في هذا الحوار الذي اجرته جريدة الاتحاد الاشتراكي مع المحلل السياسي والمؤرخ الموساوي العجلاوي بمناسية ذكرى تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي تحل يوم 25 يناير 2015، لامس فيه العجلاوي بنظرة المؤرخ والمحلل الأكاديمي والسياسي ضرورات قيام حزب القوات الشعبية وخروجه إلى الوجود، ثم المخاض العسير الذي عرفه حزب الاستقلال، كي تأتي هذه الولادة الطبيعية لهذا الحزب اليساري، الذي سيلعب أدورا سياسية في التاريخ السياسي بالمغرب، ويعرج المؤرخ كذلك على الشخصيات والقيادات الوطنية التي لعبت أدوارا عملية وفكرية وتنظيرية لهذا المولود الجديد في الساحة السياسية بمغرب الاستقلال، كما يحلل المراحل السياسية والمحطات التي مر منها حزب الاستقلال للوصول إلى تكوين حزب القوات الشعبية.

* اولا بحكم أنكم أكاديمي ومؤرخ تشتغل على التاريخ والوثائق، كيف ترون تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟ وما هي ضرورات قيام هذا الحزب اليساري في فترة نا بعد الاستقلال؟

* عرف الاتحاد الوطني ، نظرا لطبيعة مكوناته، ولخصوصيات المرحلة الممتدة بين 1956 و1959 ، مسارا غامضا ، فلم تتضح هويته الإيديولوجية والسياسية منذ مرحلة التأسيس ، واستعراض الأحداث المرتبطة بالاتحاد الوطني من 1959 إلى 1972 ، يبرز أن وحدة الرؤية والوضوح الإيديولوجي كانت غائبة في الأحداث المرتبطة بالحزب . ولم تساعد أيضا مكونات المرحلة على أن تجعل من الاتحاد أداة سياسية حقيقية ، إن لم نقل العكس ، أي أن هذه المكونات فرضت ، لأسباب داخلية وأخرى خارجية ، على الاتحاد اختيارا وحيدا .
جاءت تشكيلة الاتحاد من أعضاء المقاومة وجيش التحرير ومن الاتحاد المغربي للشغل ، الإطار الذي كان يمثل الطبقة العاملة ، ومن النخبة المتعلمة آنذاك .
صدرت في ماي 1972 ، إبان الإعداد لقرارات 30 يوليوز 1972 ، وثيقة تحث عنوان : التجربة النضالية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية I : الاتحاد قبل 1962، وتطرقت في المقدمة إلى « ضرورات قيام الاتحاد وظروف تأسيسه « ، وحددت الوثيقة ثلاث ضرورات :

1 ) « رعاية المد الثوري بالمغرب وتعميق أبعاده وتوسيع مداه ، وإنقاذه من مؤامرات الحكم الإقطاعي والبورجوازية العميلة التي كانت تستهدف تمييعه وتصفيته ، ومعروف أن المد الثوري بالمغرب قد بلغ أعلى مستوى ما بين 1951-1955 ، تحت قيادة المقاومة وجيش التحرير ، وقد تعرض لمؤامرات التصفية بعد الاستقلال مباشرة ، فكان لابد من إحباط هذه المؤامرات بتأسيس منظمة ثورية تستقطب كافة العناصر التقدمية الثورية بالبلاد ، مع أوسع الجماهير لمواصلة مسيرة الكفاح التحرري « .
2 ) « توفير السند الشعبي الواسع المنظم للبرنامج التحرري الذي أعدته وشرعت في تنفيذه العناصر التقدمية في الحكومة التي كان يرأسها عبد الله إبراهيم ، والعمل على تحقيق هذا البرنامج و تجذير العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما كان سيحقق لبلادنا وفي اقرب وقت التحرر الاقتصادي والإفلات من قبضة الاستعمار الجديد ، و يهيئ الظروف الملائمة لانطلاقة اشتراكية سليمة يتوسع مداها باستمرار « .
3 ) « قطع الطريق على الحكم الإقطاعي في محاولته تدشين الديمقراطية المزيفة في البلاد ،بعد أن استطاع تمييع الحياة السياسية سواء بخلق أحزاب صورية أو بالدفع ببعض العناصر الساذجة إلى عصيان مسلح يخدم مصالحه ومصالح الاستعمار ، ويعرض النضال الهادف لجماهير شعبنا للدخول في متاهات وخيمة العواقب ، كل ذلك في وقت نجح فيه الحكم في إقامة جهاز إداري بوليسي يعمل طوع يديه ، ويمكنه من صياغة نتائج « الانتخابات « على الشكل الذي يريده «

* هل يمكن أن تفصل للقارئ، كيف كان تأسيس حزب القوات الشعبية مرتبط بالتفاعلات السياسية الوطنية الموضوعية والذاتية المرتبطة بالتنظيم الحزبي آنذاك حزب الاستقلال؟

* تسارعت وتيرة الأحداث بسرعة على الصعيد الحزبي خصوصا بعد تنصيب حكومة عبد الله إبراهيم في 24/12/1958 ، الشيء الذي دفع ببن بركة ، وما كان يعرف بالجناح اليساري لحزب الاستقلال إلى التفكير في خلق تنظيم جديد . ويظهر أن الطلاق وقع في صيف 1958، إذ اتضحت النوايا من خلال خطاب المرحلة ، بالنسبة للعناصر التي تزعمت الانفصال عن حزب الاستقلال ، ويمكن أن نلتقط الإشارة الأولى في 31 يوليوز 1958 ، حيث ألقى بن بركة ، الذي كان فاعلا أساسيا في هذه المرحلة ، محاضرة في تطوان تحت عنوان : « نحو بناء مجتمع جديد «، وهي محاضرة طويلة جدا ( 32 صفحة ) أقرب إلى تقرير إيديولوجي ، يقوم فيها المهدي بن بركة بقراءة نقدية للتاريخ وللمجتمع المغربي ، فهو يتحدث عن « مجتمعنا القديم « وأثر الاستعمار عليه ، وعن « الصدمة التاريخية « و « العقدة النفسية « ، و « الوعي السياسي « ، و» الوعي الروحي والاجتماعي « ، وأن « مجتمعنا الحاضر يحتاج إلى تطور « ، و» كيف سنبني مجتمعا جديدا « . وبعد ذلك شرح بن بركة الطرق الكفيلة بتحقيق بناء المجتمع الجديد ، من تطوير للفلاحة وللتصنيع ، وتنمية الإنتاج ، وخلق حركة تعاونية في الميدانين الفلاحي والصناعي ، وتطوير التعليم والتكوين الفني والتقني ، والتوزيع العادل للدخل القومي . وأكد بن بركة أن شرط نجاح هذا المشروع تكمن في « الإيمان بضرورة بناء مجتمع جديد « ، وأن ذلك لن يتأتى إلا بثلاث شروط :

« 1 ) التوفر على قيادة حكومية وشعبية مخلصة قوية حكيمة تفرض احترامها على المواطنين بإخلاصها ونزاهتها وكفاءتها .
2 ) وضع التصميمات لتحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعمل على تنفيذ هذه التصميمات بدقة .
3 ) مشاركة الشعب في وضع وتنفيذ ومراقبة هذه التصميمات وذلك بواسطة المؤسسات الديمقراطية من مجالس قروية وبلدية و مجلس وطني منتخب «
وانتهى بن بركة إلى بيت القصيد في محاضرته ، إذ كشف عن ملامح المرحلة المقبلة ، عندما أكد : « وإننا اليوم في حاجة إلى أداة فعالة لخلق هذا الوعي في الشعب (…) وأعتقد بأن الأداة الجديدة يمكن أن تكون هي نفس أداة الأمس ولكن مع تغيير وسائل العمل لأن معركة اليوم غير معركة الأمس ، فلقد خضنا بالأمس معركة من أجل الاستقلال ، ويجب أن نخوض اليوم معركة سلمية من أجل بناء مجتمع جديد ، ولكن تلك الأداة التي كانت صالحة بالأمس للحرب يجب أن تتحول لتصبح اليوم صالحة لوقت السلم . لذلك فإن هذه الأداة لن تكون صالحة إلا بعد إحداث تحوير فيها (…) وهذا الدافع يجعلنا نشعر بضرورة إحداث انقلاب داخل حزبنا لنجله قادرا على القيام بمهمته الجديدة. فينبغي أن يتكون لدى العاملين الشعور بالحاجة إلى الانقلاب داخل الحزب لأن هذا الشعور سيجعلنا ندرك بأننا في طريق تحقيق هذا الانقلاب..»

*بمعنى التأسيس للاتحاد الوطني للقوات الشعبية جاء كحاجة وضرورة موضوعية ساهمت فيها قيادات وطنية وازنة في حزب الاستقلال آنذاك؟ فكيف تطورت الأحداث والمراحل التي تم قطعها في بلورة هذا الإطار الحزبي الذي خرج من رحم حزب الاستقلال؟

* نعم بدأت حركة تنظيمية جديدة داخل حزب الاستقلال بعد حوالي خمسة أشهر على محاضرة تطوان ، فقد انعقدت تجمعات موسعة في مختلف المدن المغربية يوم 25 يناير 1959 ، أعلن فيها عن عزل قيادة الحزب ، وتأسيس « الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال « والتي ستشكل فيما بعد ، بتاريخ 6 شتنبر 1959 ، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . وشكل منبر الطليعة والتحرير فيما بعد الواجهة الإعلامية لتصريف خطاب التنظيم الجديد . واستهدف الخطاب بالأساس الطبقة العاملة وأعضاء المقاومة وجيش التحرير.
يقول محمد البصري عن هذه المرحلة : « واتجهت الإرادة نحو تعدد المكونات الحزبية ، واستيعاب المكونات التي لم يكن الحزب قائما عليها في المرحلة السابقة . وهكذا تأسست الحركة الجديدة على مكونات المقاومة والنقابة والطلاب كما فتح الحوار آنذاك مع حزب الشورى . وقررنا وضع حد لكل الأساليب التي كانت ترتكز على تخوين الذين لم يساهموا في معركة الاستقلال تحت شعارات معينة ، وكذلك الابتعاد عن تلك المركزية الصارمة التي كانت تقضي بإبعاد كل من لم تكن له علاقة بحزب الاستقلال …» ( الاتحاد الاشتراكي 5 / 1 /1999 )

*وماهي الأسماء الوازنة التي ساهمت في التنظير والدفاع لخروج هذا الحزب إلى حيز الوجود في الساحة السياسية الوطنية إلى جانب المهدي بنبركة؟

* دعني أقول لك على أن خطاب محمد البصري كان غداة الإعلان عن تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال واضحا في الدفاع عن التنظيم الجديد ، فقد كشف في محاضرة له عن عنف لفظي ضد القيادات السياسية وأن الكفاح السياسي الذي دام عشرين سنة « يصول ويجول فيه القادة التقليديون كل حسب مشتهاه ، وحسب اجتهاده في حين أن الجماهير الشعبية لم تكن في هذه الفترة إلا آلة منفذة لما يمليه عليها هؤلاء القادة الذين أصبحوا يتمتعون بثقة عمياء من طرفها « ( الطليعة عدد 143 بتاريخ 10 فبراير 1959 ) . وبعد أن أشار إلى دور محمد الخامس في قيادة معركة التحرير ، ألح على أن القادة السياسيين لم يعتبروا الدروس التي مضت ، بعد أن كان الشعب كريما ، وأعاد لهم الثقة . بل أنهم – حسب البصري – سلكوا نفس الطريق ، وفي هذا الإطار أتت محاولة إصلاح الحزب في 1955 ، التي انتهت إلى الفشل . وأن الإصلاح الفعلي انبثق يوم 25 يناير 1959.
وصرح المهدي بن بركة لجريدة « الحياة الفرنسية « قبيل اجتماع المجلس الوطني للجامعات المتحدة ، بحديث ، عن حركة 25 يناير . فقد أجاب عن سؤال : لماذا تكونت يوم 25 يناير الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال ، بما يلي : « أود قبل كل شيء أن أبدد التباسا أوليا ، فإني لست منشئ حركة 25 يناير ، وهذه الحركة انبثقت من القاعدة كما أمكن أن يتأكد الجميع من ذلك ، ليس لها أي طابع شخصي، وأن هذا الخلط ناتج عن كوني أعلنت عن استقالتي من اللجنة التنفيذية ليلة 25 يناير التي كنت قررت منذ شهرين تقديمها ، ومن هنا نشأ الخلط الذي عمل على ترويجه بعناية كاملة ، أولئك الذين يأبون أن يروا في هذه الحركة مجرد نزاع بين شخصين بن بركة و علال ( الفاسي ) . والواقع أن هذه الحركة ثورة قام بها الأعضاء العاملون في صفوف هذا الحزب ضد القيادة التي عجزت عن تحقيق التغيير المنتظر منذ ثلاث سنوات « ( التحرير 5/4/1959 ) . وعن سؤال : لماذا التغيير ، ولماذا ترونه ضروريا ، أجاب بن بركة بما يلي : « لقد تطور حزب الاستقلال من حركة تحرير إلى حزب حكومي ، فقد كانت تنتظره مهام جديدة ، إذ أن تشييد دولة عصرية يترتب عنه مسؤوليات وطنية ومسؤوليات دولية ، فالتعبئة العامة للجماهير صارت لامناص منها ، يجب دائما تهيئ المواطن لتحمل رسالته الجديدة وتكوينه، ومن جهة أخرى فقد تغير هيكل الحزب ، فمنذ سنة 1952، أصبح لزاما تغيير ظروف العمل التي لم تعد موافقة كما كانت سنة 1944 « ( المصدر السابق ) .

*هذا يعني تـأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لم يأتي كمغامرة ذاتية، بل ساهم في الدفاع عن أطروحة التأسيس العديد من القياديين عمليا وفكريا بارتباط مع التحولات السياسية الوطنية والجهوية للمغرب في تلك الفترة؟

* أي نعم فنجد مثلا نفس الخطاب أيضا ، في محاضرة ألقاها عبد الرحمان اليوسفي في مدينة القنيطرة. قال اليوسفي : « أما عن أزمة الحزب ، فهي أن أغلبية حزب الاستقلال ثاروا ضد قيادة الحزب التي أظهرت عجزها ، ففي سنة 1944 ، كان حزب الاستقلال هو حزب الجماهير من عمال وصناع وتجار. وفي هذه الفترة تكون الوعي الوطني ، إلا أن القيادة لم تستطع مسايرة الجماهير (…) فكانت حوادث غشت 1953 ، وأصبح الشعب بلا قيادة شرعية ( ملكية ) ، وبدون قيادة حزبية ، وهنا أظهرت الجماهير الاستقلالية نضوجا كبيرا ، واتجهت نحو الطريق الحقيقي الذي سيؤدي حتما إلى الاستقلال. وحصل المغرب فعلا على استقلاله بفضل جهاد الطبقة الشعبية ، فكانت الجماهير تظن أن قيادة الحزب ستستمر في طريق صالح ، فوقع العكس ، والذي حصل هو أن القيادة استعملت رؤوس الأموال التي كان يدفعها الشعب في صالح أفرادها ، فرأى الشعب أن الزعماء يتلاعبون ، واتضح للجميع حينئذ أنه لابد أن يقع تغيير في الحزب ، وهنا سلبت الجماهير ثقتها من قيادة الحزب ، فكانت الحركة المباركة في 25 يناير 1959 . « ( التحرير 8/5/1959 )
اجتمع المجلس الوطني للجامعات المتحدة لحزب الاستقلال بالرباط يومي 11 و12 أبريل 1959 ، وفيه قدم محمد الفقيه البصري عرضا ، يبرز الأسباب التي أدت إلى إنشاء الجامعات المتحدة :
« لقد كان المشجع الحقيقي لقادة الحزب لأن يرتموا في مغامرة -مثل هذه- ما كان يوجد عليه الحزب ، سواء في نظامه أو في توجيهه ، الشيء الذي جعل مراقبة حياة الحزب لقادته غير متيسرة ، نظرا لنظام المفتشين الذي يوجد عليه الحزب إذ ذاك ، والذي جعل من الجماهير مجرد أداة للاستغلال ، في المادة وفي جمع الاشتراكات والأعشار والجلود ، ومجرد أبواق للدعاية تستعمل لتقديس هذا أو ذاك ، وتكوين سمعة لهذا وتحطيم الآخر ، كلما تجرأ على الملاحظة أو الانتقاد ، مما جعل المسؤولية كلها سواء أكانت حكومية أو وطنية تتمركز في أيدي أناس لم يسبق لأغلبهم في يوم من الأيام أن استمد ثقته من القاعدة الشعبية من الخلية إلى الجماعة إلى المؤتمر.» ( التحرير عدد 11 بتاريخ 13 أبريل 1959 ).