لم يعد السلوك العدائي لرئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، تجاه الحركة النقابية والاحتجاجات المطلبية يثير الاستغراب، حيث أصبح الأمر مألوفا لدى الرأي العام، الذي يتابع الأسلوب التهكمي والاستخفاف الذي يتعامل به للجواب عن كل ما تتقدم به النقابات وما تطرحه مختلف الفئات، التي تلجأ إلى سلاح التظاهر، للفت الانتباه إلى مشاكلها الاجتماعية والدفاع عن مواقفها ومقترحاتها.
وقد جمع بنكيران في هذا المنهج، بين توجهين:
الأول، معروف لدى الأحزاب اليمينية، في مختلف بقاع العالم، التي تتبنى فلسفة ليبرالية متطرفة، وتعتبر أن الأولوية ينبغي أن تمنح لسيادة الرأسمال وهيمنته المطلقة، في مواجهة الشغيلة والمطالب النقابية، كما تسعى باستمرار، ضمن نفس الفلسفة، إلى رفع يد الدولة وتخليصها من التزاماتها تجاه المجتمع، بتخليها التدريجي عن التشغيل أو عن دعم المواد الأساسية أو عن الزيادة في الأجور، أو التخلص من واجبات الحماية الاجتماعية…
أما الثاني، فهو التعامل مع الفئات المستضعفة بمنطق الصدقة والإحسان، كما لو كان الأمر يتعلق بتسول جماعي، و ليس بحقوق مواطنة، على الحكومة أن تعالجها في إطار احترام كرامة الناس. بل أكثر من ذلك، فإن رئيس الحكومة يواجه المطالب النقابية المشروعة، عبر الدعاية لنظرية «الرعاية الاجتماعية»، لبعض الفئات الفقيرة، كبديل عن الحوار مع النقابات وتلبية مطالبها.
الخلفية السياسية والإيديولوجية لهذه الرؤية، يبررها بنكيران وصحْبُه، بأن الشعب راضٍ عن سياستهم، ويقدمون مبررا لذلك، بالنتائج التي يحصلون عليها في الانتخابات، كما لو كان 24 مليون ناخب قد صوتوا على حزب العدالة والتنمية، فيما الأمر يتعلق بما يفوق المليون صوت فقط، وهي نسبة لا يمكن الركون إليها للإدعاء بنظرية الاكتساح الانتخابي أوالتمثيلية المطلقة للشعب.
أما على المستوى الإيديولوجي، فإن هذا المنطق لا يختلف عن كل الأساليب «الأبوية»، التي تعني سيادة علاقات الخضوع والتبعية، في إطار ديماغوجي يصورها كما لو كانت علاقات عطف ورحمة، على الضعفاء، الذين يتم استنزاف قواهم وهضم حقوقهم ، والتراجع عن مكتسباتهم وإغراق حركاتهم الاحتجاجية في الدم، وفي المقابل، يكون الجود عليهم ببعض الفتات على شكل إعانات، سواء عمومية أو «خاصة»، مقابل أصواتهم الانتخابية.

  • عمود بالفصيــح
  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  • الاثنين 18 يناير 2016