عندما تتزامن وتترافق حالة الاستقطاب الأيديولوجي والتوظيف الديني مع حالة الفقر والبطالة، مع غياب الديمقراطية، مع اجتماع السلطة والثروة بيد نخبة واحدة أو تتحالف نخبة الثروة مع نخبة السلطة ، وعندما تتحكم السلطة والجماعات المسلحة بمصدر رزق المواطنين وبالمنابر الإعلامية، وعندما يعلو القرار الخارجي على أي قرار داخلي أو وطني … عندما تتجمع هذه العناصر فلا نستغرب أن تكون المُخرَجات أو النتيجة على المستوى الوطني العام دمارا للبلاد وهلاكا للعباد، وتسطيحٌ للفكر وتهميشٌ للعقلانية، وانتشار خطاب سياسي ومفردات سياسية عقيمة وبائسة، وحالة ضياع وتيه، وعدم قدرة على استشراف المستقبل.

لا شك أنه في الحياة السياسية لا توجد حقيقة مطلقة ولا تنطبق معادلة الخطأ المطلق والصواب المطلق، فالحياة السياسية عالم يتميز بتعدد الآراء والتوجهات وبحق الاختلاف، ولكن المشهد السياسي العربي اليوم لا ينتمي لا لعلم السياسة ولا لعالم السياسة بالمفهوم المُشار إليه وكما تعرفه المجتمعات الديمقراطية، بل تسوده حالة من الفوضى التي تضرب أطنابها في كل مناحي الحياة، فلا الإسلام هو الإسلام المتسامح المُوحِد الذي تعودنا عليه بالفطرة، ولا الوطن هو الوطن الذي يجمع الجميع، ولا السلطة هي السلطة التي تحمي مواطنيها،ولا الدولة هي الدولة الجامعة للجميع، ولا اليسار هو اليسار، ولا اليمين هو اليمين، وكأن لا تاريخ مشترك جمعنا لآلاف السنين، ولا أمل بمستقبل مشترك نصبو إليه ؟ .

لكل هذا الاختلاط فإن ما يجري في العالم العربي ليس حالة طبيعية يمكن نسبتها لسُنَن التطور التاريخي والحضاري للشعوب. كان من الممكن أن يكون الأمر كذلك لو كان ما يجري يتم بأدوات محلية خالصة ونتيجة انتقال من نمط من أنظمة الحكم والبناء الاجتماعي والفكري إلى آخر كما جرى مع الثورات في أوروبا كالثورة الفرنسية والروسية، أو كان ثورات ديمقراطية ضد أنظمة استبدادية، حيث لا تبدو الجماعات المعارِضة أكثر ديمقراطية من الأنظمة كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا والعراق، كما أن ما يجري لا يندرج في سياق حركات التحرر الوطني ضد الهيمنة الأجنبية والأنظمة الموالية لها، حيث بعض حركات المعارضة يتم تمويلها ودعمها من الغرب الاستعماري، كما أن ما يجري ليس ثورة دينية ضد نظام علماني كما جرى مع الثورة الإيرانية، حيث بدأ الحراك الشعبي من جماعات شابة لا تنتمي لجماعات الإسلام السياسي وعندما ركبت جماعات الإسلام السياسي موجة الحراك الشعبي كانت الاختلافات فيما بينها بل وقتالها مع بعضها البعض أشد ضراوة من قتالها واختلافها من النظام الحاكم .

إن كان ما يجري لا يندرج في سياق التطور الطبيعي للمجتمعات، بل انتكاسة لإرهاصات الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية والتنمية الشمولية وعقلنة ظاهرة التدين، وإن كان ما يجري ليس ثورات شعبية ولا ربيعا، فهل هو مؤامرة خارجية ؟. لا شك بوجود مؤشرات بل وحقائق على الأرض تؤكد قوة التدخل الخارجي سواء من الغرب وعلى رأسه واشنطن أو من روسيا الاتحادية أو من إيران وتركيا أو إسرائيل، ولكن في المقابل فإن غالبية المتحاربين المشتبكين في القتال الدموي هم من أصحاب البلاد العربية نفسها أو من ذوي أصول عربية وإسلامية، والقتال والخراب والدمار يجري على أرض العرب، والقتلى والجرحى والمهجرون أيضا عرب ومسلمون، وكل العمليات العسكرية حتى التي تقوم بها الجيوش الغربية يتم تمويلها من المال العربي وعلى حساب مستقبل التنمية العربية .

إن كان المقصود بالمؤامرة أن أطرافا خارجية تخطط وأطراف داخلية تنفذ، فالمشكلة تكمن في العرب أنفسهم لأن بعضهم مشارك في التآمر بوعي أو بدون وعي ، وبعضهم الآخر إن لم يكن مشاركا فإنه لم يُحسن إدارة المعركة وفشل في تمتين الجبهة الداخلية لمواجهة هذه المؤامرات. الدول الأجنبية (المتآمرة) تدافع عن نفسها ومصالحها من وجهة نظرها، وحماية المصالح القومية والدفاع عنها ليس تآمرا إلا لمن يجهل معنى السياسة. فعن أية مصالح تدافع الأنظمة والجماعات العربية والإسلامية المُتَقَاتلة ؟ وإن كان هناك مؤامرة فتآمر العرب والمسلمين على بعضهم بعضا أشد فتكا من تآمر الأجنبي عليهم ، والجاهل عدو نفسه .

أليس غريبا أن يتم تصفية الخلافات أو تجميدها بين دول المنطقة وأعداءها أو المفترض أنهم أعداء: إيران والغرب، وتركيا وإسرائيل، والأنظمة العربية وإسرائيل، بالإضافة إلى تصفير المشاكل بين كل الأنظمة العربية – عدا سوريا- وواشنطن، وفي مقابل ذلك تتفجر الحروب والصراعات المذهبية والعرقية والسياسية ما بين العرب والمسلمين وبعضهم البعض ؟! .

تراجعت وانسحبت بهدوء وخجل مفردات الثورة والربيع العربي والتحول الديمقراطي، وتبدد الأمل بمستقبل زاهر قريب، وحلت محلها مفردات الإرهاب والحرب الأهلية والصراع المذهبي والتحالفات العسكرية والخراب والدمار والهجرة ودمار الاقتصاد، مع حالة من اليأس والإحباط ومزيد من الفقر مما يوفر حالة من التغذية الاسترجاعية للعنف. لا مفكر أو مثقف أو سياسي يملك اليوم خطابا متماسكا ومقنعا حول توصيف ما يجري في العالم العربي، فحالة الفوضى غير مقتصرة على ما يجري في الميدان من صراعات وحروب وتعدد الجبهات والأطراف المتصارعة والتباس وتداخلات الوطني والإقليمي والديني والدولي، بل فوضى وعدم يقين على مستوى الفكر والتنظير والقدرة على فهم ما يجري .

الفوضى التي تعم العالم العربي الذي لم يعد عربيا، لا تقتصر على ميدان السياسة والحرب بهدف تفكيك الأوطان القائمة، بل هي فوضى تهدف للتشكيك بهوية المنطقة وبشرعية وجود الدول وبالأيديولوجيات الكلية الجامعة كالإسلام والعروبة وحتى الديمقراطية . إنها فوضى أدت لأثننة وتذرّر العالم العربي بمكوناته البشرية وهوياته الجامعة، وكأنها تروم أن تقول للعرب والعالم بأن العرب والعروبة والقومية العربية مجرد أكذوبة ووهم، وأن الإسلام ليس دين توحيد وتسامح وبناء حضارة بل دين حرب وإرهاب وخراب ودمار، وأن العرب غير مهيئين للديمقراطية بل إن بنية العقل العربي لا تستقيم وتتوافق مع استحقاقات الديمقراطية .

لأن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، فإن العقلاء من أصحاب الفكر التنويري الوطني إما اضطروا اختياريا للانسحاب من المشهد حتى لا يكونوا جزءا من الفتنة والحرب الأهلية، ولأن ثقافتهم وأخلاقهم لا تسعفهم للتعامل مع هكذا واقع، أو تم إبعادهم قسرا عن مواقع الفعل والتأثير سواء داخل المؤسسات الرسمية أو المنابر الإعلامية، لأنهم حالمون طوباويون إن لم يكن متخلفين عن فهم العالم الجديد وذلك من وجهة نظر نخب زمن الرداءة والفوضى!. وهناك صنف ثالث من الوطنيين أصحاب الفكر التنويري لم يترجلوا عن صهوة الجواد ولم تكسرهم أو تُحبطهم الأحداث، هذه الفئة من العقلاء الوطنيين مستمرة في النضال باستماتة لتنوير العقل وتبديد ظلمة الفكر ومنح أمل بالمستقبل، هؤلاء يعملون بصمت غير عابئين لانتقاد وهجوم أشباه المثقفين ومدَّعي المعرفة والانتهازيين الذين تسللوا إلى مواقع رسمية مستغلين انشغال الشعب بهموم حياتهم الخاصة وأمنهم الشخصي .

 *عن التجديد العربي

 الاربعاء 13 يناير 2016