أصدق وزير الداخلية محمد حصاد وأحاول أن أبني نظرية كاملة في السياسة ببلادنا، أو أحاول أن أبني نظرية متكاملة في السياسة لكي أصدقه؟
سأجازف وأصدق بأن الصور التي يظهر فيها الاساتذة والاستاذات كالخارجين من حرب .. صور مفبركة، ولا يمكن إلا أن تكون مفبركة..!
لأن أي عقل سليم لا يمكنه أن يتخيل أن هذا حدث فعلا، وأن في المغرب الحديث جدا من قد يستطيع أن يتخيل أن هناك من تستطيع بشاعته أن تحول أستاذة محترمة الى ما يشبه جدارية .. في «باطوار«!
وهذ صور مفبركة لأن العقل الذي ينتج مثلها، عليه أن يكون في دورة متكاملة من العنف السادي لكي ينتج شيئا من هذا القبيل..!
لأن حقيقتها تفوق كا يمكن أن نتصوره كخيال في العنف، لهذا يبدو من المنطقي التام أن نتصورها مفبركة لكي نريح الضمير من قسوتها.
وبالمجازفة ذاتها، أصدق أيضا مصطفى الرميد..عندما يقول بأنه لا يعلم. ولن أميل الى ما ينتظره مني هو نفسه : أي أن اقول أنه يكون دائما آخر من يعلم..
بل لأنه صاغ الحبكة التي يصل بها نص كلامه الى لازمة مضجرة:
هو لا يعرف لأن السيف يسبق العدل..
ولأن القوة تسبق القانون.
وزير العدل اختار »المنفى الكامل«، عن الواقع، ولهذا لم يستطع أن يمنع نفسه من حيلة »ضمير مستتر « تقديره هو، لكي يبريء نفسه ، ولكي يستطيع الجهل أن يكون مبررا معقولا لتخفيف المسؤولية!
والذين فبركوا الصور، هم أيضا من فبركوا لوزير العدل، الكفة الاخرى في ميزان الدولة السلطة المفترضة للقرار الامني، واقعا آخر للسياسة لا يكون فيه موجودا.
وعندما تكون صور الوزير حصاد مفبركة فذلك يدل على أن الواقع السياسي لوزير العدل غير موجود.. والواقع الفعلي بدوره مفبرك!
وزير الإعلام الناطق الرسمي ، ايضا غاضب من تحميل الحكومة للمسؤولية.
ويبقى رئيس الحكومة الذي تراوحت مسؤوليته بين التذكير بالمباديء العامة للتربية الوطنية في دروس المقرر الدراسي، وبين التحذير من مغبة التضامن غير المحسوب.
وهو يعرف الحقائق التالية ولا شك : أولا لم يكن المغاربة، ومنهم الاساتذة ينتظرون من الاستاذ عبد الاله بنكيران أن يذكرهم بأن رجال الأمن إخوة لهم، ولا أن يذكرهم، ثانيا بأنهم ربما كانوا سيكونون أساتذة بدورهم، وربما كانوا، ثالثا، سيتعرضون لمثل ما تعرضوا له..
وهذا بحذ ذاته، اعتراف بأن الذي تعرض له الإساتذة يفوق التحمل..
رابعا، أخواننا رجال الأمن الذين قاموا بواجبهم، من منظور الوظيفة التي أسندت إليهم، والجسم الذين ينتمون إليه،لم يطلقوا العنان لعنف شخصي، بل قاموا بذلك باسم الدولة، التي يعتبر هو أحد مسؤوليها الرئيسيين.
خامسا،المعادلة لا تقف عند الأساتذة مقابل رجال أمن، فهذه مغالطة سياسية كبيرة، بل تقوم بين الحكومة ومرسومها والأساتذة..
سادسا: ما معنى التضامن غير المحسوب الذي يقود البلدان إلى الخراب، كما يراه الأستاذ عبدالاله بنكيران؟..
إن في التلميح، إحالة على مسكوت عنه :العدل والاحسان!
لقد كان الاضطراب واضحا في البحث عن مبرر من خارج دائرة الشرعية القانونية، لتبرير التدخل العنيف، وهو أمر لا يليق بنا ونحن نقدم صورا متقدمة في التدبير الامني والسياسي منذ 2011.
وهو أمر لا يليق بنا، وإن كان لا يخرج عن منطق «الفبركة» نفسه.
ثم لنطرح السؤال الجدي:حتى ولو كان بعض أعضاء العدل والاحسان من ضمن الأساتذة المحتجين أو منسقيها، هل يعني ذلك استعمال العنف، ويعفي الدولة من سؤال الضمير؟
وإذا كانت الاجوبة التي يقدمها الوزراء ورئيسهم غير مستساغة بالمرة من طرف الرأي العام والأساتذة وعموم المغاربة، أليس هذا ما يبرر مقولات وأطروحة العدل والإحسان، فألا تقدم حكومة بنكيران الدليل الواقعي على ما تقدمه »العدل والاحسان« كأطروحة نظرية ، حول حكومة بدون سند شعبي، وبدون صلاحيات وبدون قدرة على القرار ومؤسسات كلها شبحية؟
و يكون الضرب هنا مثل صلاة الغائب، أنه »عصاة الغائب«..
ثم نصل إلى بيت القصيد:
ما معنى الحديث عن »جهات« تتآمر على الحكومة، على حد قول نواب ومنظرين قريبين من الحكومة، مثل أحمد الريسوني في حديثه إلى »جريدة العمق المغربي« ، الذي يعتبر أن العنف كان لإخفاء منجزات الحكومة؟
إننا أمام جهة تعمل على التمثيل بالأساتذة، من وراء علم الجميع، ومنهم وزراء في الحكومة والداخلية أولهم!
وعليه، فإن الحلاصة تكون: قرار من جهة غير محددة (الدولة العدو للبيجيدي) ، لاستعمال العنف ضد جهة غير معلنة (العدل والاحسان) والكل يجري خارج أسوار الفعل المؤطر بالمسؤولية السياسية والاخلاقية والقانونية..وبمعنى أوضح :كانت هذه مجرد حرب باردة في بلاد »هالوستان« الشقيقة البعيدة، وأننا سننتظر المغرب أن يصل الى أرضه لكي تستقيم التحاليل والسياسة..
أما المرسومان اللذان كانا وراء إشعال الفتنة، ووراء خروج الأساتذة للتعبير عن رفضهم، فيبدو أن الحكومة تنساه في تفسير ما حصل.
ولهذا سنهمس في أذن رئيسها :عليك أن تتذكر بأن أحداث 1965 التي ذهبت باستقرار المغرب لسنوات، كان وراءها مرسوم غير محسوب العواقب.. عندما أقدم وزير التعليم آنذاك، يوسف بلعباس، على إصدار مذكرة وزارية تقضي بمنع التلاميذ الذين بلغ سنهم 16 سنة من تكرار القسم …
وهذه نظريتي في تفسير أحلام الوزراء ورئيسهم!

  •      عمود كسر الخاطر
  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •    الاثنين 11 يناير 2016