تفرض علينا التطورات المقلقة بالعالم الإسلامي، منذ تنفيذ المملكة العربية السعودية لحكم الإعدام على 47 شخصا ممن صدرت في حقهم أحكام قضائية بالرياض، ضمنهم الداعية السعودي نمر النمر، أن نعود لتوضيح عدد من المسلمات، التي يخشى أن التفريط فيها، سيقود المشرق العربي كله صوب المجهول. ولعل أخطر نتائج ذلك، مخطط إغراق دول المنطقة في تدويل مشاكلها، مما سيقوض دولا بكاملها، ويقود نحو فتنة -لا قدر الله- لن تُبقي ولن تدَر.
إن من أخطر مداخل ذلك، اليوم، هي محاولة جر أبناء الإسلام، إلى المنطق الطائفي، الذي جرف منذ قرون الآلاف، في حروب عبثية ذات غلاف ديني، فهِم الجميع بعد ذلك، أنها كانت حروب مصالح فئوية وسياسية لا غير. بالتالي، فإن من يروّج أن الصراع اليوم، هو بين الشيعة والسنة، إنما يقودنا -جميعا- إلى التهلُكة، ويحاول فتح باب جهنم على المسلمين، كلِّ المسلمين. ومنطق الذود عن بِيضة الجماعة -كما يعلمنا فقهاؤنا الأجلاء- يقتضي تذكير بعضنا البعض، بأن التدافع المصالحي بين مطامح الدول كقُوى إقليمية جديدة بالمشرق العربي، لا يجب -بأي حال من الأحوال- أن يخرج عن منطق السياسة وينزلق إلى المنطق الطائفي، المغلف ظلما بالدين.
هنا، ممكن للمغرب والمغاربة، أن يلعبوا دورا مهما كوسيط إيجابي، في تطورات الأزمة الجديدة بمشرق العالم الإسلامي ومشرق العالم العربي، تأسيساً هذه المرة، على خبرته المجرّبة في بلورة أسئلة جريئة في مجال الحوار بين الطوائف والأديان، والذي يضع المسافة كبيرة بين الخلاف السياسي وبين الخلاف المذهبي.
ولعل فرصة انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة، بطلب من السعودية،هو الفرصة لينتصر منطق العقل والرصانة، لابتكار مواقف، تدافع نعم عن حقوق المجموعة العربية، ضمن ما يعتمل من تطورات مصلحية، ذات أبعاد دولية وعالمية، من اللاذقية حتى مضيق هرمز، ومن الموصل حتى باب المندب. لكن عليها أن تدافع أكثر على خيار عدم الانجرار وراء الوقوع في جهنم المواجهات الطائفية بين الشيعة والسنة. فالمعركة الحقيقية، لا يجب أن تكون معركة بين المسلمين، بل معركة من أجل المسلمين، ضمن منطق التحولات العالمية الجديدة.
إن الواقع الذي لا يرتفع، هو أن لطهران مطامح إقليمية، لكن المصلحة تقتضي أن لا يكون ذلك على حساب جيرانها العرب، بل يجب الارتكان إلى منطق السياسة، عبر القنوات الديبلوماسية، لإيجاد أرضية توافُق تنظم المصالح بين الجميع. أما أن ينخرط الكل هناك، ضمن منطق الصراع الطائفي، فإن ذلك،يعتبر جريمة في حق أبناء المسلمين كافة أمام حقهم في مستقبل آمن، متقدم، منصف وعادل. وهنا، مهم استعادة مبادرات كانت جريئة في زمنها، من قبيل تلك التي كان قد أعلنها باسم المغرب الملك الراحل الحسن الثاني، لتنظيم آلية للحوار بين المذاهب والطوائف الإسلامية، خاصة دعوته للجلوس إلى طاولة الحوار بين السنة والشيعة، انتصارا للمستقبل، لا عودة إلى أزمات الماضي بكل ما خلفته من جروح وندوب وكوارث.
إن التحدي الأكبر اليوم، جديا، في عالمنا العربي والإسلامي، هو تحدي الانتصار لمنطق الحكمة والتعقل، لمنطق الدولة، ذاك الذي يفرض على كل صاحب قرار سياسي أن يكون منتصرا للمصلحة المشتركة ولإعلاء الإيجابي في العلائق، لا ذاك الذي ينزع بسرعة نحو ردود الفعل ذات العواقب الكارثية. لنقلها بكل الصراحة الكاملة، إن ما يحدث في المشرق العربي صراع مصالح، وصراع نفوذ، طبيعي بين قوى إقليمية جديدة، وهو يستوجب حلا سياسيا، لا حلا طائفيا.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

     الخميس 7 يناير 2015