وجْديّاً كونياً . وبذلك ، يتضح نوع من التواشج الجدلي بين تلك المستويات الثلاثة من المعرفة انطلاقاً من أنها جميعاً” معرفة بالوجود المعطى”.‏

وهاهنا، تبرز واحدة من سمات نظرية المعرفة لدى ابن طفيل، وهي انطلاقها من موقع ” اسمي Nominalism” مخالف ومناوئ لـ” الواقعية Realisme ” من حيث الأساس الابيسيتمولوجي. فالمفاهيم والمقولات والفرضيات والمبادئ إنْ هي- بحسب ذلك- إلا” اسماء” لاوجود لها إلا عبر مسمّياتها (الأشياء والعلاقات الطبيعية). ذلك ان الواقعية ترى في تلك الاسماء موجودات جوهرية في ذاتها ناحيةً في ذلك نحو المثالية الأفلاطونية. في هذه المسألة، يدلّل ابن طفيل على ادراك” واقعي”- هنا يمعنى مادي- بالأشياء والعلاقات الطبيعية كما بما يعبر عنها من” أسماء- مقولات…..”.‏

ولعلنا نتعمق أكثر في النظرية المعرفية الابن طفيلية، إذا وضعنا نتائجها في السياقات التي تحققت فيها، وهي الاجتماعي والتاريخي والتراثي. أما ما يتعلق بسياقها الاجتماعي، فيلاحظ أن ابن طفيل أراد لشخوص قصته ان تتحرك فيما يبدو أنه موقف عداء أو رفض للعلاقات الاجتماعية عموماً ( وهو كناية مضمّنة على الحصار الذي كان يعيشه في مجتمعه بالرغم من منصبه في القصر). فإذا أريد لـ” حي” أن ينشأ في عالم طبيعي لا اجتماعي، فإن المقصود من ذلك لم يكن رفض المجتمع عامة، بقدر ما كان تعبيراً عن رفض لنمط معين من المجتمع ( هو الذي عاش فيه) أولاً ، وعن الاشارة إلى امكانية اكتفاء البشرية بما تحققه من معارف وضعية ثانياً. وهذا ما أشار إليه بحق جميل صليبا وكامل عياد في مقدمة لقصة” حي بن يقظان”.‏

وتبرز أهمية ما أنجزه ” حي” من تحصيل للمعرفة، حيث نضعه في سياقه من تاريخية المعرفة وجدليتها. فلقد نما” حي” في إطار صيرورة تاريخية حقق فيها تقدماً متصاعداً عبر تماسّه العميعق مع محيطه وبواسطة ما انتجه من آلات مادية. وبهذا ، تمت عملية أنسنة محيطه، وإعادة بنائه من موقع الانسان: إن جدلية الذات والموضوع تبرز هنا بمثابة ضابط بشري تاريخي لعملية الأنسنة تلك . ومن ثم، فإن ظهور حي بمظهر من يبدأ من” صفر لاتاريخي ولا اجتماعي” هو، كما اشرنا، تعبير عن رفض خفي للمجتمع في حينه وفي قمته السلطوية والفقهية خصوصاً، إضافة إلى كونه تعبيراً عن رفض” التقليد- النقل ” كمصدر للمعرفة.‏

ومن شأن ذلك أن يضع العملية المعرفية التي انجزها حي في سياقها التراثي. فهي، هنا، بمثابة قطع مع السابق لإمكانية البدء دونه. ولكنه- مع ذلك- استند في عمليته إلى ملاحظته المتدفقة والمتطورة للطبيعة وآلياتها الفاعلة والمجسَّدة خصوصاً في الكائنات الحية من الحيوان. فكأنما الأمر يظهر هنا بوصفها تأكيداً على أن البشر قادرون دائماً على البدء بـ” بدء جديد”. وهذا نمط من الإشارة إلى خلود البشر، ضبطه و عبّر عنه فلاسفة عرب اسلاميون أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وكذلك ابن طفيل، وذلك بصيغة” العقل الفعال” التي ظهرت لدى هؤلاء بدلالات مختلفة ، ولكن موحّدة في مسألة الوجود تلك.‏

***‏

أخيراً، تبرز علاقة الدين بالفلسفة أو الشريعة بالحكمة ، كما أراد لها أن تكون ابن طفيل في منظومته الفلسفية. إن هذه العلاقة تفصح عن نفسها بصيغ إشارية إيمائية في قصة حي بن يقظان وعبر شخصياتها الثلاث، حي وأسال وسلامان.‏

فحيّ المتمرس بالنظر العقلي الذي أفضى به إلى درجات عليا من المعرفة وحيداً في الجزيرة ، يلتقي أسال في مكانٍ مامن هذه الجزيرة، بعد أن يكون هذا قد غادر جزيرته التي قطن فيها مع جمهور واسع من المؤمنين الذين يأخذون بـ ” الظاهر”. أما الشخصية الثالثة وفي سلامان فتمثل الموقف الأميل إلى “الظاهر”. ويتوافق حي وأسال في أنهما من أهل البحث عن “الحقيقة- الباطن” وعن الآفاق الخفية للحقائق الخاضعة للتأويل.‏

وتتضح المواقف حين يدعو أسال حيّاً لزيارة الجزيرة المنحدر منها والتي على رأسها صديقه سلامان. وهناك يشرع حي في محاولة تعليم “الجمهور المؤمن” مبادئ المعرفة “الحقة” وأسرارها. ولكنه يفاجأ بإعراضهم عنه ومعهم كذلك سلامان نفسه، رئيس الجزيرة. ويقرر حي العودة إلى جزيرته ومعه صديقه الجديد أسال. ويتم ذلك، حيث يمكث الصديقان المتوافقان في الرأي يتعبدان “على طريقتهما الخاصة وتوجههما الفكري الخاص”. وبذلك، تكون الخاتمة حاسمة بالنسبة إلى الجمهور الذي يرفض “التأويل” وبالنسبة إلى حي وأسال الآخذيْن به.‏

إن ذلك يحمل دلالات مركّزة على الموقف من الحكمة (الفلسفة) والشريعة (الدين) عند ابن طفيل. فهو يحسم أمره لصالح الأولى، تاركاً الثانية للجمهور. وينبغي الانتباه إلى أن هذا الموقف لا يحمل بالضرورة رؤية سوسيولوجية تحقيرية للجمهور، بقدر ما يمكن أن يكون دالاّ على الجهود الحثيثة لمنح الحكمة- الفلسفة مشروعيتها في فضاء إيديولوجي مقصور، عموماً، على الدين. ولذا، فربما أراد ابن طفيل أن يحيّد “الجمهور المؤمن” في الموقف فيخرجه من دائرة سلطة الفقهاء والسلطة السياسية المهيمنة، على حد سواء.‏

إن الموقف من العلاقة بين الفلسفة والدين لدى ابن طفيل لعله يؤكد على ما أيتنا عليه في موضع سابق من أن نص ابن طفيل الفلسفي، إذ لم تتح له إمكانية التكون على نحو منبسط ومفتوح ومعلن، فقد سلك مسلك التقية والترميز، الذي إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن “شيئاً ما” أراد ألا يصرح به، وهو ما يدخل في تناقض مع المسموح به. وهذا ما يدعم القول بالخصوصية الأولى للفلسفة العربية الإسلامية، وهي تلك التي أشرنا إليها بوصفها اللَّف على الموقف الإيديولوجي المهيمن وليس مواجهته كما هو هو، كسبيل لانتزاع الإقرار بالفلسفة وبحدّ ما من استقلاليتها عن الأنساق المعرفية الأخرى، وعن ذلك الموقف الإيديولوجي تحديداً.‏

إن تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية مازال يمثل بنية مفتوحة ومسألة معلقة تحفز على الخوض فيها وفض مغاليقها عبر احترام خصوصياتها أولاً، ومن موقع السياقات المندرجة فيها ثانياً. وهذا من شأنه القول بأن البحث في هذه الفلسفة مدعوٌ للإقرار بلحظتين اثنتين كبريين من لحظات البحث التاريخي الفلسفي عموماً، وهما الانطلاق من داخل الفلسفة المذكورة، واستخدام منهج أو مناهج معاصرة في ذلك تستجيب لتلك اللحظة وتتساوق معها. بل نود القول بأن ما نستخدمه من مناهج وطرائق ههنا يكون مستجيباً لشرائط البحث التاريخي العلمي، بقدر ما يستجيب لمقتضيات مادة البحث (الفلسفة العربية الإسلامية إياها) ويسهم في اكتشافها وضبطها وقنونتها.‏

وفي مثل ذلك التصور وعبره، يصبح وارداً التصدّي للنزعات اللاتاريخية لتي تناولت الفلسفة المذكورة، ومنها بصورة خاصة النزعة المركزية الأوربية وكذلك النزعة المركزية الشرقية. فهاتان كلتاهما تمزق تاريخ الفلسفة وتجزئه وتشطره، بحيث يُرفض القول بوجود فلسفة عربية إسلامية حقاً (من موقع النزعة الأولى)، ويرفض القول بوجود فلسفة يونانية حقاً (من موقع النزعة الثانية). وفي حالة الفلسفة الأولى، ينبغي أن يركّز على ضرورة رفض “نظرية الامتثال”، التي ترفض القول بوجود فلسفات خارج الفلسفة اليونانية إذا لم تستجب وتمتثل لمنطلقاتها الأوربية. وبكلمة، إن إقصاءنا نظرية الامتثال هذه جعلنا نقول بوجود فلسفة عربية إسلامية لها من الخصوصيات ما يختلف عن خصوصيات الفلسفات الأخرى وبصورة خاصة اليونانية؛ مع القول بوجود نواظم عامة بين هذه مجتمعة، تلك النواظم التي تجعل منها ما هي عليه، أي “فلسفة”.

*عن الموقع تالرسمي للدكتور طيب تيزيني

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 69 –

السنة 18 – تشرين الأول “اكتوبر” 1997 – جمادى الآخرة 1418