ما الذي يمكن فهمه من الحملة المتواترة هذه الأيام على الحركة البوتشيشية بالمغرب؟ هل هو انطلاق مبكر للحملة الانتخابية عند البعض، غايته محاولة اللعب على بعض من ركائز الأمن العام للمغاربة، عبر محاولة الحفر مجددا، ضمن خطة قديمة، تتجدد بأوجه متعددة، عند كل محطة سياسية بالمغرب، الحفر في المسافة بين ما يمكن وصفه ب “الإسلام التعبدي” مغربيا ورهان عائلات أخرى على ركوب موجة “الإسلام السياسي” بحسابات مشرقية؟
إن من يحاول ذلك، اليوم، إنما يحاول الالتفاف على قرار الدولة المغربية، عبر إمارة المؤمنين الراسخة، لفصل الدين عن السياسة. وإذا كان مفهوما، أن ينخرط البعض من أهل حركة التوحيد والإصلاح ومن مسؤولي حزب العدالة والتنمية، في استراتيجية التدافع السياسي في أفق الانتخابات التشريعية القادمة في بحر هذه السنة، فإن ما يقلق جديا، هو عدم استحضارهم لعلو المصلحة الوطنية على الحساب الحزبي، بدليل محاولتهم فتح جبهة نقاش جديدة، ضد بعض من عناوين “الإسلام التعبدي” السلمي، التربوي، مغربيا، من مثل الحركة البوتشيشية، القوية ليس فقط بعدد أتباعها مغربيا بل بدورها التربوي التأطيري خارج المغرب، سواء في عمقنا الإفريقي أو في الامتداد الأوروبي والأمريكي والآسيوي. ليطرح السؤال الأكبر والأخطر، جديا، بروح وطنية صرفة، من له مصلحة في ضرب مؤسسة تربوية مماثلة أو التشويش على دورها وعملها؟ ألا يلتقي ذلك طبيعيا، مع خصوم المغرب ومنافسيه كقوة إقليمية وكقوة رمزية وازنة ضمن الفضاء الإسلامي؟
نعم، يحق لنا القلق جديا، حين يفقد البعض بوصلة التمييز بين الغاية الحزبية في معناها الضيق، وبين المصلحة الوطنية العليا لكل المغاربة. ونحن لا نعتبر الاستهداف المتواتر لحركة مثل الحركة البوتشيشية، عملا غير مندرج ضمن مخطط متشابك الخيوط، يستهدف قوة الورقة المغربية، في مجال حيوي، مطلوب عالميا، مثل مجال الإصلاح الديني.
وهذه المحاولات، التي تهدف إلى اختراق الاستراتيجية الوطنية المغربية، في مجال الوحدة الروحية للمدرسة الفقهية والتعبدية المغربية، لا تخدم سوى توجهات معلومة عربيا وإسلاميا، لا يمكن أن تنطلي تقنيات اشتغالها على فطنة المغاربة.
واللحظة الجديدة اليوم، هي امتحان لا يعني فقط ذكاء من انخرط في هذه الحملة الجديدة، بل يعني في المقام الأول مدى اصطفافهم ضمن المصلحة الوطنية العليا للمغاربة، من عدمه.
لنحذر عاليا هذا اللعب السياسوي في ملفات حيوية مماثلة. وعلى رئيس الحكومة وزعيم حزب العدالة والتنمية، تقع مسؤولية الحسم في الوضوح، ضمن هذا الملف، لأن من انخرطوا في تلك الاستراتيجية الهجومية على ملمح من ملامح الإسلام التعبدي المغربي، ليسوا مجرد أفراد معزولين، بل مسؤولون ضمن الهرمية الحزبية لرئيس الحكومة. والأمر لا يتطلب هنا فقط، الوضوح الإيديولوجي، بل الوضوح الوطني، لأن السقف المستهدف هو سقفنا الجماعي المغربي في هويته الروحية، وفي استراتيجيته الإصلاحية الدينية، التي هم، كمواطنين مغاربة، جزء منها، أي أن كل تدمير لقوة هذا البنيان المغربي، هو تدمير لهم أيضا كمغاربة.
إن التدافع الانتخابي، ونحن في سنة انتخابية غير عادية وصعبة وحاسمة، لا يجب أن يجعل البعض يصاب بالعمى الإيديولوجي الذي يكون على حساب وحدة الأمة المغربية روحيا وهوياتيا.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •      الثلاثاء 5 يناير 2015