لن نجانب الصواب إذا ما جازفنا بالقول أن الأمين العام ، للعدل والإحسان الأستاذ العبادي لا يعرف «جاك لاكان»، المحلل النفسي والامتداد العلمي لسيغموند فرويد، لكن من المحقق أنه سيتفق، من حيث المبدأ ، مع قولته ” الحوار ، بذاته، هو في ما يبدو إعلان عن التخلي عن العدوانية”.
فقد دعت«العدل والإحسان» إلى حوار وطني، يتبين من خلال البيان الختامي للمجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورته 19 المنعقد يومي السبت والأحد 14/14 يناير الجاري أنه موجه إلى كافة القوى الوطنية..الحية. وقد ورد فيه بالحرف:« تجديد الدعوة لكل القوى الحية لفتح حوار وطني حول مستقبل المغرب لتجنب الكارثة التي يقود إليها المخزن وأعوانه البلاد بفعل السياسات الفاشلة وشلل المؤسسات الشكلية»..
والواضح أن الحوار يتم على قاعدة موضوعة سلفا :التوجه نحو الكارثة!
الكارثة نفسها، هي التي تحاور باسمها و معها وزير الداخلية محمد حصاد في البرلمان عندما نَسَبَ احتجاجات الأساتذة الغاضبين إلى «الجماعة اللي كاتعرفو».
وهي الكارثة نفسها التي اعتمدها رئيس الحكومة وهو يتكلم عن «الخراب الذي يجره التضامن غير المحسوب»..!
نحن أمام معادلة غريبة في الحوار السياسي: الجماعة تتحدث عن كيان هلامي – المخزن-ويواجهها وزير الداخلية بتوصيف بلا مسمى – الجماعة اللي كاتعرفوا-ويعدهما رئيس الحكومة بنتيجة غير محسوبة – الخراب!
ولا شيء من مقومات حوار سياسي مبني على معطيات أو ماشابه.
بالنسبة للجماعة ، أياما قليلة من بعد الحوار، تصدرت الأخبار الوطنية… في تركيا!
بعد أن تم منع أو توقيف مؤتمر أكاديمي تنظمه الحركة حول الشيخ وأفكاره وفلسفته في الدين والدنيا.
يبدو هذا من صميم نشاط الجماعة وحيويتها، لكنه أيضا ، من باب الصدف الماكرة يحيل على مفارقة عميقة: الحوار الذي دعته إليه، رحلت به إلى تركيا، وصرنا، مرة أخرى أمام مفارقة «لاكانية» بامتياز:
أنا أوجد حيث لا أفكر وأفكر حيث لا أوجد!
تلخيصا لقولته: “Je pense à ce que je suis, là où je ne pense pas penser”ومن مفارقات الحوار، هنا هو أنه يتم حيث لا يوجد من يفكر فيه، ومكوناته المفترضة.. مطالبة بالانتقال إلى فضاء آخر غير الفضاء الذي توجد فيه لكي تفكر فيه..
وكما ننشر في هذا العدد، وتناقلته العديد من المنابر، كانت الجماعة تنوي عقد مؤتمر حول أدبيات الشيخ ياسين رحمه الله، وحول فكره
ببلاد اردوغان، لكنه تم منع السي أرسلان فتح الله من دخول البلاد وتم توقيف الملتقى..
فصرنا نحن أمام مرآة تحليل نفسية في التفكير.
ما يقال عن العدل والإحسان إحدى أكبر مكونات الفعل السياسي، بغض النظر عن مفارقة الوجود والتفكير (حتى هي موجودة في فضاء رسمي لا تفكر من خلاله وتفكر من خلال فضاء غير رسمي غير موجودة فيه!).
وللحقيقة فإن الحوار، في المغرب يستحق سيرة خاصة به…
ألبير كامو، الذي علمنا أن العبث جزء من تفسير الحياة، أو لعله الجزء الأساسي في تفسير أكثر لحظاتها تراجيديا، (مثل القتل في رواية الغريب)، يعلمنا أيضا أن لحظات الوضوح وصفاء الذهن ، قد تعني أحيانا أن نعوض الحوار بإصدار البلاغات.
فقد قال صاحب الغريب “إننا واضحين فقد عوضنا الحوار بالبلاغ”…
هذا ما يحدث في الكثير من الحالات السياسية، ومع الحكومة أيضا..
ذلك ما يحصل اليوم حول مشاريع السياسة القادم منها والمقبل..
فالفاعلون السياسيون يتبادلون الحوار عن المغرب القادم عبر ..رسائل وليس الحوار المباشر المؤسس على قواعد لعب وبوجوه غير مقنعة..
فإما هو تعامل عبر الندوات التي تنتهي ببلاغات..
وإما محاضرات تنتهي بدورها ببلاغات لا تكون بالضرورة مكتوبة..
أو أن الحوار يتم بدون الحاجة إلى المٌحاوِر، وتلك من قمم الإبداع السياسي المغربي..
رجل الصناعة الفرنسي بيرتراند «كولومب» لخص منذ قرابة 14 سنة ،مجريات الحوار الاجتماعي في المغرب اليوم ، عندما صرح في بداية الألفية الثالثة بأنه« كلما زدنا من إصدار التشريعات ، كلما قل الحوار الاجتماعي..»!
وهو ما يحدث مع رئيس الحكومة، الذي يختار، في كل لحظة أن يتقدم نحو إصدار التشريعات (المراسيم في التربية،مشاريع القوانين في التقاعد )..فيضمحل الحوار بين الشركاء.
ويبقى معناه بدون معنى، ومجرد تفصيل ممل في علاقة عدوان من جهة واحدة!
في الحوار السياسي نميل أكثر إلى أن يتحدث كل واحد، تباعا،بمعنى أن الحديث الأحادي يتم من طرف المتحاورين، الواحد تلو الآخر، وفي النهاية نكتشف أنه ليس حوارا، بل هو مونولوغ متكرر بين أناس متقابلين..
وفي الكثير من الأحيان، يكون الحوار على قاعدة بسيطة، إذ يكون الذي يقابل صاحب السلطة المؤسساتية في وضع الخاسر منذ البداية، ويتم تحميله تبعات (صائر) الجلسات، إذا هو لم يصل إلى النتيجة التي يريدها المُحاوِر: أي الإقرار بأن عليه أن يعود إلى وضع المخطيء!
وأحيانا مفارقاته تتجاوز كل تصور:عندما يتحول «الوسطاء» بين المتحاورين الى «شركاء»، وسرعان ما ينقلبون إلى “خصوم”، في دورة دراماتيكية غير مفهومة، ثم نزيد الوضع عبثا ونتساءل:لماذا فشل الحوار؟
لكي يُنْتج الحوار حصيلة ملموسة يجب أن يكون موضوعيا، والحال أن “الفضاءات الموضوعية” للحوار عادة ما تكون فضاءات غير رسمية ، فما لا تقوله في البيت والمدرسة والحزب والنقابة والمسجد .. إلخ تقوله في مقهى أو في حانة أو في جولة مفتوحة أو في مطعم.. على حد تصنيف رولان بارط..
وكثيرون يعترفون أنهم – في الفضاءات الرسمية- يتحاورون بنصف اللغة… أي حوار طرشان بأفكار كتومة!

  • عمود كسر الخاطر
  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  • الاثنين 18 يناير 2016