سبب آخر يجعلني لا أستقبل 2016، إلا بعد أن أطمئن أن السنة 2015 قد استنفدت مخزونها، هو أن كل ما يتقدم نحونا قد بدأ في هذه السنة التي نودعها.
مع 2015 نكون مع زمن نعرفه، بكل ما فيه، ومع 2016نكاد نشبه زوجا تقليديا سلم لوالدته خطبة زوجته المستقبلية، هو يدخل بها بدون أن يكون على سابق معرفة بها..!
فلا شيء يمنع السنة القادمة من أن تكون مثل سابقتها، لكن لن يُغْفر للفاعلين فيها أن يخطئوا اللحظة الانتقالية الأخيرة، التي بدأت “جدولتها”، منذ 2011.
نحن نعيش فعلا المرحلة الزجرية من زمن تجريبية كبيرة في تاريخ المغرب المعاصر، تختم مخاضا شرسا، استعملت فيه كل المخططات (بما فيها المخططات المشروعة)، لكي تكون للبلاد مرافئ أخرى.
وفي الأخير نجحت التجربة، واستقر المغرب في سلاسته النظامية، سياسيا واقتراعيا، واستكملت المرحلة فترتها، عبر استكمال الجهاز الحكومي سنته التي منحها إياه الاقتراع.. في نونبر 2011.
فلا شيء أخرج المغرب عن السكة التي اختارها منذ 1998، وزاغ عنها في 2002، ثم استعادها بقوة الحراك الاجتماعي والشرط الاقليمي وحيوية الفعل الوطني الداخلي، واستعمال السيادة في تحصين التجربة الذاتية من دخولها الى النفق الاستراتيجي الذي دخلته الدول الاخرى ، التي وجدت نفسها، في بداية الحراك ملزمة بأجندة عنيفة في إيجاد الحلول.
2015، ؛كانت سنة الزمنين، زمن ما قبل 4 شتنبر، عندما كانت الصراعات تقوم على قاعدة معارضة تنسق مواقفها من زاوية الصراع الحاد مع الحكومة، وهذه الاخيرة تحدد مزاجها بناء على أجندة الحزب الأول فيها، الباحث عن استقرار في مربع السلطة، وتطبيع الوجود، ولو بتعليق الدستور.
كانت السياسة مرة أخري سببا في تعطيل الدستور، لأن السياسة كانت محكومة ب”هضم” الفاعل الجديد.
ثم حصل انفصال البحر عن مدن الرماد، بلغة محمود درويش، وكانت النتيجة التي أرادها الشارع للحزب الأول.
نسجل ما يلي:
استطاع الحزب الأول أن يحول الاقتراع الى اقتراع سياسي تدبيري لتعزيز استمراريته، وعلى عكس ما تفترضه الانتخابات المحلية (جماعية وتشريعية وجهوية) فقد كان الجانب الوطني هو الطاغي. وتم تجديد الصك السياسي لنونبر 2011 لحزب العدالة والتنمية، ليكون بذلك تجديدا بمضمون وطني يتجاوز المحلي والجهوي.
– بدا أن “صمود” الحكومة، وحزبها الأول قد عزز من العمل وسط الاغلبية، وبالرغم من التصدعات التي شاهدناها، فقد استمر التحالف. ومنذ خروج حزب الاستقلال، وهو الخروج الوحيد الذي كان له معنى في ما يخص سير الحكومة وانسجام أغلبيتها، لم تحدث سوى نتوءات بسيطة في الاغلبية الحكومية( القوانين المالية كلها حظيت بالأغلبية الواجبة، والمشاريع والقوانين نفسها حققت صمام الأمان العددي المطلوب للأغلبية)،
– التوترات التي حدثت، من داخل الحكومة، من ذلك الوقت لم يكن لها معنى خاص بالتجربة الحكومية نفسها: فلأول مرة يتم الخلاف بين وزير غير منتم ظاهريا، هو عبد العزيز أخنوش مع رئيس الحكومة حول صندوق التنمية القروية، ثم مع وزير آخر من نفس الضفة هو بلمختار.
وقد بلغ الخلاف أن بنكيران توجه الى وزير التربية الوطنية بكلام لا يبدو أنه هو متلقيه الرسمي، بقدر ما يتوجه الى المحتضن الرسمي له.
لنرسم الحكاية من أولها:
قال بلمختار في مارس 2014، أي منذ قرابة سنة و10 أشهر ما يلي، للإجابة عن استفسارات النواب حول برنامج “مسار”، إن “صاحب الجلالة أعطاني مهمة، ودخلت لهذه الحكومة بهدف القيام بمهمتي”، معلنا “أنا لا يهمني أن أنجح أو أخفق، بقدر ما يهمني أداء المهمة التي أوكلت إلي “.
وهو يعني في ما يعنيه، أنه في الوزارة بالرغم من رئيسها.
وبعدها خاطبه رئيسه، بكلام يفوق المناسبة- وهي النقاش حول فرنسة الباكالوريا- على الهواء “جلالة الملك عينّي أنا ماشي بلمختار وكون بغا يختار بلمختار كون اختارو. راه تيعرفو قبل مني ، ولهذا سيفطت رسالة بلمختار قلت له هديك المسألة ديال التعريب خليها علينا الله يخليك”.
لقد كان واضحا أن كلام رئيس الحكومة يمر فوق رأس بلمختار الى من يعتبرهم صناع التحكم :هل يمكن أن يعتقد بنكيران أن بلمختار يمكن أن يكون رئيس حكومة بعد دستور 2011 اللهم إلا اذا كان يعتقد بأن من الممكن اختراق المنهجية الديمقراطية دستوريا؟
أم أراد أن يواصل معركته الناجحة ضد التحكم، والتي خاضها بداية ضد جزء من المعارضة ، في انتخابات 4 شتنبر ثم نقلها في ما بعد الى قلب الحكومة؟.
يبدو أن هذا منحنى لا يغفله التحليل عند الحديث في سنة 2015.
– صمود بنكيران أو ترتيبات بقائه ، من هذه الزاوية نقلت التصدع من الاغلبية الى .. المعارضة، التي سعى المكون التاريخي فيها الى إعادة تقييم الموقف(تقدير موقف بلغة المشارقة) على ضوء ما حدث في الجهات.
من المحقق أن المعارضة ليست مطالبة بمواقف وانسجام إسمنتي، لأنها لا تتخذ قرارات لها انعكاس على الحياة العامة ولا تتدخل في السير العام للقرارات الاقتصادية أو المؤسساتية أو غيرها إلا بمستوى محدود يقل بكثير عن الأغلبية، لكن كان واضحا أيضا أن زاوية المقاربة اختلفت في نهاية المرحلة الانتقالية، سياسيا ودستوريا عما سبق، ولا شك أن ذلك سيحدد بعضا من السياسة القادمة في 2016.
+كانت السنة اجتماعية بامتياز: كان الوجه الأخر للتوتر ، على الساحة الاجتماعية ، كانت سنة للمظاهرات والمسيرات واللعنة القديمة للعصي، وكانت سنة الملفات الحارقة(المقاصة والتقاعد).
وكان واضحا أننا في طور تدبير آخر من الانتقال ، انتقال اجتماعي لنموذج مغربي في تدبير العلاقة مع القضايا العالقة لعقود.
وواضح جدا أن المسار الذاهب نحو تفكيك النموذج المغربي القادم، مسار لا غبار عليه، وسيشمل الصحة والتعليم وغيره.
ويمكن أن نستند في ذلك الى التعاقد السياسي بين مؤسسات القرار المالي والاقتصادي للحكومة الحالية، وكما جربته لحد الآن هو استمرار التجربة الحالية بناء على قاعدة اقتصاد السوق وتفكيك الدولة الراعية . فهل ستثبت الانتخابات القادمة 2016هذا المنحى؟
هذا حديث آخر.
في الجانب السياسي مازالت قواعد اللعبة لم تستقر نهائيا، فبالرغم من نصف قرن من التجربة الانتخابية، فإن المغرب لم يضع قواعد لعب انتخابية نهائية وثابتة لمدة أطول، بحيث أن النقاش حول الموضوع يعود باستمرار، وفي كل اقتراع، مع ما يستوجب ذلك من “توازنات” ومن مقايضات أحيانا معلنة للقبول بالصيغة المطروحة.
وهو ما أصبح يعني أيضا وضع قواعد لعب للحوار السياسي في البلاد حول موضوعات الاجندة الانتخابية بعيدا عن منطقها القديم (ولا حاجة للعودة الى أعطابه).
لكن المهم هو أن البناء المؤسساتي الكفيل بتغيير طبيعة الدولة، وإعادة بنائها على فلسفة خطاب 9 مارس ودستور 1 يوليوز وإقرار الجهوية المتقدمة ..الخ مالم يستفد من المراحل النهائية للمرحلة الانتقالية الذي انطلقت منذ 2011.
ويبدو أن النظام السياسي المتولد عن دستور المرحلة التأسيسية الحالية هو نظام كبيس، بمعنى أنه يفوق السنة السياسية البسيطة.
فهو نظام سياسي انضاف إليه فاعل جديد، زاد من الرزنامة السياسية السابقة، بحيث كان هذا الفاعل حاسما في إعادة تدبير الاقتراعات، وإعادة قراءة التحالفات، وإعادة بناء المقولات السياسية المؤطرة للعمل المدني.