مع كل إطلالة سنة جديدة، أي مع كل أول شهر يناير فيها، تعود إلى واجهة السؤال السياسي الوطني الفلسطيني ذكرى تأسيس أكبر فصائل المقاومة بفلسطين «حركة فتح»، التي تأسست يوم فاتح يناير 1965.
مع كل ذكرى، يتبلور سؤال آني يرتبط بمشروع تلك المنظمة النضالية التحررية الفلسطينية، التي تعتبر أهم فصائل المنظمة الأكبر التي هي «منظمة التحرير الفلسطينية» التي تأسست بعدها في نهاية الستينات، وصارت الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في العالم، بعد مؤتمر القمة العربية بالرباط سنة 1974، وبعد خطاب زعيمها ياسر عرفات بالأمم المتحدة في السنة ذاتها.
اليوم، وأمام واقع القضية الفلسطينية، محليا وعربيا وشرق أوسطيا وعالميا، واقع تبعات الخلافات والصراعات المؤسفة بين أكبر الفصائل الفلسطينية، ثم واقع انهيار دول بكاملها في محيط فلسطين من حجم سورية والعراق، وبروز أكبر لحروب طائفية مدمرة، فإن السؤال الآني الأكثر وجاهة اليوم، هو: ما الذي تبقّى من حركة فتح؟ ليس التنظيم، بالضرورة، بل الفكرة والروح والفعالية؟ إنه السؤال الذي يتحدى جيل النضال الوطني الفلسطيني، أمام سطوة الاحتلال الصهيوني وأمام عزلة الفلسطيني التي يواجه فيها قدره بشكل غير مسبوق منذ 50 عاما.
علينا ألاّ ننسى، أنه عربيا، منذ 1917، كل شئ يولد وكل شئ يموت، في فلسطين. الأفكار، المشاريع الوطنية السياسية، ورمزية القضايا النضالية العادلة. ولا يزال الأمر كذلك إلى اليوم، لأنه أمام العطب الذي يطال الآلية النضالية الفلسطينية كما تراكمت منذ 1948، وتبلورت فعالة مؤثرة بعد فاتح يناير 1965، واكتسبت شرعية عربية ودولية بعد 1974، فإن الأمر جزء من عطب أكبر يطال معاني صناعة العرب لقدر أبنائهم مشرقيا، أمام اصطخاب صراعات المصالح الإقليمية والدولية. بالتالي، فإن السؤال الأكبر الذي يتحدى حركة فتح، ويتحدى منظمة التحرير الفلسطينية، ويتحدى العربي (دولة ومجتمعا)، هو سؤال كيفية بلورة استراتيجية نضالية جديدة، مؤطرة ضمن مشروع تحرري لاستعادة الحرية والاستقلال، في فلسطين.
أليس ذلك، ما تناسته «فتح» و»حماس» للأسف، أي ما نسته النخب الجديدة لجيل النضال الفلسطيني، من أنها أطراف واحدة لمشروع أوحد، يتمثل في أنهما رافعتان لحركة تحرير وطنية من أجل الحرية والاستقلال؟ أليس عليها الجواب بجرأة أمام الذات، عن دورها أمام أشكال تململ الجسم الشعبي الفلسطيني الطبيعية لمقاومة الاحتلال، التي شكل ما أطلق عليه «انتفاضة السكاكين» ليست سوى تعبيرٍ غير منظم عنها؟ فهي ردود فعل، أكثر منه عملا منخرطا ضمن مشروع نضالي وطني منظم وممأْسس. دون أن ينسى أهل القضية، أنهم كانوا قد راكموا فعلا ملموسا في الواقع الملموس، حين اجترحوا استقلال القرار الفلسطيني، الذي كان تأسيس حركة فتح ثم منظمة التحرير بعده العنوان الأبرز عنه.
إن التحدي اليوم، أمام نخبة أهلنا في فلسطين، في فتح كما في حماس، وفي باقي الجبهات أيضا، هو بلورة القرار الفلسطيني الوطني التحرري المستقل، الذي يجعل الوجهة هي إسقاط الاحتلال الصهيوني وتدويل التضامن والمقاطعة ضد إسرائيل، بذات الشكل الذي تم مع جنوب إفريقيا الأبارتايد. أما أن يكون وهم المزايدة على بعضهم البعض، بخطاب التخوين، فإن ذلك لن يكون سوى العنوان على أنهم جميعهم يرتكبون أكبر جريمة ضد عدالة قضية شعبهم النضالية التحررية. المعركة هي من أجل فلسطين، وليست بين أبناء فلسطين، ولا يجب أن تكون.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الثلاثاء 12 يناير 2016