الاديب سليم النجار الاردني

بعد قراءة رواية «غرباء المحيط» للرِّوائية المغربيَّة بديعة الراضي، لا بدَّ من هاجس ينتاب القارئ، هاجس يثير عدداً من الأَسئلة: كيف تبني هذه المبدعة عالمها الرِّوائي؟ كيف تختار شخوصها؟ أَمكنتها. ولعلَّ هذه القراءة النَّقدية لا تشبع النَّهم لمعرفة هذا العالم، حيث تتوالى، شخصيَّات وأَمكنة، وحيث السياق الرِّوائي المتوالي وحيث القصُّ والتَّحول والمساحات الَّتي لا تميل في التقنيات إلى الصِّراعات الشكلانيَّة المعقدة، فتمتدُّ الرِّواية امتداد البحر، فيتاح لبديعة الراضي التعبير – وبسلاسة – عن قضايا الإنسان المغربيِّ والمرأَة المغربيَّة، على وجه التحديد، ورصد كافة التحوُّلات السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة. ولا يعني ابتعاد بديعة عن الصِّراعات الشكلانيَّة ابتعاده عن التَّجريب، بل إنَّ التَّجريب عندها «هو التوصُّل إلى إنتاج رواية عربيَّة، في ملامحها، وطبائع ناسها، وقضاياها، وجذورها، وتوجُّهاتها، وطرائف القصِّ الفنيِّ الَّتي تظهر بها «.
وقبل الدُّخول في تقديم قراءة نقديَّة لرواية «غرباء المحيط» لابدَّ من الإشارة إلى قضيَّة هامَّة أَثارتها الرِّواية، أَلا وهي التحليلات البنويَّة لعدد من الروايات الغربية في نهاية القرن الماضي، إن الفكرة التقليديَّة التي تقول بعدم وجود وحدة عضوية في الرواية لم تعد مبررة بعد الآن، فهذه الدراسات تبرز بجلاء أَن الخيط الموحِّد الذي يسرى في هذه الرواية تقوم على سلسلة من المتناقضات تشمل الموضوع وضدَّه، حسب تعبير «أندراس هموري» الذي نقله عن (ثيودور جاستر).
1- من السارد؟
1- 1- تتحلَّق الإشكاليَّة الأَساسية التي تطرحها رواية غرباء المحيط بتحديد هوية السارد، فمن هو السَّارد في هذه الرِّواية؟ وهل يظهر بوجه واحد؟ أَو بوجوه مختلفة؟ وهل يمكن الحديث عن سارد رئيس وسارد ثانوي؟
ما كان لهذا السؤال أَن يخرج لولا الالتباس الذي يغشي صورة السَّارد في رواية غرباء المحيط، أَو تعقد عملية السَّرد في حد ذاتها. فالرِّواية تبدأُ بفصل تسرد أَحداثه بعرض شخصية السَّارد (لم يكن حمدون يدري ذلك المساء، أَنَّه سيتوجَّه إلى المقبرة المحاذية لبيته. قال لصديقه حمان إنه يحسُّ بضيق كبير وباختناق، وأَنَّ حياته تجره نحو نهاية في منحدر قريب. كان صديقه بالكاد يفتح عينيه بسبب تناوله لكمية من الحبوب المهلوسه التي تباع علانية في رأس الدرب (ص 5).
وتنتهي بخاتمة يتجلَّى فيها سارد جديد لم يسبق أَن خاطب القارئ، ولكنَّه يحدِّد هويَّته فهو أَحد المهمَّشين الَّذين يمشون في قاع المدينة: (مدَّ حمان يده إلى جيبه للبحث عمَّا تبقَّى من حبات القرقوبي . جرَّ يده بصعوبة كبيرة لينقلها من جيب إلى آخر من سترته البالية المتَّسخة (ص 5) .
1-2 وبين هذين المستويين مستويات سرديَّة أُخرى، فتارة نحن إزاء ضمير متكلِّم على لسان حمدون، بطل الرِّواية الَّذي يتحوَّل إلى سارد يروي بعضاً من قصَّة على لسان الرواية: (قصة حمدون مختلفة بعض الشَّئ عن قصة حمان وحميدة. كان حمدون من عائلة متوسطة الدَّخل، والدته تملك متجراً لبيع البدل التقليديَّة النِّسائيَّة ورثته عن أَبيها، وكان المتجر يوفر لها دخلا معقولاً، كان زوجها عاملا بالقطاع السككي، كمشرف ميكانيكيٍّ على عربات القطار (ص 18).
وهو كذلك سارد اليوميَّات، فهو كاتبها وموضوعها، وهي نصوص مستقلَّة لا تعتبر فصلا ً من فصول الرِّواية الثلاثة عشر، إذ لا تحمل رقماً وإنَّما عناوين كاستهلال لبدايات الفصول، وقد جاءت في شكل مقطع سردي طويل وإن كانت شكلا قد جاءت في اسلوب متميز، تبدأُ بقيمة اجتماعية تتأَلَّق على شكل دراميٍّ – أَي صراع بين أَشخاص، وهي يوميَّات متفاوته الطول والحجم.
فهي لا تبدو مستقلَّه بنائيَّاً إذ هي بمثابة المقطع السردي الَّذي يحوي مجموعة من الوظائف السَّردية الأَساسية المتعلِّقة بحكاية حمدون، إذ تصف حياة حمدون في الموقع المهمَّش، وعلاقتها بمجموعة من الشخصيات من ناحية، والحدث الَّذي أَثَّر في حياة حمدون، والغريب أَن تلاحظ أَنَّ هذه الشَّخصية المركزيَّة الَّتي تسم غلاف الرواية، والَّذي رُمز له بالبحر، باعتبارها جزءاً رئيسيَّاً من الكلام معطوفاً في العنوان، لا تظهر إلاّ في اليوميَّات باعتبارها موضوعاً للخطاب وليس طرفاً فيه.
1-3 ويكون ضمير المتكلم كذلك، على لسان شخصيَّة مركزيَّة جديدة هي شخصيَّة سميرة التي تتحوَّل بدورها إلى سارد تروي قصَّة حياتها برمَّتها (تلك الليلة لم أَعد إلى بيتي، كان معطفي يحميني من برد البحر. بدأت أَجرُّ رجلي على الصُّخور المجاورة. تابعت سيري وأَنا أُفكِّر في سميرة. قلتُ: كم من سميرة في هذا الوطن؟ وكم من نسائنا قادتهنَّ ظروفهنَّ إلى المستقبل المجهول؟ وهل يمكن للفقر أَن يصبح مطيَّة لكلِّ هذا الجبروت؟ (ص 67) .
بيد أَنَّ هذا المستوى من السَّرد يظلُّ في تقاطع مستمرٍّ مع المستوى الأَوَّل الَّذي يستعمل فيه السارد ضمير المتكلِّم على لسان حمدون وهو يؤدِّي في هذه المقاطع السَّرديَّة المتعلِّقة بقصَّة سميرة ثلاث وظائف أَساسية، فهو من ناحية سارد، وهو من ناحية أُخرى متلقٍّ إذ يسمع القصَّة الَّتي يرويها حمدون ويتفاعل معها، وهو من ناحية ثالثة طرف في الخطاب، إذ يسأَل ويحرِّض ويعلِّق على القصَّة الَّتي يستمع إليها.
ثم نجد في النِّهاية مستوى خامساً في السَّرد متمثِّلاً في السَّرد بضمير الغائب، وهو الَّذي يهمين على السَّرد طيلة الرِّواية، إذ يفاجأ القارئ بظهور هذا الكائن الورقيِّ الذي أَبطأَ في الكشف عن ذاته، ثم يظهر ليثير القرَّاء «قل لهم يا حمدون، لا تخش شيئا.. انهض من تلك القيود التي دفنوكم فيها جماعات وقل لهم سننهض يوماً إنَّنا الظلُّ الَّذي لن يفارقكم حتى تكتبوا أَسماءنا فوق قبورنا، وتشهدوا أَنَّنا دفنَّا في أَرض هي أَرضنا في الواقع، والورق مزِّقوه واكتبوا الحقيقة في تاريخ يكتب بحبر الَّذي استُعمل كثيرا ليزوِّر واقعاً يرفض كلَّ هذا التَّزييف (ص 117).
2- مستويات السَّرد
2-1 إنَّ هذه المستويات المختلفة في السَّرد تثير من الإشكاليَّات الكثير، فالسَّرد تتنوَّع ضمائره، مما يثير التباساً، فهل نحن إزاء سارد مستقلٍّ ذي كيان خاص ورؤية خاصَّة للأَ حداث، أَم هو مجرَّد صوت من أَصوات حمدون السارد؟
إنَّ الإجابة عن السُّؤال لعسيرة فعلا، ذلك أّنَّ السَّارد بواسطة ضمير المخاطب يمكن أَن يفهم من ناحية كأَنَّه استمرار للسَّرد بضمير الغائب فالسَّارد الَّذي يتَّخذ من حمدون مسروداً باعتباره تجربه أَنجزت في زمن الحكاية وهو الآن يعيد ترتيبها وفق مقتضيات الخطاب، يحوُّل حمدون إلى طرف رئيس مباشر في الخطاب، يسأَله ويجادله بتهمة ويدافع عنه – فهو تارة يعلِّق على كلام حمدون الَّذي يرد في شكل حوار باطني، ساخراً كما يبدو لنا في قوله (بدأَ حمدون يشارك حمان تدريجيَّاً في مشاهده المسرحيَّة الواقعة على خشبة رأس الدرب الضيق. ضحك حمان حتى استلقى على ظهره، سقط، ثم نهض، ثم تعثَّر (ص 7).
وهو تعليق مباشر على جملة سابقة قالها حمدون: (شعر حمدون بنوع من الارتخاء، بدت له رجلاه تهتزَّان عن الأَرض، وجسده سيطير في الهواء (ص 6).
بيد أَنَّ محتوى الخطاب الذي يتبناه صوت السَّارد هذا يتغيَّر في مقاطع أُخرى ليصبح حليف حمدون وسنداً له يحرضه على الصُّمود (بدأَ حمدون يرقص، وحميدة تضرب بيده على قنينة بلاستيكيَّة. ازداد صياحهم، حتى بدأوا يرسمون دائرة امتزج فيها الغناء بالجذبة على شكل الخضرة التي تقيمها فرق تتقن هذه الطقوس (ص 11).
إنَّ الأَصوات السرديَّة كلَّها كانت بشكل من الأَشكال مورَّطة في حكاية حمدون، إذ لم تكن مجرَّد مستويات في الرِّواية بل تحوَّلت إلى كائنات ذات علاقة فكريَّة أَو أَيديولوجيَّة بالشخصيَّة المركزيَّة، فهي إمَّا متَّهمة أَو مناوئه أَو مدافعة ومساندة، لا بدَّ إذا من سارد محايد لا علاقة له بالقضيَّة التي عاش حمدون من أَّجلها ولا بالإشكاليَّة الاجتماعية الَّتي طرحها ليضع حدَّاً لهذه الحكاية، ولكنَّه يجد نفسه بدوره مورَّطاً، أَفلا يُعدُّ نشر هذه اليوميَّات بحدِّ ذاته موقفاً سياسيَّاً؟ فهو ينشر هذه اليوميات بعد أَنَّ كان قد قرأَها، وقد أَصابته العدوى، وهي عدوى الإحساس بالقرف والكراهية والجنون، وبذلك يكون نشرُها موفقاً سياسيَّاً وردَّ فعل عنيف على واقع واعياً به.
ولكن قبل أَن نختم هذه القراء النقديَّة، لا بدَّ من القول إنَّ الصيغ السرديَّة المتحدِّدة، الَّتي كانت في الرِّواية، تحاول خلق أَصوات متعدِّدة تتحاور فيما بينها وتتبادل المواقف وتسعى إلى تأسيس خطاب فوري يتناقض مع الخطاب الأُحادي الَّذي تريد الحكاية أَن تكرِّسه، وهكذا يتناقض كيفية عرض الحدث (تعدُّد مستويات السَّرد) الخطاب الحدثي ذاته، وهكذا تصبح بنية السَّرد بنية ذات دلالة عميقة يمكن أَن تتجلَّى في مستويات أُخرى مثل بنية الشُّخوص أَو بنية المكان والزمان.
تعد رواية غرباء المحيط للرِّوائية بديعة الرَّاضي أُطروحة أَيديولوجيَّة للرِّواية (أَيديولوجيا الكاتبة تكمن في مواجهة الوهم الأَيدولوجي بالتَّخييل (البديل) حيث يشتمل التَّخييل على الوهم (الأُطروحات الأَيديولوجيَّة في الرِّواية) فيمنحها شكلا محدَّدا، وبذلك يمكن التباعد عنها، ويكشف لنا عن حدودها فيسهم في تحريرنا من أَسر وهمها. وبذلك تضطلع رواية غرباء المحيط بوظيفتها الدلاليَّة، جماليَّاً وسوسيولوجيَّاً ومعرفيَّاً.

* أديب وناقد من الأردن