ذكرى 14 يناير سنة 2011، يوم «رحل» زين العابدين بنعلي إلى السعودية… تلك الذكرى تعيشها تونس هذه الأيام، ببعض الأغاني والأناشيد الوطنية تصدح في فضاءات، مقاهي ومقار حزبية، و تستعد لإحيائها شعبيا و رسميا، في محاولة لاستعادة الامتلاك الشعبي لحماس و لروح الثورة…حتى و الأجواء السياسية يسودها التوتر بين الفرقاء السياسيين، و من تداعياته مقاطعة «الجبهة الشعبية» (معارضة، 17 نائب في البرلمان ) للاحتفالات الرسمية.
الإعلام التونسي، وهو يحيي ذكرى 14 يناير2011، وضع من جديد سؤال ماذا وقع ذلك اليوم حقيقة؟ يعني، هل غادر بنعلي البلاد بقرار منه ومن تلقاء نفسه أم أرغم على الرحيل في ما يشبه انقلابا سياسيا نظمه وزير الدفاع آنذاك  رضا قريرة والجنرال رشيد العماري قائد أركان الجيش وعلى الصرياتي مدير الأمن الرئاسي.
الجواب على السؤال متصل بفهم طبيعة الثورة التونسية، وهل حقيقة أن الغضب الشعبي هو من أرغم الرئيس على الرحيل؟ أم أن تدخل قوى خارجية، عبر أدوات أمنية محلية، استبقت الأحداث، لتوقف اتجاه الثورة نحو فرز قيادة ونحوالتصعيد و التجدير للمطالبة بإسقاط النظام برمته؟!!و ليس مجرد المطالبة برحيل الرئيس.
فؤاد المبزع أول رئيس انتقالي للدولة يقول في حوار صحفي «بأن لا أحد يمتلك حقيقة رحيل بنعلي»، ويؤكد أن بنعلي اتصل به اليوم نفسه بعد أن وصل إلى جدة وقال له بأنه عائد. غير أن المبزع يقول بأنه كان متأكدا من استحالة عودته «فهو لم يأخذ حتى معطفه ونظارته». ويضيف مجيبا على سؤال حول فرضية حصول انقلاب على بنعلي بأنه «لا يستبعد أي أمر إلى حد اللحظة لدي عديد نقاط الاستفهام في رأسي». في الحوار نفسه يذكر بأن وزير الدفاع هو من فرضه رئيسا انتقاليا، مستبعدا رئيس مجلس المستشارين المؤهل لذلك دستوريا.
الكثير من الكلام قيل في الموضوع وقتها و يستمر شاغل المؤرخين، الباحثين عن الحقيقة، الثوار الغيورين على ثورتهم وفي المقام الأول ذوي المرجعية «المؤامراتية» في ترصد الأحداث… وقد يؤدي تأكيد فرضية الانقلاب بتوجيه خارجي، إلى التساؤل حول ما إذا كان ذلك التدخل الخارجي مستمر في التأثير على الحياة السياسية حتى الآن… وبالتالي هل ما جرى في تونس ثورة شعبية تلقائية وخالصة ومستمرة كذلك، أم لا يعدو ما وقع أن يكون، رغم مسبباته الواقعية، و رغم صدق الغضب الشعبي، قد جرى توجيهه واستقطابه لمخطط ما سمي «ربيعا عربيا» يخفي «تخريفا» دائما لهذه الشعوب العربية.
الحدث الذي مثل الانتصار لشعب ثار ضد الاستبداد، هو اليوم ماثل في الذكرى،بما هو ظاهر منه و بما هو مستتر أو غامض فيه، غير أن الانشغال عنه «بغضبات» القلق و تشنجات التبرم من اشتداد الأزمات الاجتماعية، الاقتصادية و السياسية ملحوظ أيضا. الذكرى اليوم قد تساعد على تجديد نفس الثورة و التقدم في تحقيق أهدافها… أو قد تفتح مدخلا للزج بها في أتون الزوابع…
جريدة «الثورة» تكتب في غلافها لهذا الأسبوع «حصاد ثورات الشقاء العربي… «الثورة طلعت «فوتوشوب»… دخانها عمانا وأكلها ماجانا !»… إنها ليست جريدة ناطقة باسم كل الشعب التونسي وتشاؤمها لا يجوز تعميمه على كل الشعب التونسي.. غير أن الكلام الذي يمكن أن تسمعه في تونس عند الحلاق ولدى سائق التاكسي ويردده نشطاء حزبيون ونقابيون ويعرضه عليك مثقفون وأنت تحاول أن تفهم، ذلك الكلام بدرجة أقل أو أكثر وضوحا وبدرجة أقل أو أكثر حدة، هو من نوع نفس الكلام، نفس القطعية ونفس المرارة… بما يفيد بأن فئات من شعب الثورة بددت الخيبة رصيد ثقتها بأن تؤدي الثورة إلى تحقيق آمالها في تغيير وتطوير أوضاع البلاد… صديق تونسي، «ليلي الحياة»، ساق لي، لإفحامي بزيغ الثورة عن سكة أحلام الثوار، بأن شيوع الإحساس بغمة اليأس يعبر عنه إدمان رواد الحانات و الكابريهات والعلب الليلية في تونس على ترديد أغنية نعيمة سميح «ياك أجرحي جريت و جريت…» و التأوه على إيقاع آهاتها… ولم أجاريه في استنتاجاته لأن لليل أحكام لا تفهم في واضحة النهار.
في أجواء إحياء ذكرى انتصار الثورة، الأسبوع المنصرم، تناسلت مظاهرات تلاميذية تجوب الشوارع الرئيسة للعاصمة التونسية، احتجاجا على تغيير منظومة الامتحانات المدرسية (وهو جزء من منظومة إصلاح التعليم في تونس)… إصلاح تساءلت في شأنه جريدة «الصباح» هل توقيته مدروس؟
الاحتجاجات التلاميذية والمسيرات شملت عدة مدن تونسية، وقد ذهبت إلى حد شل كلي للدراسة في بعض المدن وحتى إلى إشعال الإطارات المطاطية في مدينة القصرين.
وزير التعليم السيد ناجي جلول يقلل من تأثير تلك الاحتجاجات ويعللها بعدم شرح مقتضيات إصلاح نظام الامتحانات للتلاميذ وذويهم… غير أن تلك الاحتجاجات تعزز الشعور لدى الشباب بأن إصلاحات الثورة وصلتهم على غير ما توقعوا وتأخذهم إلى حيث لم يقرروا…ومما يضبب الصورة أكثر هو أن الإصلاح المرفوض من قبل التلاميذ وافقت عليه النقابات التعليمية، وتجري الاحتجاجات عليه اليوم خارج تأطيرها، بل ذهب قيادي نقابي إلى حد اتهام أطراف سياسية بتحريك التلاميذ لأغراض سياسية خاصة…و تلك الاحتجاجات، على فئويتها و عدم التأكد من سلامة و صوابية مطالبها، تشيع شعورا بالتوتر و الاحتقان الاجتماعي، أقله يعكر جو الحماس الوطني الانتشاء بذكرى انتصار الثورة.
أمام وزارة الداخلية، الأحد 10 يناير، و داخل ثكنات قوى الأمن الداخلي في عدة مدن، نظمت نقابة الأمن الداخلي (بحضور كثيف للأمنيين المحتجين وفي مواجهتهم يقف عدد مثير من زملائهم في شرطة التدخل لقمع الشغب ) ما أسمته اعتصام الصمود تحت شعار «الوطن نحميه والحقوق ما نتفاكوش معاها… صامدون حتى تحقيق المطالب».
وهو اعتصام مقدمة لسلسلة إجراءات احتجاجية هددت النقابة الأمنية في ممارستها، وعلى مستوى مختلف أسلاك النقابات الأمنية للمطالبة بتحسين أوضاعها المادية والاجتماعية وإلحاحها على تحديث وتوفير الأدوات اللوجيستيكية لعملها. الاحتجاجات لن تصل إلى حد الإضراب عن العمل، لأن ذلك ممنوع قانونيا، ولكنها قد تربك انتظام وفعالية عمل الأسلاك الأمنية، وخاصة منها وحدات التدخل، وهو ما من شأنه الرفع من مؤشرات عدم الاستقرار الأمني والرفع من قابلية البلاد للانحدار إلى مناخ الفوضى.
كما التلاميذ، أعوان الأمن يستقبلون الذكرى الثورية بالاحتجاج و بالتذمر و بالخروج إلى الشارع و بشعارات الغضب. تحركات احتجاجية مشروعة و تلقائية…أم تحريكات ارتجاجية مفتعلة و موجهة…الجواب يستنبط من قادم تفاعلات الأحداث.
انتخابات الرئاسة، لدجنبر 2014، في تونس أفصحت عن رغبة أغلبية التونسيين إغلاق مسار الفوضى أمام تدافعات الثورة… تلك كانت رسالة انتخابات الرئيس باجي قايد السبسي، الحكيم الهادئ، القادم من أدغال سحيقة في جغرافية السياسة التونسية وقد اجتاز مفازاتها بتؤدة المتفائل في الحياة و في السياسة.
السعي إلى حقن النفس الثوري في أوصال بنيات الدولة والمجتمع التونسيين، وبمصل إصلاحي تدريجي ومتصاعد المفعول، بدا هو أسبقية الرئيس، وقد استعان على ذلك بضم حزب «النهضة» إلى حكومة الحبيب الصيد… لكن لغم الإرهاب دوى في تونس مزلزلا كل بنيات البلاد، وفرض نفسه أولوية حياتية مصيرية، تتوارى خلفها تحديات النهوض الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد… وهي التحديات نفسها التي يمثل النجاح فيها تجفيفا لمنابع الإرهاب وتمنيعا للبلاد ضده.
الفعل الإرهابي و تهديده المستمر لتونس، فاقم من أزمات البلاد، و خاصة منها الأزمة الاقتصادية. الإرهاب تسبب في نفور الاستثمار الداخلي و الخارجي و أطال ووسع نكبة القطاع السياحي. تونس بلد موارده الطبيعية ضعيفة، بلد يعتمد على موارده البشرية ( أساسا في الخدمات ) في تحريك الدواليب الاقتصادية و ضمنها التشجيع على الاستثمار السياحي، في مثل هذه الهشاشة الاقتصادية، الإرهاب يكون له مفعول مدمر.
هشاشة الوضع السياسي، و مكونه الحزبي أساسا، المتولد عن الثورة، تلك الهشاشة، لا تساعد على تمنيع المؤسسات في مواجهة كوابح التقدم و لا تحد من تجاذبات أهواء و ميولات الأشخاص و الفئات و النخب، التي فتحت الثورة شهيتها للتموقع في معابر التقرير .
الفعل السياسي في تونس اليوم يؤطره أزيد من مئة حزب. مئة حزب هو الرقم الحد الأدنى الذي أجمع عليه كل من سألتهم من فاعلين في الحياة السياسية التونسية. بعضهم قال لي ربما وصل الرقم إلى 180 حزبا. هذا العدد الذي يصعب إحصاؤه يؤطر حوالي 11 مليون نسمة، ساكنة تونس حسب الإحصاء الرسمي.
الانتخابات التشريعية الأخيرة أفرزت فقط 18 حزبا ممثلا في البرلمان. من «نداء تونس» الذي يتمثل ب 69 مقعدا إلى «الحركة الديمقراطية الاشتراكية» التي يمثلها نائب واحد هو أمينها العام أحمد الخصخوصي. علما أن حزبين عريقين في التاريخ الحزبي التونسي بقيا خارج البرلمان هما حزب المسار (سابقا حزب التجديد الذي هو الحزب الشيوعي) وحزب «التكتل» الذي يرأسه مصطفى بنجعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان الانتقالي). إنها فورة، ربما تخمة لكنها، في قراءة إيجابية لها، تعبر عن ثقة في النفس وعن إصرار على ممارسة واجب وحق المشاركة في الحياة العامة. ثقة وحقوق و واجبات كانت من المحظورات خلال سنوات بنعلي. و لا تبرم من ذلك، لأن الأحزاب الفاعلة لا تتجاوز عشرة، والباقي يؤثث مجال التعبير السياسي، والداروينية السياسية كفيلة بترشيق و ترشيد الجسم و المشهد الحزبي لاحقا. ربما لما بعد الانتخابات المحلية المتوقعة نهاية هذه السنة.
اليوم، تحتاج تونس إلى تثبيت استقرارها السياسي أولا، عبر توافق وطني على قواعد عمل سياسية، تحد من النزوعات الهيمنية و الحزبوية المتشنجة، المصاحبة عادة لسلوكات فرقاء الثورة، في تنازعهم حقوق تأليف الثورة. أزمة «نداء تونس» ( الاستقالات النوعية الهامة و العددية الوازنة التى انتهت إليها صراعات النفوذ داخله )، و هو الحزب الذي فاز مرشحه السيد الباجي قايد السبسي بالرئاسة وتحصل على رتبة الحزب الأول في مجلس نواب الشعب. تلك الأزمة، مست الحكومة في فعاليتها ( كانت من بين العوامل التي سرعت من إجراء التعديل الوزاري الأخير ) و محتملة التأثير على مجلس النواب. تلك الأزمة يضاف إليها الصراع بين الأحزاب المشكلة «للجبهة الشعبية» و يضاف إليها إعلان المنصف المرزوقي ( الرئيس السابق ) استعداده لتأسيس حزب جديد، تلك الأزمات، و هي عينات و حسب من غليان يعتري الوضع الحزبي، مؤشر دال على رخاوة البنى الحزبية و قابليتها للتعرض للاهتزاز و للمزيد من التفتيت. وبالجملة، هذا الارتجاج الحزبي، و لأن الحزب وحدة إنتاج فاعلة في صوغ مؤسسات التدبير الديمقراطي للشأن العام الوطني، برلمان و حكومة، يفاقم من الشعور بهشاشة الوضع العام للبلاد و بسوء تدبيره. عدا عن كونه يفرض على الحياة العامة، جدالات وانشغالات واحتقانات جانبية لا تساعد الفاعلين و المؤسسات للانكباب على مراكمة الانجازات و تقليص العجز بين المطلوب التنموي و بين المتحقق العملي.
في هذه الذكرى الخامسة ليوم 14 يناير، يحق لتونس أن تقول عن نفسها أنها ماضية في مسار ثورتها رغم كل المطبات وكل الارتجاجات وكل الارتباكات. وبإصرارها ذاك حصلت أربعة من مؤسساتها الإنتاجية و النقابية و المهنية و الحقوقية على جائزة نوبل للسلام، اسنادا معنويا دوليا لها، ودعما لإشعاعها عربيا…سلاحها في هذا الإصرار على صون وهج شعلة الثورة، هذه الديمقراطية نفسها التي تحرض و تؤهل كل تونسي (ذكر وأنثى) لممارسة سلطة المواطنة، مزاوجا بين الدفاع عن حقوقه الفردية والفئوية و بين دفاعه عن حقوق الوطن. الثورة التي أينع انتصارها بدماء المئات من الشهداء ( رسميا 319 شهيدا و شهيدة ) هي قيد انتاج ثقافة المواطنة و مقومات سلطتها.
سلطة المواطنة تلك،هي الآن في مراحل تشكلها التاريخية الأولى، و تتجلى في شحنات التعبير القوية السارية في كل البلاد في كل الجهات في كل الطبقات، بما فيها كل الطبقات الصوتية. شلالات الكلام، شلالات الآراء… تعم كل البلاد وحيثما يمكن الحديث… البلاد التي كمم الاستبداد أفواهها لعقود… باتت مدمنة على الكلام، على النقاش على الجدال وعلى الحماس في التعبير عن الرأي و على الاعتراض و على الجدال… في المقاهي وفي الحانات وفي الأحزاب والنقابات وفي المنتديات الثقافية ويوميا في وسائل الإعلام السمعية البصرية والمكتوبة. البرامج الحوارية تكاد تكون يومية وفي كل القنوات التلفزية والإذاعية العمومية والخاصة. لا أقل من عشر قنوات تلفزية مفتوحة على النقاش العام في كل قضايا المجتمع، وفي مقدمتها القضايا السياسية المتولدة من «تنزيل» الثورة في ملموسات الحياة التونسية. و التعبير الحر عن الرأي هو ما يبدو من مكتسبات الثورة، التي يغذيها، يا للمفارقة، اشتداد الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية…
طموحات الثورة تفرملها الوقائع العنيدة لوهن الاقتصاد التونسي، ومرده في أول عوامله إلى انعدام الاستقرار الأمني بسبب مخاطر الإرهاب المحدقة بالبلاد، ميزانية الدفاع لهذه السنة بلغت 15 في المئة مقابل 2 في المئة فقط للقطاع الفلاحي… وهن اقتصادي مرده أيضا لهشاشة الوضع السياسي، و الذي لم ينتج مقومات سلم اجتماعي. سلم يحد من تأجج المعارضة و يخفف من الضغط النقابي، و ينتج مناخا اجتماعيا حاضنا للاستثمار و يؤمن مردوديته و ينعش الدورة الاقتصادية التونسية.علاوة على عوامل لا تساعد النهوض الاقتصادي من نوع كوابح قانونية موروثة لم يتم تنقيحها أو إلغاؤها أو حتى قوانين حديثة كقانون «الحد من التصدير» ،و الذي أربك تسويق المنتوجات الفلاحية، مما نتج عنه فائض في انتاج البيض و الطماطم و الحليب و التمر، لا تستوعبه السوق الداخلية و ببساطة يرمى في الأنهار أو يطمر.
لنتأمل في بعض مؤشرات هول الأزمة الاقتصادية و تبعاتها الاجتماعية.
نسبة النمو الاقتصادي لن تتجاوز 0.5 في المئة هذا إذا لم تصل إلى أدنى منها كما هي متوقعة سلفا…حوالي 20 في المئة نسبة البطالة من الساكنة النشيطة… من أصل 570 فندقا في تونس 270 منها أقفلت أبوابها… ثلاثة أبناك على وشك إعلان إفلاسها .. حوالي 50 في المئة من المصحات الخاصة أعلنت إفلاسها… حوالي 60 في المئة من الاقتصاد الوطني التونسي هو اقتصاد غير مهيكل أو موازي منفلت من التقييدات التجارية والضريبية، ومنطق الترضية السياسية يمنع مواجهته، لأنه مستودع جمهور حزب النهضة.
ضعف الدولة وأدوات مراقبتها لا يمكنها من مطاردة التهرب الضريبي ، ما تتحصل عليه الدولة من الضريبة على الدخل يؤديه 92 في المئة من الأجراء ( الاقتطاع من الأجر ) و8 في المئة فقط هي ما تؤديه المقاولات… مهول كم الخصاص في مداخيل الدولة، أيضا تعثر إقرار مساطر الحكامة الجيدة يكلف المالية العامة ما لا طاقة لها بها… إصلاح تدبير المقاولات الوطنية متعثر،على سبيل المثال،الخطوط التونسية تئن من تراكم العجز الذي ينتج عن توظيف حوالي 9000 موظف لتشغيل 30 طائرة،و لأنها من المؤسسات الوطنية الاستراتيجية لم ينكب المقرر السياسي بعد على استصدار القرار في شأنها….
و مع ضعف الموارد الطبيعية و انعدام الحماس في الطاقة البشرية و انحباس الاستثمار الأجنبي و مع تعقد الحصول على مساعدات دولية أو من أصدقاء، حتى الدبلوماسية التونسية تعثرت و بقيت في حدود تصريف العاديات، بسبب تغيير الوزراء سبع مرات في خمس سنوات…الوضع مفتوح على التدهور إذا لم تتضافر جهود كل الفاعلين، لسن سياسية انقاذ وطنية، يشترك فيها الجميع، أولا بالوعي بالمخاطر و ثانيا بالاستعداد لمواجهة تلك المخاطر بكل التضحيات المطلوبة، و ثالث العوامل شحذ طاقة الإبداع في ابتكار الحلول لجزئيات المشكلات قبل كلياتها.
الشعب الذي ثار على الاستبداد كانت قوته في ثورته هي تفاؤله و ثقته في قدرته على انتصار إرادته في التغيير…ذلك الشعب لن يخضع للتشاؤم و لا لليأس و قواه السياسية و هي منه لن تسمح بالعودة إلى الوراء… و لو بعد عسر ستتوصل إلى أن الثورة هي ما تنجزه من تغيير في حياة الأفراد و في المجتمع، تغيير قوامه توفير شروط الكرامة ببعديها الاجتماعي والمعنوي…و سبيلها إلى ذلك ، في حالة وضع تونس، هو حفاظها على النفس الثوري الوحدوي الذي مكنها من توحيد الصفوف و من الصمود أمام جبروت بنعلي..بذلك النفس وحده تستطيع أن تعبأ الثورة بمعنى و بمنجز التغيير.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الخميس14 يناير 2015