تارودانت *مصطفى المتوكل

مدخل منهجي .. لن اتحدث عن الموقف من “الاعدام ”  …

لكن لنا ان نتساءل هل من حق  من ينفذون احكام الاعدام في بلدانهم  ان يتصدوا لادانة من يطبقها في بلدان اخرى   …؟؟

ان الحديث عن الاعدام هو حديث عن الحق في الحياة ..وحديث عن “شرعية” اعتماده او عدم العمل به  كعقوبة بسند ومرجع ديني او وضعي او هما معا ؟

وهل باعتباره شرع لحماية حياة الاخرين يحتاج الى تقعيد وضبط  ليكون  تنفيذه كحكم ام عدم تنفيذه لايخضع لمزاج من يحكم او من يريد الغاء عقوبة دون وضع الية لمعاقبة من يعتدي على حق الاخرين في الحياة  ..وخاصة عندما يكون القاتل محترفا للارهاب ويتعمد قتل الناس بالجملة للوصول الى اهدافه .. ويقتل كل من يخالفه الراي والسياسة  ان استولى على الحكم والسلطة لانه ببساطة يلغي كل مظاهر الاختلاف الفكرية والعقدية والمجتمعية و..ويحتفظ بما يراه هو او حاشيته ومن معه ..؟

فالاعدام / القتل  يكون  في الكثير من الحالات بالطرق التي تسجل بين الفينة والاخرى  باغتيال المعارضين  المباشر.. او بصنع مبرر حادثة سير او انتحار او حتى سكتة قلبية …او اثارة النعرات القبلية والعصبية المذهبية وتوظيف الاختلاف والتنوع ليتحول  الى مجازر تذهب بالعديد من ارواح المتصارعين الذين ياتمرون باوامر قياداتهم ايا كان تصنيفهم او توجههم فييتموا الاسر ويخربوا البيوت ويزعزعوا الاستقرار ويتلفوا الاموال ..

ان  احكام  وسياسات الاعدام  الاخطر هي التي تطال الجوانب المعنوية والفكرية والتاريخية والاجتماعية  من حياة الناس …وتكون احيانا بالقمع الشرس الذي لايرحم من خرج للشوارع للمطالبة برفع الظلم والقهر والحيف وحماية الحقوق والحريات وارساء عدالة اقتصادية واجتماعية وضمان العيش الكريم …فما يتعرض له الشعب الفلسطيني يوميا ولعقود هو  اخطر انواع الاعدام …وما يتعرض له المسلمون في نياننمار من  اعدامات جهنمية لايمكن السكوت عنها …وما يحصل بين اطراف الصراع في اليمن وسوريا على سبيل المثال  بدعم وتمويل ومساندة حتى بالمقاتلين من دول تدعي  احيانا ان صراعها مذهبي حق لازهاق مذهب باطل   بالقتل المتبادل للافراد والجماعات دون تمييز بين الصغار والنساء والشيوخ العزل وحاملي السلاح …؟

ان بعض الدول المتعصبة لنظام حكمها ولمذهبها بالشرق الاسلامي تتعامل مع القوى الحية التقدمية والوطنية والهيئات التي تعتمد الفكر الحداثي  والمذهب المخالف للمذهب الرسمي للحكام .. بالقمع و التعسف تحت غطاء  مغلوط ومشوه لقيم العدل  والعدالة  مصحوبا قبل ذلك واثناءه وبعده بزجر وتضييق واستفزاز  واعتقالات وتعذيب واعداد ملفات تهيئ لاصدار احكام بما فيها الاعدام بتهم  من مثل ..مخالفة الحاكم..وعدم طاعة اولي الامر ..واثارة الفتن..و التبعية للاجنبي بما فيه المسلم المعتنق لغير المذهب المعتمد رسميا   …هذا وما يشبهه يذكرنا بما كانت تقوم به الديكتاتوريات بالعالم الذي يسمى متخلفا باقريقيا واسيا وامريكا اللاتينية  وحتى اوروبا من امثال  انظمة الحكم / المتسلط  المستبد  /النازي /الفاشي /الصهيوني/ …من قتل بكل الطرق وحتى بدون محاكمات بشكل فردي واحيانا جماعي لكل مخالف لمن يحكم …

لكل هؤلاء يجب ان نقول.. تعقلوا وقوموا بالافضل والاحسن لفائدة الانسانية ومنها شعوبكم …والافضل عند الله والانبياء والرسل والصالحين والخيرين هو العدل والحرية والكرامة …

ان شياطين الانس والجن هدفهم معلوم وواضح في جميع المعتقدات …فشياطين الانس يزرعون البغضاء والكراهية ويشككون الناس في قدراتهم ويحرضون الجهلة وعديمي المعرفة والخبرة والتجربة والعلم لافشال كل المبادرات الطيبة الناضجة والمتعقلة والتي تجلب معها الخير  ..ومن  ابرز هؤلاء في التاريخ  مسيلمة الكذاب وبوحمارة ومن على شاكلتهما.. لايهنا لهم بال الا اذا زاغ الجميع عن المحجة السليمة قلبا وفكرا وعملا …اما شياطين الجن فقد اقسم قائدهم ابليس على ان يترصد لكل بني ادم في سرهم وعلانيتهم وفي كل مجالات عيشهم حتى يفسد كل ما هو جميل في الانسان بالفطرة ويفسد كل قيم مكارم الاخلاق …

قال تعالى .. (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ..)سورة الانعام 

وقال تعالى (…قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)سورة ص

فاذا كان لكل نبي اعداء ..فكيف بـمن هم دون الانبياء من الصلحاء والخيرين امثال ابو ذر الغفاري وعمر بن عبد العزيز و…وامثال المفكرين وعلماء التنوير والتطور عبر العصور كانوا بمجتمعاتنا او بالمجتمعات الاخرى شرقا وغربا شمالا وجنوبا … ان الله  نشر الرحمة والارزاق في الوجود لكل مخلوقاته وخاصة الانسان دون تمييز   …لهذا وجد المسلمون الاوائل  الرحمة والسند  في المسيحيين بالحبشة وغير المسلمين ببعض قبائل المدينة والجزيرة العربية الذين فتح الله قلوبهم وارواحهم وعقولهم  ليستمعوا ويتعرفوا على الدين الجديد الذي خاطبهم وحاورهم بالعقل والقلب والصفاء الروحي وباللتي هي احسن ..

ان البعض يحترف ويتفنن في التاويل المغلوط والتعصب للراي لدرجة الافتراء  على الله ورسله ليضللوا بفعلهم ذاك الناس.. وكأنهم يوهمون انفسهم والناس بان  النبي على مذهب ائمة  الشيعة او على مذهب احد ائمة السنة ..ورتبوا على فهمهم التعسفي ذاك ..  ان  كل من خالف بعض  اراء  واجتهادات وتاويلات مذاهب اهل السنة  فقد خالف النبي وخالف الله  ليبيحوا  ويفتحوا بذلك باب التكفير ويرخصون للقتال والقتل …؟ ..او ان  خالف مذاهب الشيعة فقد خالف النبي وعصى الله فيجوز  تكفيره وقتاله وقتله …؟

 ..انهم مع كامل الاسف بتطاول الغلاة منهم يغرسون ويزرعون  افكارا وسياسات  سامة وقاتلة لها تاثير اشجار الزقوم  التي جعلها الله من طعام ساكنة جهنم فوصفها  تعالى ب :” إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعَامُ الأَثِيمِ *كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ” سورة الدخان.

ان القتل كيفما كان مبرره وخاصة اذاكانت خلفياته سياسية مشبعة بعصبية مقيتة ومذهبية منغلقة متزمتة ..واذا كان منهجا معتمدا لاستمرار راي ضد الراي الاخر ..يجب ان يوضع له حد ..وان يتداعى الجميع الى لغة العقل والاحترام المتبادل للمبادئ الانسانية المشتركة والرجوع لروح الاسلام وشرع الله الذي جعل الحياة مقدسة ..ان كل من يمارس القتل والتقتيل باسم الاسلام انما  يقتل ويعدم يوميا نظرة ومحبة الاخرين لديننا ويحرم العديد من الناس من نور الاسلام بسبب الارهاب والترهيب الذي يخلف وراءه اثارا وجراحا والاما الله اعلم متى سنتجاوز انعكاساتها ومخاطرها …

قال  تعالى: (( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )) . النساء .

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ».

لهذا نقول لكل هؤلاء من كان متحدثا او ممارسا لاية مسؤولية بالحكم وغيره فليقل وليعمل خيرا او ليصمت ..وننصحهم بان يكفوا السنتهم  وايديهم عن الناس والشعوب …فنبينا صلى الله عليه وسلم  بعث ليتمم مكارم الاخلاق ولا علاقة له بما تصنعون وتدعون وتقولون …وحسبنا الله ونعم الوكيل …

*الاربعاء 6 يناير 2015