خلال السنوات الأربع الماضية ، كرست الحكومة مقاربة جديدة في معالجة الملفات الكبرى، مقاربة أشبه ما تكون بسياسة النعامة حين تدس رأسها في الرمال وتعتقد أن «كل شئ بخير» . والحال أن الحصيلة الحكومية متواضعة على جميع الأصعدة ،وخصوصا الاقتصادية منها والاجتماعية ، حيث تباطأ النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة، وارتفعت نسبة البطالة وحطمت المديونية العمومية أرقاما قياسية، وتزايد عدد الفقراء بارتفاع تكاليف المعيشة، و بفعل الزيادة في أسعار العديد من المواد الأساسية، ضعفت القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع، لاسيما الطبقة الوسطى. .
ما زالت الحكومة تعتقد أنها حققت فعلا نصرا مبينا حين وضعت روتوشاتها كيفما اتفق على بعض الملفات الشائكة، غير أن ما تراه الحكومة جرأة وسبقا في ما تسميه «إصلاح المقاصة» أو «إصلاح التقاعد» لا يعدو أن يكون في الواقع «استقالة» للدولة من القيام بوظائفها الرئيسية المتمثلة أساسا في حفظ الاستقرار و التماسك الاجتماعي.
أي مجهود بذلته الحكومة حين قررت رفع الدعم عن المحروقات والمواد الأساسية، سوى كونها تركت المغاربة تحت رحمة تقلبات «السوق الحرة « . ولعل إجراء كهذا ما كان ممكنا لو لم يصادف نزولا قياسيا لأسعار النفط في السوق الدولي، ولنا أن نتصور كلفة المعيشة حال عودة الأسعار إلى الارتفاع..
وأي اجتهاد في الوصفة التي جاءت بها الحكومة في ملف التقاعد، سوى أنها حملت الأجير وحده التكاليف المادية للإصلاح ، كما لو أن الدولة التي ظلت لسنوات عديدة «تبتلع» احتياطات المنخرطين وتحجم عن أداء واجباتها كمشغل، ليست معنية بالاختلالات المالية التي أوصلت الصندوق المغربي للتقاعد إلى مشارف الإفلاس، والحال أن أي إصلاح شمولي كان يقتضي قبل كل شئ أن تضع الدولة يدها في جيبها و تخرج جزءا من تكاليف الإصلاح ، على شاكلة ما تفعله مع باقي المؤسسات العمومية المعسِرة التي لا تتأخر الدولة عن ضخ الملايير في ميزانيتها حين يتطلب الأمر ذلك..
ونحن على مقربة من المحطة الأخيرة “التيرمينوس” ، ماانفكت الحكومة تتنصل من التزامات عديدة وضعت على عاتقها وعلى رأسها تنزيل مقتضيات الوثيقة الدستورية، حيث مافتئت العديد من القوانين التنظيمية والقوانين العادية لم تصدر بعد، ومنها ما يتعلق بالمجلس الوطني للغات،والثقافة المغربية وآليات الديمقراطية التشاركية، بقانونيها التنظيميين المتعلقين بالعرائض والملتمسات والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبعض مؤسسات الحكامة..
ما يبعث على القلق فعلا هو أن سياسة النعامة التي تنهجها هذه الحكومة ، بتجاهل مطالب الشارع وبتعطيل الحوار الاجتماعي، تجعل درجة الاحتقان ترتفع يوما عن يوم، ما يؤشر على أن عنصر “الاستقرار” الذي ظلت الدولة ومعها الحكومات المتعاقبة تنشغل بالحفاظ عليه ، لا يبدو أنه يشكل هاجسا حقيقيا لرئيس الحكومة وفريقه.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •    السبت 9 يناير 2016