يقاس عادة تجدر حزب سياسي ما وقوته بمدى شساعة هياكله وتنظيماته، وبمدى فعالية هذه التنظيمات وتحقيقها للأهداف التي أنشئت من اجلها )بدءا من الأجهزة المحلية كالفروع والأقاليم والجهات إلى الأجهزة الوطنية المركزية( بالإضافة إلى كل التنظيمات الموازية النسائية والشبيبية والقطاعية.
ويعتبر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في هذا المجال من أهم الأحزاب المغربية على مستوى تجدر التجربة التنظيمية، ولعل أهم ما يبصم القيادة المركزية للحزب حاليا هو تلك الدينامية غير المسبوقة في مجال إعادة البناء التنظيمي: ففي مدة زمنية قياسية انعقد ما يفوق سبعين مؤتمرا إقليميا، ومؤتمرا الشباب والنساء وكذا مجموعة من المؤتمرات القطاعية على المستويين الوطني والمحلي.

إن هذا الحراك التنظيمي الاستثنائي –على أهميته- لم يحقق النتائج المتوقعة منه، ليس فقط على مستوى نتائج الاستحقاقات الأخيرة ولكن –وهذا هو الأهم في تقديري- على مستوى الإشعاع والقرب والحركية الحزبية في مختلف الأقاليم وعلى مختلف الواجهات الاجتماعية والاقتصادية والاحتجاجية، إذ لا يمكن أن نتجاهل المفارقة الواضحة بين حركية المركز وشرود تنظيمات المحيط، وكأننا أمام اختلال هيكلي بين القيادات الوطنية والمحلية، والحال أن سلامة الحياة التنظيمية وسيولتها تقتضي المسايرة والمواكبة والاشتغال المتوازي على كل المستويات والواجهات.
إن هذا الوضع )غير طبيعي( يسائلنا بشكل عام ويسائل المنضوين والمنضويات تحت مختلف مستويات تنظيماتنا بشكل خاص، لعلنا نتعرف على طبيعة الأعطاب والاختلالات التي نعاني منها.
أمام هذه الدهشة ينبثق السؤال: ما الذي يعطل فعالية وفاعلية هياكلنا الحزبية؟ خصوصا وأن هذا التعطيل لا يترجم الدينامية المسجلة على مستوى المركز ولا يشي بانسجام وتساوق على مستوى المحيط. ولعل ما يضاعف من حجم الدهشة المولدة للسؤال هو ذلك التسابق المهووس عند المناضلات والمناضلين نحو تحمل المسؤوليات التنظيمية، تسابق قد تنعدم فيه أحيانا التقديرات الموضوعية للمعايير المعتمدة في رجل أو امرأة التنظيم، فغالبا ما تخلف المحطات التنظيمية الكثير من المتذمرين والغاضبين ليتم تبادل تهم الإقصاء والإبعاد والإنزال… فيولد الجهاز معطوبا فاقدا لنصف حظوظ نجاحه على مستوى الفعالية والإنجاز.
إذا كان هذا الوضع خطيرا بالنسبة للمؤسسة بشكل عام، فهو في اعتقادي أكثر خطورة بالنسبة لحزب حامل لتاريخ حافل وتجربة تنظيمية ممتدة في الزمان والمكان بشكل وازن كحزب الاتحاد الاشتراكي.
ولأن التنظيم ليس مجرد كيان منغلق، ولأنه ليس غاية في ذاته، ولأنه بناء وظيفي يبرر وجوده الأهداف الإشعاعية والاستقطابية التي وضع من أجلها نحتاج اليوم إلى وقفة تأملية تستدعي إعادة التفكير في العنصر البشري والاستعانة بمقاربات علم إنسانية تساهم في فهم الظاهرة ومعالجتها.
إن أي تنظيم حزبي )من مكتب الخلية إلى المكتب السياسي( هو جماعة يفترض بين أعضائها التفاعل والانسجام وهو ما يسمى بدينامية الجماعة التي جعل منها علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي موضوعه الأساسي. فدينامية الجماعة هي نظام من السلوكات والعمليات النفسية والاجتماعية التي تحدث داخل جماعة اجتماعية ما. وتعتبر الغاية الأساسية من دراسة ديناميات الجماعة هي فهم وتفسير سيرورات السلوكيات المفضية إلى صنع القرارات.
إن الجماعة Groupe وحدة اجتماعية تتكون من عدة أشخاص يتم بينهم تفاعل اجتماعي وتأثير وتأثر على المستويين المعرفي والانفعالي ويؤلف بينهم نشاط متبادل، على أساسه تتحدد أدوارهم وتتوزع مسؤولياتهم وفق مجموعة من القيم والمعايير المعلنة قصد إشباع حاجاتهم كأفراد وسعيا لتحقيق أهداف الجماعة.
لذا لا تقوم الجماعة عند ذوي الاختصاص إلا إذا توفرت الشروط التالية:
وحدة الغرض والأهداف
فرص النمو والتطور وإشباع الحاجات
قيام العلاقات بين أفراد الجماعة على المودة والتعاون والاحترام المتبادل
قيام الجماعة على الحد الأدنى من الشرعية )بمقتضى القانون والتنظيم(والمشروعية )الأهلية والاستحقاق(
ضرورة توفر قيادة، الخيط الناظم للجماعة، مع أكبر قدر ممكن من الانضباط للقيادة والاعتراف بها
ويشترط في الجماعة أن تقوم بشكل قصدي وأن تكون ضامنة لاستمرارية مختلفة المدى، تماما كما هو الشأن بالنسبة لجماعات التنظيمات في الأحزاب السياسية.
وتتجلى الدينامية في مجموع الأفعال وردود الأفعال التي تحدث بين أفراد التنظيم باعتباره جماعة من خلال المواقف المختلفة التي يتعرض لها، المجسدة لمدى التفاعل الاجتماعي. فتوصيف الجماعة بأنها بنية أو كل دينامي يتحرك نحو هدف أو أهداف، يعني أن أي تغير في جزء منها يؤدي إلى تغيرات في المكونات الأخرى وأن لسلم الاعتماد المتبادل بين أعضاء الجماعة أهمية بالغة بالنظر لما يترتب عنه من تأثير وتداعيات، إذ يمكن لهذا السلم أن يسير في اتجاه التصدع والتفكك، أو في اتجاه الالتئام والوحدة والتماسك وذلك على قاعدة كيف وطبيعة سبل تدبير التفاعل الاجتماعي والنفسي داخل الجماعة وكذا انطلاقا من مدى وضوح وإلحاحية وأولية الهدف أو الأهداف المنشودة، فكلما وضع فرد ما نفسه في موقع الهدف، متماهيا على المستوى الذاتي الضيق مع المشترك العام للجماعة، متمثلا الجماعة فيه بدل أن يتمثل ذاته في الجماعة، كلما ساهم في تفكيك الروابط القائمة بين مجموع العناصر المكونة وذلك لأنه يخل بمبدأ أساسي وهو ضرورة التواجد على نفس المسافة من الهدف.
لم يعد ممكنا إنشاء التنظيمات الحزبية بعيدا عن المقاربات التنظيرية للعلوم الإنسانية في مجال دينامية الجماعة. فإذا كانت هياكلنا مجموعات بشرية فإن دينامية الجماعات تعتبر اليوم علما قائما بذاته يأخذ له كموضوع دراسة المبادئ والقوى المختلفة المتحكمة في الجماعات والمحددة لمختلف سيروراتها بفعل وفضل مجموع التفاعلات المفترضة والفعلية، تفاعلات -كما أشرت- يمكن أن تسير وفق منحنيين، يمكن أن تسير بالجماعة في اتجاه التقدم والنمو ونشدان الهدف المتواضع عليه وتحقيقه، وقد يأخذ المنحنى شكل صراع وتنافس يؤدي إلى انحدار الجماعة وجمودها وربما حلها قبل الأوان أي قبل إنجاز الهدف المشترك الذي قامت على أساسه الجماعة في المنطلق.
وهكذا يتبين أن دينامية الجماعة ليست معطى بديهيا، فهي مسألة نسبية ومشروطة تتدخل فيها مجموعة من العوامل رصدها بالدراسة علم الاجتماعي الأنتروبولوجي وعلم النفس الاجتماعي في إطار تثمين أهمية العنصر البشري داخل الجماعة: فعلى مستوى شخصية الأفراد، تتطور جماعة وتتنامى قدراتها عندما يتوفر فيها أكبر عدد ممكن من الأفراد الحاملين للسمات الإيجابية المتعاونة، ذوي الآراء والمبادرات الشخصية، المتمتعين بالقدرة على تقديم المقترحات وبالفعلية في تنفيذ المخططات، أفراد يجمعون بين القدرة على إنتاج المقترح النظري والمهارة في مجال الآليات الإجرائية، هم أفراد ينجزون بقدر ما يتكلمون. فكلما منحت الجماعة هذا النوع من الشخصية، واتسعت دائرة هؤلاء وشكلوا النواة الصلبة للجماعة الإيجابية، كلما ضاقت دائرة الأفراد ذوي الطاقة السلبية والآراء الصلبة والتوجهات الذغمائية الميالين لكثرة الكلام والنازعين نحو السيطرة.
ومعلوم أن لثقافة الأفراد وتكوينهم وتجاربهم الشخصية والتنظيمية وكذا أساليبهم في التنافس على القيادة والمناصب، معلوم أن لذلك أثرا واضحا على رجحان هذا النوع من الشخصية أو ذاك.
عند الحاجة أو الرغبة في تنزيل هذه المقاربة العلمية لدينامية الجماعة على واقع تنظيماتنا الحزبية يعترضنا السؤال: هل نحن واعون بأهمية مكونات الجماعة وبالمسارات الممكنة لها أم أننا نظل متمسكين بالآلية الديمقراطية بشكل صوري أجوف تغيب عنه مميزات الأفراد واستعداداتهم؟
منذ سنة 1965 طور العالم بروس تكمان نموذجا للجماعة )التنظيم الحزبي ونحن بصدد محاولة التنزيل( يقوم على خمس مراحل، يتم إنجازها بشكل ترتيبي
مرحلة التأليف forming وهي أولى المراحل لتأسيس الجماعة، بمقتضاها يجد الأفراد أنفسهم مع بعضهم داخل المجموعة، يتظاهرون بالحماس والاتفاق والتعاون ويبدون استعدادا للقدرة على العمل المشترك
مرحلة العواصف storming وهي مرحلة ساخنة ) لا أقول دافئة( يتقابل فيها الأفراد ويتواجهون كل من منطلق خلفياته )غير المعلنة غالبا( وكل حسب إمكاناته وزوايا تقديره للأشياء وذلك من أجل تحقيق الهدف، إنما من دون أي تنسيق أو توالف مسبق، مرحلة تطفو فيها الفردانيات وتكثر فيها الاختلافات.
مرحلة التوافق norming وهي مرحلة بناء العلاقات بين مكونات الجماعة )كتابة إقليمية مثلا( فيها يكتشف الأفراد قدرات بعضهم البعض، يدركون الاختلافات بينهم، يتقبلونها بل يوظفونها ويشرعون في التدبير الإيجابي لها، يتعلمون درسا أساسيا وهو أن تحقيق هدف الجماعة يستدعي هذا الثراء المتجسد في الاختلاف ويعترفون بالمهارات والكفاءات الفردية ويحاولون وضعها في مسلك التكامل بدل الصراع والتصادم.
مرحلة الأداء performing وهي نتيجة للمراحل السابقة يشتغل فيها أعضاء الجماعة كفريق واحد، تتجه إرادتهم جميعا نحو ذات النقطة، مرحلة يطبعها إلغاء التفاصيل وتجاوزها للاتجاه نحو ما يؤلف بين الأفراد والابتعاد عن الخلافات الجانبية وذلك حتى يتم التركيز على الهدف المنشود هدف الجماعة، إنها مرحلة تعميم الهدف، إنها أكثر مراحل الجماعة عطاء، تسجل أعلى درجات الدينامية يقع فيها نوع من التماهي الإيجابي: قيمة الفرد نابعة من الجماعة وقيمة الجماعة قائمة على مكوناتها.
مرحلة الانفضاض adjouring مرحلة حل الجماعة وذلك بعد الانتهاء من إنجاز المهمة المسندة إليها: أي بعض تحقق الهدف. إنها مرحلة وجدانية قوية مفعمة بالقيم الإنسانية النبيلة، تهيمن عليها مشاعر الحزن نظرا لانفصال أعضاء الجماعة عن بعضهم وإعلان نهاية العمل المشترك، يتوجها الاعتراف المتبادل بين الأعضاء بكل ما نهله بعضهم من بعضهم خلال مسارات الجماعة.
يتضح من خلال ما سبق، وفي سياق تنزيل المقاربة العلمية النظرية على واقع تنظيماتنا الحزبية أنه كلما غابت الشروط المرافقة لمراحل الجماعة، كلما قلت فعالية وفاعلية التنظيم، وكلما انزوى إلى مجرد بناء صوري يحمل بداخله عوامل الهدم المبكر أي قبل حدوث الانسجام وقبل الالتفاف حول الهدف المشترك ليظل الوجه الصارخ للجماعة هو الصراع وليتم تثبيت مرحلة العاصفة.
إن التنظيم الحزبي في تقديري، يفترض أن يكون أقدر الجماعات على النجاح فأفراده لا يلتئمون من فراغ، إذ لا تجمعهم الصدفة وذلك نظرا لحجم وأهمية ما يؤلف بينهم بشكل قبلي على المستوى الفكري والإيديولوجي والتنظيمي، مع كل ما يتوقع في ذلك من دعم إضافي وفعلي لإنجاح مراحل تطور الجماعة. بالإضافة إلى أن هذا المشترك مدعو لإذابة الفوارق بين الأفراد على المستويات المهنية والعمرية والثقافية والاقتصادية … على المستوى الأفقي لتصبح فرص الأداء الجيد وافرة.
فما العمل ليتحقق ما نتوقع، أو بعض ما نتوقع.
لكي تكون هنالك دينامية تنظيمية حقيقية يتعين القطع مع المؤشرين الصوري والعددي، فلابد أن نخضع تنظيماتنا لمقومات دينامية الجماعة التي يطبعها التفاعل والتكامل والنمو وتترجمها النتائج على مستوى بلوغ الأهداف )الإشعاع، التأطير، الاستقطاب، مرافقة مختلف الاحتجاجات الاجتماعية المشروعة…( وقد يتطلب ذلك الاستفادة من ذوي التكاوين الأكاديمية والكفاءات الميدانية والمهاراتية حتى من خارج المؤسسة الحزبية.
كما يتعين أن نراجع الثقة المطلقة والصورية في الآلية الديمقراطية بصدد تكوين الأجهزة، كما لو كان الجهاز أو التنظيم غاية في ذاته، لابد أن نعزز هذه الآلية بعملية تكوينية استباقية تكشف عن القدرات وتظهر ذوي الاستعدادات لهذا النوع من المهام، فاليوم علوم دراسة سمات الشخصية تساعد في كشف مدى ملاءمة الأفراد للمهام الموكولة إليهم.
نحتاج في تنظيماتنا –تعزيزا لدينامية الجماعة- إلى الارتقاء بسبل التواصل الداخلي باعتباره الخيط الناظم للجماعة، فداخل العمل التطوعي كثيرا ما تغيب عندنا لغة التثمين والتشجيع والشكر والاعتراف وغيرها من عبارات التقدير الإيجابي للمجهود المبذول ليسود جو التوتر والجلد المنذر بالقابلية للانفجار وتعطيل الأهداف الحقيقية للجماعة.
تتطور الجماعة، ومعها التنظيم عند الاعتماد الواعي للنقد البناء والموضوعي الذي يسير في اتجاه تيسير وتطوير سبل بلوغ الأهداف دون الإخلال بمبدأ احترام السلطة الرمزية للقيادة ) قيادة التنظيم(، فالأمر يتعلق في المنطلق بقرار الأفراد وعليهم أن يلتزموا بقرارهم. إن اللجوء لهدم السلطة بوعي أو بغير وعي، ولاعتبارات معلنة أو غير معلنة هو تعريض البناء العلائقي للأفراد للعبث والفوضى. إن هذه الثورة على النسق تعلق مرحلة الأداء، فقد يقع فيها نوع من التحويل الإنحرافي اللاواعي في ذهن الفرد حيث يصبح الهجوم والمهاجمة والطعن في القيادة أسلوبا للاشتغال، هذا إذا لم يعتبره صاحبه أسلوبا ثوريا للنضال. وتترتب عن هذا التحويل الانحرافي مجموعة من التداعيات تحد من فعالية التنظيم: يتم تعطيل »الأداء« وتمديد عمر مرحلة » العاصفة « وقد يصل الأمر إلى انفضاض التنظيم قبل إنجاز الأهداف. إن ذلك يفوت في الغالب الفرصة للوصول بالجماعة لمرحلة التعاون والتعارف المتبادل، إذ لا يستطيع القائد أن يستثمر كل إمكاناته وأن يطور ويرتقي بكفاءات الفريق إلا إذا توفر جو من الالتزام والاحترام والثقة المتبادلة حتى يتمكن القائد من معرفة مختلف سمات الشخصية والأنماط السلوكية التي تميز كل عضو داخل الفريق. وعلى كل فرد أن يتعرف على إمكاناته وأن يعترف بها وأن يضع معارفه ومهارته في مجال محدد مخصوص يساهم من خلاله في إنجاز أهداف الفريق، إذ لا يجوز أن يتم تقاسم المهام بشكل إداري، مزاجي أو محاباتي لأن ذالك ينعكس سلبا على أداء الفريق ويقلص من دينامية الجماعة.
لا أريد لهذه القراءة التنزيلية الأولية أن تكون قراءة فوقية اختزالية، فلاشك أن الحياة التنظيمية تتأثر بعوامل متعددة، خارجة عن التنظيم ذاته أحيانا، وأقوى منه أحيانا أخرى، إلا أن الاهتمام بالتنظيم من منظور دينامية الجماعة والانفتاح في هذا المجال على ما تقدمه العلوم الإنسانية ارتباطا بأداء المؤسسة، يظل إحدى الأولويات الأساسية لتطوير فاعليته وفعالية مؤسساتنا الحزبية التنظيمية لنكون بعدها قد شرعنا فعلا في الإجابة عن السؤال: ما العمل لتصبح تنظيماتنا أكثر فعالية؟

*الجمعة 15 يناير 2016