عندما يكتب الخبير في علم الوسائط – الميديولوجيا- ، عن الدولة وقدرتها على الإغراء، (عنوان كتاب لريجيس دوبري، الدولة المغرية)، فهو لا يتابع فقط الثورات التي تحدث في هذه الوسائط التواصلية، بل ينطلق من قناعة أولى هي أن «الدولة صبر كبير»! l etat est une grande patience لهذا عندما يتسرع رجل الدولة في التعامل مع الوسائط كلها فهو يكون بعيدا عن روحها، كما يعرفها صديقنا المذكور أعلاه.
كما أن التسرع في تغيير المواقع والمواقف لا يطمئن رجل المجتمع الذي يتابع الواقع في الدولة أو في ضواحي الدولة…
1- فكرت في الموضوع وأنا أتابع تقلبات ما بعد 4 شتنبر، ثم التصرفات التي انحازت إليها الأغلبية مع موضوع التعامل الأمني مع الأساتذة المتدربين.
أولا رئيس الحكومة كان له موقفان جانبا الصواب، فالأستاذ عبد الإله بنكيران حاول تحويل المشكل إلى قضية اختيار بين رجال الأمن ورجال التعليم، بين السبورة والهراوة، بين الوزرة والبذلة. والحقيقة أن الموضوع غير ذلك، فهو سوء فهم كبير غير مبرر بين الأغلبية التي أصدرت مرسوميْن ، ضمن ما قدمته كأجندة إصلاحية للتعليم وبين الطلبة الذين يعتبرونه إجحافا في حقهم.
وفي هذه بالذات تصرف الرئيس بنوع من العنف عندما أقسم بأنه لن يتراجع..!
والموقف الثاني هو أنه يعلن أنه مع الأساتذة ومتعاطف معهم، وكل الذين يهاجمونه، من موقع المسؤولية السياسية والإدارية عن قرار جرَّ الكثير من الغضب، لا من موقع حقد شخصي أو إيديولوجي يجدون الصواريخ المضادة.
و في هذا السياق، لم يكن بعيدا عن موقف الفقيه أحمد الريسوني الذي سعى إلى أن يقدم القضية برمتها كما لو كانت »مؤامرة» لتبخيس منجزات الحكومة!
وفي قضية المؤامرة، لا يسعفنا موقف رئيس الحكومة الأستاذ عبد الاله على فهم مداها وجوهرها:
هل هي مؤامرة الدولة العميقة، وهو رجل دولة، هل هي مؤامرة العدل والاحسان، وعليه أن يتوجه إليها بكلام واضح وصادق ويفكك خيوط من يريد النيل منه؟..
ثانيا، الأغلبية:أصبح التمرين المفضل لأحزابها أن تعلن أنها بريئة مما حصل!
وتسعى جاهدة إلى تحميل الجهات المجهولة (ربما الجهة 13 في التقسيم السياسي للبلاد ؟؟؟؟) والطلبة مسؤولية ما يحصل.
من جهة، أعلن وزراء وأمناء عامون أنهم مع الأستاذة، وهو موقف -على كل حال- مشكور، وتنصلوا من أنهم وزراء (سبب آخر لإعادة النظر في تقاعدهم !!)، في أغلبية اختاروها وما كتبها عليهم أحد، فما رعوها حق رعايتها ولا هم سكتوا حقا!
ثالثا، الداخلية: إذا كانت قد قامت بما قامت به، فهي مسؤولة أمام رئيس الحكومة والأغلبية، وكان حريا بالجميع أن نسمع أن مجلسا حكوميا ناقش الموضوع، وأن خلافا واضحا تبين بين الأمناء العامين السياسيين، وضمنهم الأستاذ عبد الاله، ووزير الداخلية وكاتب الدولة في الداخليةوووووووأن تحكيما ملكيا في الأفق (مثلا مثلا…).
لا شيء من هذا حصل، والذي حصل أن
وزارة الداخلية اقترفت بيانا لا يخلو من غرابة، عندما تحدث عن «ركوب» جهات معروفة على الغضب، في كل مرة..
تقديري المتواضع أن هذه لغة ماكرة تقول ولا تقول، وهي تنقل الموضوع من شبكة واضحة للقراءة إلى .. متوالية هلامية غير مقنعة.
بل قد تتلاقى مع حديث المؤامرة – بالتضمين أو بالتصريح – الذي ورد على لسان مساندي الأغلبية ورئيسها أو حتى على لسانه(عندما حذر إخوانه في الحزب من التضامن غير المحسوب الذي يجر البلدان إلى الخراب..).
، أيها الناس :لا تلوموا الأساتذة إِنْ هم غضبوا، حتى ولو ركب الغضبَ سباحون مهرة أو متزحلقون حذقون، بل لوموا من أصدر المرسوم الذي كان سبب الغضب!
الجهات الرسمية أصدرت بيانات ومواقف، تتعامل فيها بغير قليل من الغموض.
والأغلبية تمثَّلَتْ مواقف فيها الكثير من الهروب من المسؤولية ، وماذا بقي للدولة؟
لم يتبق لها سوى …نظرية المؤامرة بدون أن نحدد من المتآمر:
العدل والإحسان؟
الطلبة؟
الدولة العميقة؟
أو شخص يحلم بعودة الثورة الربيعية؟
2- الدولة هي -هنا- قرار أمني وسياسي. ورئيس حكومة يبني – أو يساهم على الأقل – في تغيير هندسة الدولة، بناء على دستور جديد ليس مستشارا في التواصل، بل هو صانع سياسة. والأغلبية ليست مجرد كورس، يردد كلاما يليق بالنشيد المرحلي، لا أيها السادة.
ننتظر منكم أكثر من الناس العاديين والخبراء وأساتذة القانون والصحافيين ورجال الرأي.ننتظر المسؤولية!
لنطرح إشكالية القرار الأمني في البلاد بجانب القرار السياسي ، ولنكن واضحين ولنقرأه على ضوء التجربة وعلى ضوء المسؤولية وعلى ضوء المغرب الذي نريد بناءَه وعلى حد ما جاء في القانون التنظيمي للتعيينات الاستراتيجية ، والتي كانت الأغلبية من وضعت خطاطته وحذرتنا من «القنية»( وليست الأرنب هنا)…
لا يمكننا جميعا أن نلعب المعارضة والأغلبية في جبة واحدة..

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

  *   عمود  كسر الخاطر

     الاربعاء 13 يناير 2016