من الواضح أن موقف المركزيات النقابية، التي تنتمي للصف الديمقراطي، من مشروع ما تسميه الحكومة ب»إصلاح» التقاعد، ينطلق من هاجس أساسي، لدى كل نقابة أصيلة، هو عدم التراجع عن المكتسبات الاجتماعية، التي حققتها الشغِّيلة، كيفما كانت طبيعتها وحجمها.
ولا يغير من هذا الموقف أن تكون النقابة قريبة أو تابعة لحزب سياسي، يتموقع في الأغلبية أو في المعارضة، فالذي يحكم قرارات النقابات المناضلة، هو مصلحة الشغيلة، لأن مرجعيتها الأولى اجتماعية ونقابية وليست إيديولوجية.
وقد أثبتت التجربة المغربية أن هناك نقابات وقفت ضد الحزب القريبة منه، عندما كان يترأس الحكومة أو يشارك فيها، بالرغم من كل الإشكالات السياسية التي تخلقها هذه الوضعية، لأن الدافع الأساسي كان نقابيا، والمرجعية الأولى كانت اجتماعية.
حصل هذا أثناء فترة حكومة التناوب، وفي الحكومات التي تلتها، قبل تبني الدستور الجديد، حيث كانت المركزيات النقابية لا تهتم، في تصريف مواقفها، بالتبعات السياسية على الأغلبيات القريبة منها، بل كان يهمها مصلحة العاملين والموظفين والمستخدمين، وكانت حريصة ألا يحدث أي تراجع عن أي مكتسب اجتماعي، ولو أدى الأمر إلى اصطدامات مع الحكومات.
ورغم ما يمكن أن يقال عن ارتباط أغلبية هذه النقابات بالأحزاب، أو القرب منها، إلا أنها ظلت على مسافة منها، ولم تتطابق مواقفها كلية مع قراراتها، كما يحصل حاليا مع النقابة التي أسسها الدكتورعبد الكريم الخطيب، والتي تلعب دورا تبريريا، باسم العمل النقابي وباسم الشغيلة، لكل الإجراءات اللاشعبية التي تتخذها حكومة عبد الإله بنكيران.
كلمة الكاتب العام السابق، محمد يتيم، للاتحاد الوطني للشغل، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السادس، لهذه النقابة، تطابق كلية مواقف الحكومة، وتبرر كل قراراتها، حيث وضعت هذه النقابة نفسها امتدادا للجهاز التنفيذي.
إذا كان من المطلوب أن تُراجَعَ علاقة بعض النقابات بالأحزاب السياسية، كما نادى بذلك عدد من الأصوات، سواء في هذه النقابات أو داخل هذه الأحزاب، فإن الظاهرة الخطيرة، التي كشفتها تجربة نقابة حزب العدالة والتنمية، هي قوة الارتباط الإيديولوجي، الذي يصل إلى حد الاندماج والتلاحم، مما يفقد الانتماء النقابي أي مصداقية.
الأمر لا يتعلق بالنقابة وحدها، بل بالحزب أيضا، الذي هو نفسه امتداد لحركة أصولية، تضع على رأس أولوياتها برنامجا إيديولوجيا رجعيا، هذا هو الأصل، أما الباقي فمجرد فروع.

بالفصيــح * تلاحم إيديولوجي * بقلم : يونس مجاهد

          *عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

             الاثنين 28 دجنبر 2015