رحل حسين آيت أحمد أحد قادة الثورة الجزائرية بل من رجالاتها الذين آمنوا وبقناعة بمغرب كبير بحجم تاريخه وتضحيات أجياله وشهداء ثوراته. حمل حلم الحركات الوطنية في بلدان هذا المغرب في بناء فضاء مشترك في الجغرافيا متكامل في الإقتصاد ومتقاسم للخيرات الطبيعية ومنسجم في السياسات .
رحل «الدا الحسين « كما يسميه أبناء الجزائر . الرجل الذي حافظ على يده بيضاء نظيفة وهو يعبر الزمن الجزائري أثناء ثورته أو خلال تحولاته منذ نصف قرن بعد الاستقلال . حكم عليه الإستعمار الفرنسي بالإعدام وزجت به سلطات بلده في السجن تمهيدا لإعدامه ودفعته إلى المنفى لقرابة ربع قرن . رفض الحزب الواحد ورفع صوته من أجل تعددية أصوات الجزائر بكل مكوناتها وناضل من أجل دمقرطة النظام والمجتمع .

ولد حسين آيت أحمد في أحد أيام غشت 1926 بتيزي وزو حيث فتح عينيه في عائلة تحصنت بالدين وقيمه لمواجهة الاستعمار الفرنسي الذي بسط هيمنته على هذا البلد المغاربي 132 سنة . ومنذ ريعان شبابه اقتحم العمل السياسي عضوا بحزب الشعب الذي تأسس في سنة 1937 ليتطور انتماءه السياسي في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته ويصبح واحدا من قادة الثورة الجزائرية وأحد زعماء جبهة التحرير الذين حولوا الجزائر إلى صفيح ملتهب تحت أقدام الاستعمار . كان عضواً في المنظمة السرية المسلحة في أربعينيات القرن الماضي.وشارك آيت أحمد في المؤتمر التاريخي لدول عدم الانحياز في باندونغ، وكان من بين القاديين الخمسة، محمد بوضياف وأحمد بن بلة ومحمد خيضر والكاتب مصطفى الأشرف، الذين اختطفتهم السلطات الفرنسية في أكتوبر 1956 على متن طائرة، عندما كانوا متوجهين من المغرب الى تونس ونقلتهم الى سجن في فرنسا، قبل أن يطلق سراحه عقب التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين جبهة التحرير الوطني وفرنسا في مارس 1962.
وحين حصلت البلاد عن استقلالها في سنة 1962 تباينت تصورات بناء مجتمع جديد بعد 140 سنة من الاحتلال الفرنسي ووجد آيت أحمد نفسه مجبرا على مغادرة سفينة الجبهة ليؤسس جبهة القوى الاشتراكية في شتنبر 1963. وكانت جرأة سياسية كبرى في أن يبرز هذا الحزب في ظل نظام سياسي اختار في دستوره الحزب الواحد كخيار . وتعرضت القوى الاشتراكية لاضطهاد ارتفعت وتبرته بعد انقلاب 1965 ومجئء الرئيس هواري بومدين إلى قصر المرادية ولم يجد الرايس آيت من سبيل سوى مغادرة البلاد واختيار سويسرا كمنفى له إلى أن جاءت أحداث أكتوبر 1988 التي أطاحت بالحزب الواحد وخلقت نوعا من الانفراج السياسي .
من منفاه بسويسرا كانت أوضاع الجزائر مثار إهتماماته وحواراته ومبادراته. ففي سنة 1985 أصدر آيت أحمد مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة رفقة عدد من الشخصيات السياسية، نداء الحقوق والحريات، للمطالبة بأن يرفع الحزب الوحيد يده على المشهد السياسي وبإقرار الحريات الأساسية ..
وبعد أحداث أكتوبر 1988 وإقرار دستور جديد يقر بالتعددية عاد إبن ا لقبايل في 1989 الى بلده ، وقاد حزبه ليكون ثالث أكبر قوة سياسية في أول انتخابات بلدية سنة 1990 وبرلمانية تعددية في دجنبر 1991 ، لكن الظروف التي شهدتها الجزائر في سنوات التسعينيات دفعته الى مغادرة البلاد مجدداً. بعد أن عبر عن موقفه السياسي بأنه يرفض انقلاب الجيش على الخيار الشعبي بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات البرلمانية . 
ولأن الجزائر إنزلقت بعد إلغاء نتائج هذه الانتخابات إلى عنف شرس حصد عشرات الالاف من الارواح .ساهم أيت أحمد في كل المبادرات التي هدفت إلى إستعادة السلم لبلد المليون شهيد . فنظم مؤتمر المعارضة في سانت ايجيديو في روما في دجنبر 1994 ويناير 1995 للبحث عن حل للمأساة . لكن جنرالات الجزائر وقتها صموا آذانهم ولم يستجيبوا لأي مبادرة.
وفي 1999 ترشح أيت أحمد للانتخابات الرئاسية أملا في أن تفتح صفحة جديدة تضع البلاد على مسار الدمقرطة , لكن المؤسسة العسكرية إصطفت وراء مرشحها عبد العزيز بوتفليقة الذي جاءت به من مطبخها وعبدت له الطريق إلى قصر المرادية . وأمام وضع كهذا لم يجد زعيم جبهة القوى الاشتراكية من خيار سوى الانسحاب من الانتخابات   مع خمسة مرشحين آخرين احتجاجاً على التزوير.
عرفت الحسين أيت أحمد وأنا مكلف بقضايا المغرب العربي في الجريدة جريدة « الاتحاد الاشتراكي». وتقوت علاقاتي به من خلال فقيدنا العزيز أحمد باهي. وأجريت معه عدة حوارات وحصلت منه على تصريحات بالهاتف . وأذكر واقعة طريفة حصلت لي ذات يوم .إذ اقتنى الأخ محمد البريني وقتها وهو مدير للجريدة، آلة فاكس متعددة الاختصاصات . وفي أول تجربة لنا بها كان إجراء حوار مع آيت أحمد ولحسن حظي كنت أدون عناصر الأجوبة وأنا أستمع إليه معتقدا أن آلة التسجيل الموجودة بالجهاز تسجل حوارنا الذي دام لأزيد من ساعة . لكن عند إعادة الاستماع للشريط وجدت أن لا كلمة واحدة تم تسجيلها مما اضطررت معه إلى الاعتماد على الذاكرة وعلى العناصر المدونة لصياغة حوار كان ضروريا ليطلع من خلاله قراء»الاتحاد الاشتراكي» على تطورات جارتنا الشرقية بعد أحدات أكتوبر. التي هزت الجزائر وفتحتها على خرائط وآفاق جديدة  .
وعرفت آيت أحمد عن قرب عندما كلفتني الجريدة بتغطية انتخابات دجنبر 1991 . زرته في مقر الجبهة بشارع جمعة سويداني وأصر على أن أرافقه كل يوم في حملته الانتخابية . وفعلا قضيت معه خمسة أيام أطوف معه مناطق من الجزائر كانت أبرزها تلك التي زرنا فيها منطقة القبايل . كنا نحضر أكثر من خمسة تجمعات يوميا . يصل حسين آيت أحمد إلى المدينة يزور مقبرة الشهداء بها يضع إكليلا من الزهور ويتجه إلى التجمع ليلقي خطابه ومباشرة نغادر إلى مدينة أخرى. 
وحرصت في كل مرة يحضر فيها زعيم القوى الاشتراكية إلى أحد الأنشطة السياسية أو الفكرية أن ألتقي به . وأذكر أن الأخ أستاذنا سي عبد الرحمان اليوسفي أدرجني كعضو في الوفد الاتحادي الذي استقبل أعضاء جبهة آيت أحمد في جلسة عمل بمقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالرباط لصياغة برنامج عمل مشترك وقدمني كأحد المختصين بقضايا الجزائر والمنطقة المغاربية. 
رحمك لله « الدا الحسين» .عشت مغاربيا وناضلت من أجل مغرب كبير موحد يتسع لكل أبناءه . معارضا كل أشكال التفرقة والتمزق . وسيظل هذا الحلم الذي حملته ثوريا ضد الاستعمار ومناضل أثناء الاستقلال حيا لن تخفت جدوته حتى يتحقق.