مواقف عبد الرحيم …. : لنا في هذه البلاد رسالة ينبغي أن نؤديها على أحسن وجه ..

 بقلم :منير الشرقي

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

 

أبى عبد الرحيم و هو في ذروة المرض إلا أن يترأس أشغال اللجنة المركزية للحزب يوم 2 نونبر 1991.. كان لكلمته طعم الوصية الأخيرة . قال عبد الرحيم « إن فرض مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان يتطلب الصبر.. فنحن لنا في هذه البلاد رسالة نريد أن نؤديها على أحسن وجه ، وأن نمهد الطريق للأجيال الصاعدة.. إننا نشعر بالاطمئنان على ما قمنا به من أجل الوطن ، وإن كان ليس هو الكمال ومع ذلك نعتبر بأن ما أسديناه من عمل متواضع يتجه إلى الشعب وإلى المصلحة العامة .»
العديد من المناضلين الحاضرين في اجتماع اللجنة المركزية كفكفوا دموعهم لحظتها ، و قد فهم الجميع أن الرجل ، و بعزم الكبار، قرر الرحيل وترك في عهدتهم مواصلة المسير…
حدث ذلك بعد شهر من تقديم المذكرة المشتركة لتعديل الدستور بين الاتحاد الاشتراكي و حزب الاستقلال ، و سيجل الأكاديميون والمؤرخون – لا محالة – لعبد الرحيم أنه عبد الطريق لتوحيد المسيرة النضالية مع حزب الاستقلال وباقي القوى التقدمية في هذا البلد ، توجت هذه الإرادة بتقديم المذكرة المشتركة للراحل الملك الحسن الثاني خلال شهر أكتوبر 1991 ، مشيرين في ديباجتها إلى قصور الممارسة الدستورية التي تعتري سير المؤسسات مع أنها مطالبة بالاضطلاع بدورها كاملا شأنها في ذلك شأن نظيراتها في الأقطار الديمقراطية …
تستحضرني اليوم مواقف عبد الرحيم الرفيعة ، أريحيته وانخراطه الطوعي في كل المبادرات الجادة ذات البعد الحقوقي والمبدئي ، والتي جعلت من عبد الرحيم « فريد زمانه « فقد كانت أيام الجمر في عز لهيبها .. اعتقالات واختطافات بالجملة شهر مارس 1973 ، محمد الوديع الآسفي ومحمد منصور يأخذان المبادرة بعد أن نالا نصيبهما من هذه المحنة ، فقررا الاتصال بعبد الرحيم لجمع الدعم لعائلات المعتقلين والمختطفين ، ثمن عبد الرحيم الخطوة ، وقدم لهما شيكا موقع على بياض وطلب منهما ألا يتعدى المبلغ مليون سنتيم ، وهو الرصيد الموجود بحسابه …لنا أن نتمعن جيدا رمزية هذه الأريحية الرفيعة …. هو ذا عبد الرحيم الذي اختار الزهد أسلوبا في الحياة ، وكيف لا وهو الذي رفض بطاقة المقاومة وما يجنى منها معتبرا المقاومين الحقيقيين هم من حملوا السلاح واستشهدوا في ساحة الشرف ….
هكذا كان عبد الرحيم حريصا على الحضور المادي والمعنوي في كل المحن كالمؤمن الواثق بعدالة قضيته ، فالرجل لم يتردد – كعادته دائما في الحديث بصوت مرتفع من أجل تصريف الموقف السياسي الصريح « فقد صدح في محاكمة منفذي جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون : « إن المحاكمة التي تطلبون منا حضورها في هذه الظروف لا يمكن أن تكون إلا محاكمة صورية… وإذا كان من المحتمل أنكم ستحاكمون فقط ، بمقتضى القرار الذي ستصدرونه ، منفذي الجريمة الشنعاء التي تعرض لها الشهيد عمر بن جلون ، فإن من المؤكد أنكم لن تحاكموا المدبرين الحقيقيين لهذه الجريمة…إن المحاكمة الحقيقية ستجري في وقت آخر ، وسنلتقي يومئذ بالمسؤولين عن ارتكابها ..».
هي ذات الصرخة كذلك حين خاطب عبد الرحيم محاكميه مؤكدا على الوطن فوق الجميع الوطن « رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه « كانت المناسبة اعتقاله يوم 7 شتنبر 1981 رفقة أعضاء من المكتب السياسي على هامش موقف الحزب من قبول الحكومة لقرار مؤتمر نيروبي بإجراء الاستفتاء بالصحراء المغربية بدون قيد أو شرط …
اليوم وفي ظل تحولات قيمية و سوسيولوجية مست الفعل السياسي في نبله و أهدافه الرفيعة ، نستشعر الحاجة إلى عبد الرحيم ، أو على الأقل إلى إعادة قراءة و صيته الأخيرة …
رحمه الله عبد الرحيم …

(*) نص وصية الزعيم الوطني والسياسي الكبير سي عبد الرحيم بوعبيد …

((    إخواني أخواتي..

إني لجد معتز لما وجدته لديكم من تعاطف ومن تتبع لحالتي الصحية، وهذا من العوامل التي تجعلني شخصيا وبشريا وإنسانيا أشعر بقوة معنويتي، أقول بهذا الاعتزاز، الاعتزاز الذي يزيد من معنويتي لمقاومة الداء الذي أراد الله أن أصاب به لذلك، الإخوان الذين كانت لي الفرصة للقاء بهم أو الإخوان الذين سألوا عني، وتعففوا في ما يرجع لزيارتي مباشرة، إليهم وإلى جميع المناضلين في الاتحاد الاشتراكي، كانوا في القواعد أو كانوا في قيادة الحزب، أقدم تشكراتي واعتزازي بهذا الالتفات الأخوي الذي يجعل أننا حزبا ليس كالأحزاب، ولكنه حزب كعائلة واحدة، عائلة واحدة تمتد الى عائلات أخرى تتجدد وتتوسع دائرتها، وأنا على يقين بأن المهام التي رسمناها لأنفسنا، إما في الدفاع عن حوزة بلادنا أو في عمل الإصلاح الجذري، ما يحتاج إلى الإصلاح الجذري وما يمكن إصلاحه جذريا في بلادنا، إن هذه المهام هي قدرنا لتكون الديمقراطية ومبادئها دائما نصب أعين المناضلين صباح مساء، حتى تفرض مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، أنتم تعلمون، وكلنا يجب أن نعلم، أن الاضطلاع بهذه المهام يتطلب منا الصبر، لأن الأمر ليس سهلا، كما يتصور البعض، بل يحتاج كفاحنا إلى مزيد من التبصر وبعد النظر، وإلى شعور دائم بأن لنا في هذه البلاد رسالة نريد أن نؤديها على أحسن وجه وأن نمهد الطريق للأجيال الصاعدة…

إخواني، أخواتي..

تعرفون جميعا أن الظروف الدولية والعربية والاسلامية انقلبت رأسا على عقب، ولا تفيدنا الأخبار وحدها، فمن السهل أن يقول البعض إن التاريخ قال كلمته وانتهى الأمر، ولكني أعتقد أن التاريخ قال كلمته في مرحلة من المراحل، وسيظل يقول كلمته في مراحل متوالية من الوجود البشري، ومهمتنا تقتضي منا الشعور بخطورة واجبنا نحو هذا الشعب وبقداسة رسالتنا التاريخية التي لا تنحصر في المغرب وشعب المغرب، الشعب الذي ما انفك يطور نظرته إلى الأشياء منذ حصولنا على الاستقلال، وهذا التطور سيزيد في المستقبل، بل إن رسالتنا يمتد مداها إلى كل المغرب العربي وكل الوطن العربي والعالم الاسلامي. فالمواجهات بدأت ولن تتوقف وقد تبقى معطيات الصراع على ما كانت عليه وقد تكتسي أشكالا أخرى، ويبقى المهم أن لنا رصيدا يؤهلنا إلى تجديد النظرة الى العالم المحيط بنا ونظرتنا إلى علاقتنا مع العالم. لذلك أيها الإخوة، هذه المهمة الشريفة التي أخذنا على عاتقنا إلا أن نقوم بها، خدمة للبلاد، خدمة للحقيقة، خدمة للإنسانية والديمقراطية، خدمة للعدالة الاجتماعية، هذه المهمة التي امتحننا جميعنا سواء في القواعد أو في القيادة من أجلها، هذه المهمة مازالت على عاتقنا ولابد لنا من أن نخوض المعركة ونخوض المعركة، معركة المستقبل، يعني معركة الأمل في انتصار الشعب في النهاية. لذلك إخواني، أخواتي، كنت معكم، أو قدرت الظروف ألا أكون معكم، فإننا نشعر جميعا باطمئنان على أن ما أسديناه من أجل الوطن ليس هو الكمال، ولكن أن الذي أسديناه خرج من صميم الفؤاد، طاهرا، نقيا، يريد خدمة الشعب والأمة والمصلحة العامة. أريد أن تبقى هذه المهام دائما نصب أعيننا ولنا في جدول أعمال اليوم ما يكفي للعمل على السير في الطريق الذي رسمه إخوتنا في مسيرة النضال التي لا تتوقف أبدا، وهذا هو قدرنا في هذا الحزب. ومرة أخرى أشكركم، وأتمنى أن نبقى مدى الحياة على العهد، وسنبقى كذلك..

والسلام عليكم..  ))

عبد الرحيم بوعبيد