علي هرماس

المقاوم بوراس                                             

 صدر عن مطبعة المعارف الجديدة بالرباط كتاب يحمل عنوان” مذكرات الفقيه الفكيكي- سفر في زمن المقاومة والنضال” الكتاب من الحجم المتوسط في 150 صفحة، موزعة على 5خمسة مراحل تاريخية :

1 زمن الولادة والطفولة  2 زمن فاس ومراكش  3 زمن المقاومة  4 جيش التحرير بالمنطقة الشرقية  5 زمن المنفى، وهو الفصل الأخير الذي أخذ من سرد الكتاب حصة أكبر وصلت 34 صفحة.

تصدر الكتاب كلمة شكر وعرفان حدد فيها الراوي محمد بوراس بتاريخ الرباط في 21 يوليوز 2015 أصول المذكرات، التي قال إنها تعود لأكثر من 12 سنة، لما اقترحت عليه مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد بداية 2003 إعطائها شهادة تاريخية بالصورة والصوت لما عاشه إبان فترة الحماية والاستقلال، جلسات دامت ثلاثة أشهر باقتراح من محمد ايت قدور، بينما تكلف الأستاذ الموساوي العجلاوي بإدارتها ، الأخير قام بعدها باستخلاص العناصر المهمة من التسجيلات الصوتية وأخرجها في شكل مؤلف هو باكورة ثقافية لشتاء 2015 .

يشدد الراوي محمد بوراس في كلمة الشكر والعرفان على أن مضمون الكتاب لا يعدو كونه شهادة فقط ، وليس محاولة لكتابة التاريخ او تقييم مرحلة، هي إذن أحداث تاريخية منبعها الروح الوطنية التي تشبع بها وناضل في سبيلها، ولم يفته الثناء على كفاح زوجته التي تحملت عناء احتضان أبنائها الأربعة ،أكبرهم سنا كان يبلغ 12 سنة من عمره بتاريخ 28 اكتوبر 1960، لما اتخذ الراوي محمد بوراس قرار مصيري صعب، هو العيش في المنفى بين الدول الأوربية والأسيوية والتنقل من حين لآخر بين بعض العواصم العربية لمدة 20 سنة بتمام العام والشهر واليوم، الى حين صدور عفو ملكي وتمكن بمقتضاه من الرجوع للوطن بتاريخ 29 اكتوبر 1980.

تقديم الكتاب في خمس صفحات ونصف الصفحة بقلم الأستاذ احمد بوحسين ،  ذكر أنه خلاف ما اعتاد عليه أمثال محمد بوراس، فقد فضل الفقيه الفكيكي المزج بين السرد الروائي Biographie والسرد الذاتي Autobiographie ، تم ذلك بمساعدة ابنه البكر عبد الحميد في المراجعة والتصحيح قبل المصادقة، توخيا للصدق ومصداقية الرواية الشفوية كقيمة أخلاقية نشا وتربى عليها الراوي مند طفولته ، ورسخت ابان مرحلة الدراسة كطالب علم بجامع ابن يوسف بمراكش وبعده جامع القرويين بفاس، منبعا التعلم المتقدم ومنهل التزود بالمعرفة الدينية والتاريخية والفكرية، الأخيرة التي لا تستقى بالضرورة الحتمية من الكتب فقط، بل أيضا من الاحتكاك بالمخالطة والمعاشرة مع الأنداد على اختلاف شرائحهم الاجتماعية بالمغرب ومسقط رأسهم .

هكذا  تشكلت ألوان فسيفساء شخصية الفكيكي فيما يخص الروح الوطنية التي تشبع بها خارج بلدته،ونموذج العمل السياسي مع صفوة الشباب رواد الكفاح الوطني المغربي، بل أكثر من هذا ذكر أنه مرارا اتصل بجلالة السلطان المغفور له محمد الخامس ليطرح عليه مشكل ما، ولا يلبت أن يعقبه الحل ولو بعد حين، مند كان طالب علم وأثناء مرحلة الكفاح الوطني ، مما يوضح مكانة الرجل في صفوف المقاومة وثقله كسياسي في الكفاح الوطني وفي صفوف جيش التحرير.

استمرت علاقة الفقيه الفكيكي مع رواد الحركة الوطنية في إطار حزب الاستقلال ، وبعد الانشقاق وتأسيس الاتحاد الوطني بقية العلاقة مستمرة في اطارها الجديد، حتى سنة 1971 وتم فك الارتباط مع السياسة مرحليا، لتستمر العلاقات الودية الأخوية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحول الى  قطيعة نهائية مهما كان الأمر.

يقول في الصفحة 21: أيام الدراسة كانت المنحة حينها عبارة عن خبزة شبيهة بتلك التي تعطى في القرويين مليئة بالخيوط والحشرات، والخبز كان يقدم من طرف الأحباس، وكانت الميزانية السنوية للطالب الواحد لا تتجاوز خمسين درهما.

في احد الاجتماعات مع طلبة فاس لإنشاء أول حركة طلابية وطنية بالمغرب، سافر الفقيه الفكيكي مع آخرين من مراكش قصد التنسيق مع طلبة القرويين، فاستغرب الأستاذ عابد الخرشفي المسؤول داخل حزب الاستقلال بفاس عن طلبة القرويين، من الفكرة التي أتى بها طلبة مراكش مضيفا ما مفاده أن الأفكار تنبثق عادة من فاس. صفحة 29

بعد مجيء المقيم العام جوان، هدد الوطنيين بأن يوكلهم التبن، لما رأى أن يجرب حظه، حرك أصحاب العرائض وبدأ القياد بدفع المواطنين للتظاهر والتنديد رفضا للشيوعية – كناية عن الأفكار الوطنية – مع العلم أن المدفوعين لا يفهمون معنى الشيوعية فخرجوا يرددون” لا نريد الشعرية “.صفحة 33

1951 كان محمد بوراس المكيكي ممثلا لحزب الاستقلال في الظل بأوساط الطلبة اليوسفيين/جامع ابن يوسف ، ومن بين رفاقه مولاي عبد السلام الجبلي وبن سعيد والفقيه البصري ، حيث قرروا القيام بإضراب لمدة 24 ساعة تضامنا مع طلبة القرويين بفاس، هدا الفعل لم يرق الكلاوي  باشا مراكش الذي لا يرضى أن يسمع في الأوساط الفرنسية أن عصيان وقع في منطقته ، بعد إعلان الإضراب الثاني يوم الثلاثاء 17 ابريل 1951 وقاده محمد بن سعيد ايت يدر، بعث الباشا الكلاوي في طلبهم وربطوا أياديهم بما يسمى”الحجيلة” وهي حبل رقيق، بعد عرضهم على الباشا أصدر أمره ” خدو الكلب لخوتو” أي مكان التعذيب عند الحاج ايدار، العبد المخصي لأنه كان يدخل ويخرج على نساء سيده، وكان نصيبهم 200 جلدة بواسطة “عصبة الثور” كل اثنين يجلدون 50 ضربة ويستريحون ليخلفهما آخران، وقد كانوا 15 طالب ألقي عليهم القبض، ما جعلهم ينامون على بطونهم لمدة أسبوع. صفحة36

من بين الحيل التي كانوا يستعملونها للتخابر أثناء الاعتقال يتم التنسيق مع احمد الفطواكي صاحب السفنج الذي يضع الرسالة في العجين ويتم طهيه والرسالة بداخله، واذا توصل المعتقلون “بالسفنجة مطفية” يعلمون أن بداخلها رسالة فيتم فتحها بعناية والاطلاع عليها، ويتم الرد بوضع رسالة الجواب في أنبوب “غلاي الشاي” وتغطيته بأراق النعناع ، تدخل بعض العلماء لدى الكلاوي ورفضنا الخروج الى أن تدخل السلطان وأعطى أمره ليطلق سراحنا. صفحة 36 ، في داك الزمن كان ثمن الكيلو غرام الواحد من اللحم بأربعين ريال صفة 40

تقرر اعتقال عدد من المناضلين وإبعادهم الى مناطقهم الأصلية ، وكان على كل مبعد يمر بمنطقة  أن يوقع له المراقب ، ومن سوء حظ بوشعيب الييضاوي  أنه لم يجد المراقب وبقي ينتظره، وعند وصوله لم يقف له، فقرر الأخير أن يرحله الى البيضاء مشيا على الأقدام في حين يركب مرافقه الحارس جوادا. صفحة42

20 غشت 1953 عقب نفي السلطان كان محمد بوراس متواجدا بفكيك، وكان يتابع الأخبار عبر المدياع الوحيد المتواجد في المنطقة، لأن المدياع وقتها كان ممنوعا. صفحة 48

محمد رضى بنموسى الذي يملك محلا للخشب وهو من قام بأول عملية فدائية، ويرجع له الفضل في إلحاق الفقيه البصري بالحركة عن طريق السي عمر الساحلي، الذي اختفى مباشرة بعد أحداث نفي السلطان محمد بن يوسف. فبعد التحاق عمر الساحلي بالبيضاء، التقى ببنموسى هناك، وحكى له عن البصري، وهكذا قام بنموسى بربط البصري بالزرقطوني وبالحركة الفدائية. صفحة 53

في إحدى المرات أحضر الفقيه البصري رشاشا إلى “البيسري” وهو الرشاش الذي ضرب به بونيفاس … بقيت مجموعة فاس جامدة دون أن تحرك ساكنا فلم يهدأ للزرقطوني بال أن تبقى مدينة فاس دون عمليات فدائية ، فدهب إليها متسللا حيث أنشأ خلية، بقيت بدورها خامدة، أو ربما حاولت لكنها انكشفت، وتم اعتقال أفرادها، وتم التبليغ عن الزرقطوني، وانتقلت الشرطة إلى منزله، وأثناء محاولة اعتقاله، تناول قرصا من السم .وكانت الحركة كلما اعتقل عنصر منها اتصلت برجال الشرطة المرتشين بغية تيسير طرق الاتصال بالمعتقل والتنسيق لاتخاذ الاحتياطات صفحة 56

وعلى أية حال، فجماعة فاس لم تتحرك، ونفس الشيء مع الخلية التي أنشأها الزرقطوني، وهكذا بقيت مدينة فاس هادئة، وأظن أن الهرج والمرج الذي يقال عن فاس ليس منه شيء، عدا تلك المجموعة الأولى، وما عداها فيتم إرسال أحدهم إلى فاس أو مكناس للقيام بعملية، وقد أقلقنا بقاء فاس فارغا دون مقاومة. صفحة 57

كما اعتقل عثمان قادي الذي ثم وضعه بحفرة “مطمورة” بفكيك وأغلق عليه، وأبقوه بها لمدة زمنية قبل أن يرحلوه إلى بني ونيف حيث أشبعوه ضربا وأصيب على إثرها بضربات خطيرة في رأسه، أدت إلى الإخلال بتوازنه العقلي، لكن على الرغم من ذلك لم يعترف له أحد بما بدله من تضحيات . . . أما اليوم فبطاقات المقاومة وزعت على كل من هب ودب . صفحة 60

عبد الرحمان الورداني كان يملك محلا لبيع البطاطس بالمارشي سنطرال وكان يخصص تقريبا دخله بالكامل لدعم الحركة، أما أخوه أمبارك فكان بيته يقطن به كل من البصري ومولاي عبد السلام الجبلي وآخرين، وأغتنم هذه الفرصة للحديث عن عائلة الورداني فقد كان الزرقطوني  يطلق على دار الورداني اسم دار الأرقم بن الأرقم، ورخصة السياقة التي كانت لدى الزرقطوني هي في الأصل رخصة امبارك،وألصق بها صورته ليتم استغلالها، قبل الاستقلال كان منزل الورداني يأوي كل الأشخاص القادمين وكذا أفراد جيش التحرير، الكل كان يستقر عندهم، وكانت أم امبارك وزوجة أخيه تسهران على راحتهم، ولا يستغرب اذا قلت بأنهما كانتا تقومان بغسل ملابسهم، وامبارك الورداني لازال حيا، برجل مقطوعة، ولم يستفد من أي شيء، وكان مريضا ولم يجد من يساعده. صفحة 61 .

الدكتور عبد الكريم الخطيب لا يمكن لأحد أن ينكر عليه كونه من أوائل المقاومين، فقد حكى لي بنموسى وهو صاحب قنبلة ماشي سنطرال، أنه كان يذهب رفقة الزرقطوني لعيادة عبد الكريم الخطيب الذي كان يفرغ لهم ما يوجد لديه من مال في الصندوق لحساب الحركة. صفحة 62

 كما أخبرني حسن صفي الدين عن شخص آخر كان الحاج عابد السوسي يضع عنده مبلغ 100 ألف فرنك شهريا لمساعدة الحركة، صفحة 68 وكان السوسي يملك عمارة احدى شققها يسكن بها مولاي عبد الله ابراهيم.

كانت المراسلة تتم بواسطة رسائل مشفرة تكتب بماء الأرز المغلي، كنا نكتب به كي لا تظهر الكتابة، وفي ظهر الرسالة نكتب كلاما عابرا للتمويه، ولفك رموز الشفرة كنا نستعمل “النار الباردة” ونخلطها ببعض الماء تحك به الورقة فتظهر الكتابة، وهناك طريقة أخرى نستعمل فيها الحامض والبول ولفك الشفرة بواسطة آلة كي الملابس “المصلوح” صفحة 71

يوم 11 يناير 1955 حدد موعد بعين الدياب بمقهى “لاريزيف” وقبل الذهاب للموعد كنت أعرف بأن أحرضان ضابط في الجيش الفرنسي ،  وخفت ا إذا ما رآني ضعيف البنية أن يستصغرني، فقلت في نفسي إنه أمازيغي وعلي اصطحاب شخص أمازيغي لملاقاته، وهكذا قررت أن يرافقني سعيد المانوزي وأخبرت بوشعيب الدكالي بذلك . . . تأملت جيدا بعده واتصلت ببوشعيب وقلت له إن هذا الشخص يريد أن يلقي بنا إلى التهلكة، مؤكدا أن هناك فخا في الأمر، وأخبرته بأن هذا الشخص لا يصلح لنا. صفحة 71 و 72

وتم اعتقالي وتعديبي من اجل استخراج المعلومات مني، لكن بدون جدوى،  تارة بإغراق رأسي في الماء محاولة منهم قطع التنفس عني، وتارة بالضرب، واستعملوا أيضا الكهرباء معي . . .أخيرا قلت لهم أننا ندافع من أجل الاستقلال ومن أجل السلطان الذي نفيتموه ، وكانوا يطلبون مني إذا ما كان الحزب هو الذي يدفعنا لذلك، وأرد عليهم بالنفي، وبالفعل كنت صادقا . . . لقد فعلت ذلك من أجل الدفاع عن الوطن، مثلما كانت فرنسا تدافع عن حقها في التخلص من الاحتلال الألماني، في الأخير قرروا إحالتي على قاضي التحقيق بالمحكمة العسكرية متذكرا كلام مولاي عبد الله ابراهيم، بأن من حقي عدم الكلام إلا بحضور محامين فطلبت حضور الأستاذ عبد الله العمراني وشارل لوكران . . .  قاضي التحقيق اسمه جيليزو الذي سألني ماذا تطلبون؟ قلت له أن فرنسا كانت محتلة من طرف ألمانيا فقام الفرنسيون بالدفاع عنها من أجل الاستقلال وطردوا المستعمر. كلامي صحيح أم لا ؟ قال كلامك صحيح، لكننا نحن لسنا مستعمرين نحن مجرد حماية . تم قال ولماذا أنتم تحبون بن يوسف؟ قلت ولو لم يكن ضد الاستعمار والمعمرين، لو لم يكن فيه خير للبلاد، ما كنتم لتنفوه عن بلاده .صفحة 79 و 80 و 82 و 83

عين أحرضان بعد الاستقلال عاملا على ناحية الرباط ، وصار واحدا من جيش التحرير، بالرغم أنه ليست لأحرضان على ما أعتقد أي صلة مع جيش التحرير … واستدعينا لحفلة شاي بالقصر الملكي واستقبلنا بقاعة العرش من طرف جلالة الملك محمد الخامس. صفحة 57

أنشئ المجلس الوطني للمقاومة سنة 1957، وكانت جماعة المقاومة هي التي أنشأته وليست الدولة، وتولى عبد الرحمان اليوسفي رئاسة مكتب ذلك المجلس الذي كان مقره بشارع “لوغلوج” الساعة بالدار البيضاء.صفحة 94

كان الوضع بالجهة الشرقية مقلقا جدا ،حيث يوجد الفرنسيون وعناصر جبهة التحرير الجزائرية بالإضافة إلى السلطات المغربية، كان جبهة التحرير يعتقلون كل من رفض تقديم المساعدة لهم أكان جزائريا  أم مغربيا، وكان مركز بوعنان تحت قيادة عمر النعيمي السوسي من تارودانت الذي كان بالجيش الجزائري قبل الالتحاق بنا.بعد ذلك فكرنا في التوسع إلى بوعرفة وفكيك للعمل على مزاحمتهم بعض الشيء. صفحة 95

كانت الدولة هي التي تتكلف بمصاريف جيش التحرير التي تقدر ب100 مليون في الشهر . . . فارتأى سي علال الفاسي أن يكون شيئا ما ضدنا وضد جيش التحرير، وأراد أن يحطم ما كان قد ساهم في إنشاء نواته الأولى، وهكذا ثم صنع ” المقاومة الموحدة” التي كانت تتكون في غالبيتها من العناصر الملتقطة من هنا وهناك . . . كان جيش التحرير الأول مشكلا من الطايعة التي تحتوي على 10 أفراد، قايد الثلاثين وتشمل على 30 عنصرا، وقايد المائة وتتكون من 100 فرد، وقايد الرحى ويضم 300 عنصر.صفحة 103.

ثم تطرق الراوي لظروف تشكيل حكومة عبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد والفريق المرافق لهما أواخر دجنبر 1958 . . . وهي الفترة التي  سماها زمن التوترات بدءا من شتنبر 1959 والظروف المحيطة بعملية تشكيل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وما تلاها من اعتقالات بل واغتيالات ، الغريب أنه كان بعض رجال البوليس الذين يقومون بعملية الاعتقال والتعذيب هم أيضا من المقاومة ، وفي هذه الوقت تم إنشاء عملة مغربية بدلا من الفرنك الفرنسي وبعده تمت إقالة حكومة عبد الله ابراهيم. صفحة 109

زمن المنفى وهو الذي أخذ حيزا أكبر من الكتاب، غادر محمد بوراس الفكيكي المغرب بعد اعتقال بن حمو الفاخري في قضية تتعلق بحيازة السلاح … اتجه أولا الفكيكي كطالب الى يوغسلافيا التي مهد له الهجرة إليها المهدي بن بركة، لكن المقام بها لم يطل بعدما اكتشف أنها على علاقة ديبلوماسية مع اسرائيل، وهو وقتها منتصرا للقضية الفلسطينية؛ في هذا الوقت 20 غشت صدر الحكم عليه غيابيا بالسجن المؤبد ورفيقه مولاي عبد السلام الجبلي الإعدام وبقية المجموعة عدة سنوات، ثم رحل إلى بيروت بعدما أصبح شخصا غير مرغوب فيه فوق التراب اليوغسلافي، ثم إلى العاصمة دمشق 1963 ، هناك التقى بالبصري وعبد الرحمان اليوسفي ، بينما بنسعيد كان يقوم بالتنسيق مع ببنبلة كي يرحل الفكيكي الى الجزائر ، لأن جبهة التحرير الجزائرية لم تنس مقاومة الفكيكي واعتراضه لهم بعدما ضموا مدينة بشار ويطمحون للتوسع بضم مدينة فكيك وبوعرفة وهي جزء من أرضي شرق المغرب، في هذا الوقت كان المقاوم محمد بوراس مسؤولا عن قيادة جيش التحرير المغربي بالجهة الشرقية ، هذه القضية التي أوصلها الفكيكي إلى القصر الملكي بالرباط ، ليسمع ممثلوا جبهة التحرير الجزائرية على لسان السلطان محمد الخامس الذي قال لهم : هذا الباب الذي دخلتم عندي منه مثله مثل تلك الأرض.

لنصل الى الفصل الأخير من كتاب مذكرات الفقيه الفكيكي محمد بوراس والذي عنونه :زمن المنفى حيث بقي لمدة عشرين سنة يعيش بين الدول الأوربية يوغسلافيا وفرنسا وألمانيا وموسكو بالاتحاد السوفياتي ، ايضا بين العواصم العربية كدمشق وبغداد والقاهرة والجزائر ، دائما استقراره مؤقتا ومرحليا ، لأن قناعاته الداخلية وتصوراته لا تلبث أن تضغط على نفسيته، فيحمل حقيبته من جديد نحو المطار والتحليق بالطائرة الى عاصمة أخرى، يقول: وكان من عادتي عدم التوجه رأسا إلى المكان الذي أريد الذهاب إليه حتى وإن تعلق الأمر بمنزلي، حيث كنت أتخذ الاحتياطات اللازمة بالذهاب أولا إلى الفندق لأنني لا أعرف ما قد ينتظرني.

أواخر سنة 1971 كان عبد الرحمان اليوسفي في زيارة الى دمشق ، وتزامنت لدى الفكيكي مع حنين دفين وشوق عميق إلى المغرب وأسر في رسالة إلى الفقيه البصري على يد اليوسفي بهذا، مقرا بإعادة النظر في توجهاته الفكرية يقول : انه حتى الحمار اذا ما مر بمكان وتعثر فيه فانه يتذكره جيدا في المرة القادمة، ونحن نتعثر بنفس المكان الذي نتعثر فيه كل مرة. ما يفهم منه أنه يتخلى عن الحركة التي ناضل من أجلها طول حياته، فكان قرار بعض الرفاق أن تجلب/تهرب عائلة الفكيكي من المغرب ، لتلتحق به في دمشق كي تنسيه همومه، فخرجت العائلة عبر مدينة وجدة إلى الجزائر، ومنها إلى روما ، وكانت الأم لا تعرف لا الكتابة ولا القراءة وهي تصحب ابنيها الذي لا يتجاوز عمر أكبرهما عشر سنوات، ليصلوا بعدها إلى العاصمة السورية دمشق. أواخر السبعينات قرر الفكيكي الانفصال عن الحركة، وصادف ذلك إحساس وشعور عميق بالتعب من العيش في الغربة بعيدا عن الوطن، وحنين إلى العودة لحضنه، لم يلبث بعدها أن جاءت فرصة العفو الملكي ، وعند العودة إلى أرض الوطن، وجد في استقباله بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة الإدارية للاتحاد الاشتراكي . . . يقول : وفي المؤتمر الرابع انتخبت عضوا باللجنة الإدارية ، لكن تقارير الإدارة الحزبية لم تكن منصفة ، وقلت في نفسي : إنه كيفما نكذب الآن على المناضلين، فإننا سنفعل نفس الشيء مع المواطنين.فقررت الانسحاب.

ملاحظة خارج القراءة : اسم الراوي محمد بوراس، الفكيكي نسبه الى مسقط رأسه بفكيك شرق المغرب، أما لقب الفقيه فلأنه نال قسطا وافرا من المبادئ الدينية وعلوم الشريعة بالتعليم العتيق قبل التحاقه بجامع/جامعة ابن يسف بمراكش وقد يكون حامل لقب الفقيه آنذاك حامل أيض لكتاب الله كله أو قسط منه وهو حالة محمد البصري والحبيب الفرقاني، بالنسبة للوطنية والمقاومة نجد لقبا مغايرا لرفع مقام الشخص ومكانته بين أقرانه، هو لقب “مولاي” ليس كونه شريف النسب بالفعل، وقد حمله عبد الله ابراهيم وعبد السلام الجبلي وغيرهم من صناديد المقاومة بالجنوب/مراكش.

المقاوم الوطني محمد بوراس الفكيكي صاحب الكتاب ، من بين أنجاله الدكتور المحترم  جمال بوراس الذي درس الطب بسوريا بعدما التحقت العائلة برب الأسرة هناك، مند زمن نعرفه طبيب بمستشفى المختار السوسي بتارودانت ، طبيب خدوم استثنائي في المعاملة الانسانية والأخلاقية والضمير المهني على غير المتعارف عليه لدى عينة غير يسيرة من الأطباء