على الرغم من أن التراجع القياسي لأسعار النفط في الأسواق الدولية، أدى في العام الماضي إلى انخفاض قيمة فاتورة الطاقة بمبلغ 26 مليار درهم، أي بمبلغ يعادل تقريبا نصف المداخيل السنوية لقطاع السياحة، وعلى الرغم من استفادة الواردات المغربية من تراجع فاتورة المنتجات الغذائية بنحو 6 ملايير درهم، نتيجة الموسم الفلاحي الجيد وأيضا بفضل انخفاض أسعار المنتجات الغذائية في الأسواق العالمية..فإن كل هذه العوامل الإيجابية وما وفرته للحكومة من هوامش للحركة، لم تنعكس على السياسات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة على مستوى التشغيل وتحفيز النمو الاقتصادي، إذ واصلت الحكومة نهج سياسة تقشفية متشددة ومرتبكة، الشيء الذي رفع من حدة التوتر الاجتماعي، كما يتجلى ذلك في العديد من الملفات آخرها ملف أساتذة الغد.
وكسابقاتها، كانت 2015 سنة التقشف بامتياز ، خلالها نفذت الحكومة وعيدها برفع الدعم نهائيا عن المحروقات الأساسية ، عدا البوتان ، وهو ما مكنها من اقتصاد 10 ملايير درهم ، غير أن إجراء الحكومة هذا، ما كان ليمر بردا وسلاما، لولا تراجع سعر النفط في الأسواق الدولية . ومع ذلك، فقد عم الغلاء وارتفاع الأسعار أغلب مناحي الحياة الاستهلاكية للمغاربة ، الذين تأثرت قدرتهم الشرائية سلبا بالضغوط الضريبية التي فرضتها الحكومة على لائحة طويلة من المواد الاستهلاكية ، وهو ما أكدته جل التقارير الوطنية التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط حيث ارتفع المؤشر العام لأسعار الاستهلاك على مدار السنة بأزيد من نقطتين ..
إن ما يميز برنامج عمل الحكومة خلال 2016 هو تركيزه على تقليص العجز الموازناتي في الوقت الذي يتجلى فيه بشكل ظاهر للعيان ارتفاع الضغط الضريبي و تنامي ثقل المديونية، حيث أن تحملات الدين ارتفعت إلى درجة باتت معها تتجاوز قيمة الاستثمارات العمومية، ما يجعل السياسة الاقتصادية كما هي مخطط لها في آخر سنة من عمر الحكومة تشكل استمرارا لسياسة التقشف المعمول بها في المغرب منذ مجيئها عام 2012.
قد يكون رئيس الحكومة تلميذا نجيبا في أعين السيدة كريستين لاغارد، من حيث وفاؤه بما وعد به صندوق النقد الدولي ، أي تقليص العجز الموازناتي من 7 إلى 3.5 في المائة ، بيد أن نجاح هذه المهمة لا يعود إلى مجهود حكومي يهم إبداع حلول سياسية جديدة في أفق تحسين نموذج النمو الاقتصادي، بقدر ما يرجع في جزء منه إلى سياسة التقشف المعتمدة على حدة الضغط الضريبي على الأجور ونفقات استهلاك الأسر ـ فيما يعود الجزء الآخر إلى عوامل خارجية مرتبطة بالأسواق الدولية و لافضل للحكومة فيها .

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الجمعة 22 يناير 2016