لقد دأبت السلطة عندنا على تنظيم انتخابات محلية ووطنية، لكن هل أدَّت هذه الانتخابات إلى تداول فعلي للسلطة مركزيا ومحلِّيا؟ وهل نتجت عنها تحوُّلات اجتماعية؟ وهل أفضت إلى إفراز نخب سياسية جديدة؟…

لا أحد يجادل اليوم في أنه لم ينجم عن الانتخابات في بلادنا تغيير كبير على مستوى التشكيلة الاجتماعية والسياسية للسلطة، ما يعني أنَّ هذه الانتخابات لم تفرز نخبا سياسية جديدة، كما لم تؤدي إلى تداول فعلي للسلطة ولا إلى إنتاج مشاريع تنموية مفيدة لأغلبية الشعب المغربي والوطن… وهذا ما جعلها لا تعرف مشاركة شعبية واسعة، حيث أخذ العزوف عنها يتزايد في كل انتخابات جديدة، ما يدل على يأس أغلب المغاربة من حدوث أيِّ تغيير أو تحوٌّل ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع التي صارت الأموال الفاسدة والطائفية والقَبَلِية تتحكم في نتائجها… والتصويت مقابل المال، أو لصالح الطائفة أو القبيلة لا يمكن أن تنجم عنه مؤسسات تمثيلية ديمقراطية، حيث إن الديمقراطية لا يمكن أن تنهض أبدا على هذه الكيانات التقليدية…

لذلك، يرى أغلب المتتبعين للشأن العام ببلادنا أن غاية الحاكمين من وراء تنظيم هذه الانتخابات هو فقط إكساب المؤسسات القائمة شرعية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. هكذا تحوَّلت الانتخابات في بلادنا إلى غاية في ذاتها هدفها تزيين المشهد السياسي فقط، ما جعلها صورية لا ينجم عنها أي تحوٌّل، بل تفرز فقط مؤسسات شكلية تابعة وعاجزة عن القيام بأي دور تشريعي أو سياسي أو تنموي حقيقي… وإذا كانت الانتخابات مدخلا لممارسة الديمقراطية، فإنها في بلادنا تظل مجرد كلمة بدون معنى، إذ رغم تنظيمها في بلادنا، فإننا بقينا نراوح مكاننا دون أن نرى أي تغيير اجتماعي أو ديمقراطي عميق…

لكن، لا يمكن لهذا الجمود السياسي أن يضمن الاستقرار، كما لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. وهذا ما يفسر حالة الاحتقان التي تزداد يوما بعد يوم. لذلك، فإن الاعتقاد بأن غياب المؤسسات الديمقراطية يضمن التوازن والاستقرار غير صحيح، لأنَّ هذا الغياب يُنتجُ الفراغ وكل الأمراض الثقافية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تفتك بالمجتمعات والأوطان.

إضافة إلى ذلك، يؤكد الباحثون أنه توجد في كافة مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قوى خفيّة “محافظةً” داخل السلطة ترفض التحوُّل الديمقراطي، وتسعى إلى استمرار الأمور على حالها حتى لا تبرز مؤسسات ديمقراطية قوية تنافسها، إذ هناك تناقض بين الأهداف المعلنة لهذه القوى وأهدافها الخفية. وهذا ما جعل بعض الباحثين يَرَوْن أن البنيات الاجتماعية والسياسية والإدارية والقانونية للدولة تحول دون التحول الديمقراطي، ويستنتجون أن منطق هذه البنيات يعمل فقط على تلبية حاجات الحاكمين لتمكينهم من استمرار بسط سيطرتهم على الدّولة والمجتمع… لكن ما يتم نسيانه أو تناسيه هو أن غياب الديمقراطية يساهم في توفير تربة صالحة لتزايد النفوذ الأجنبي وتنمية الصراعات الداخلية التي تهدد بتصدُّع الكيان الوطني…

فضلا عن ذلك، تشكّل الأمية عائقا في وجه البناء الديمقراطي، إذ لا يمكن تصوّر نجاحه في مجتمع يتفشى فيه الجهل… فالديمقراطية ليست هي مجرد تنظيم انتخابات، بل إنها أيضا حرية التعبير والتفكير والتنظيم والتظاهر وحق الاختلاف، ووعي المواطن بحقوقه وواجباته، واحترامه للقوانين… ويمكن أن يستغل أعداء بلادنا الداخليون والخارجيون تفشي الأُمِّية والجهل بين مخلف شرائح المجتمع، لتوظيف أي نُزوع يمكن أن يزرع الشقاق بينها، وتحويلها ضد نفسها وضد بعضها البعض عبر الزجَّ بها في مواجهة البناء الديمقراطي والتنمية ومصالح الوطن…

كما ينبغي ألا ننسى أن جذور الثقافة العربيَّة- الإسلامية السائدة حاليا تمتد إلى البداوة في الجزيرة العربية التي وصفها المؤرخ البريطاني، أرنولد توينبي، بأنها “حضارة متجمدة”عصيَّة على التغيير والتطور. وهذا الامتداد هو ما يفسر سيادة العلاقات الأبوية بين أفراد المجتمع وجماعاته ومؤسساته… تبعا لذلك، فللبنية الثقافية والاجتماعية لمجتمعنا دور أساسي في الحيلولة دون التحوُّل الديمقراطي، إذ لا يمكن بناء الديمقراطية في بيئة اجتماعية وثقافية يطغى عليها التخلف… ولذلك نجد أيضا أن البنية الثقافية التقليدية لمجتمعنا التي تحكم سلوكات الأفراد والجماعات ترفض مفاهيم الديمقراطية والإصلاح والتغيير والرأي المخالف… مما أدى إلى طغيان العلاقات القَبَلِية والطائفية على حساب المواطنة وقيَّمها التي تعدُّ شرطا أساسيا للانفتاح والتحديث المجتمعي والسياسي…

لقد صار أكيدا أن مجتمعنا يعرف تهميشا للمثقفين والأطر والنساء والشباب الذين يتطلعون إلى تحديث الدولة والمجتمع ودمقرطتهما، كما أنه يتَّسم بضعف مؤسسات المجتمع المدني رغم أنها مؤسسات للتربية على الديمقراطية وتوعية المواطنين… وإذا كان مجتمعنا يتوفر على عدد لا بأس به من الجمعيات المدنية، فإنها لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب، نظرا للقيود التي تفرضها عليها السلطات الإدارية بشأن تأسيسها ونشاطها… كما أن أغلبية هذه المنظمات تابعة للسلطة وللأحزاب التي لا تمتلك هي الأخرى قرارها. أضف إلى ذلك أن أغلب الجمعيات المدنية تتمركزُ في المدن الكبرى…

علاوة على ذلك، يُمارَس حيف كبير في حق المرأة، حيث لا تعكس مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية حجمها الحقيقي في المجتمع. ويعود ذلك إلى خصوصيات التاريخ السياسي والثقافي لبلادنا، وإلى قِيَّم المحافظة التي تتحكم في عقلية المجتمع، وتسيطر على جزء كبير من “الطبقة السياسية”…
ورغم صدور قوانين لضمان تمثيلية نسبية للمرأة في “المؤسسات المنتخبة”، فإن تمثيليتها تبقى محدودة جدا، كما يؤخذ على هذا التطوّر الكمّي الرمزي في التمثيل النسائي أنّه جاء أحيانا على حساب الكفاءة السياسية…
فوق ذلك، يشكل ظهور الإسلام السياسي عائقا في وجه الديمقراطية، حيث يؤدي التشدّد الديني إلى إلغاء الآخر وممارسة العنف ضد من يخالف تحقيق غايات أَدْلَجَةِ الإسلام الرامية إلى إقامة “دولة الخلافة الإسلامية” وتطبيق مبدأ “الحاكمية لله” على المدى البعيد. وقد يؤدي ذلك إلى خلق صراعات طائفية تأتي على الأخضر واليابس…
كما يساهم الانفجار الديمغرافي في إعاقة الانتقال الديمقراطي، حيث يلاحظ أن عدد السكان يتزايد بسرعة. ويقابل ذلك تدهور خصوبة التربة وازدياد الملوحة وشحِّ المياه وانتشار التصحٌّر واستفحال الأزمة المالية والاقتصادية وارتفاع مستوى البطالة وتفاقم المشاكل الاجتماعية… فلا يُوَلِّدُ الانفجار الديمغرافي ضغوطاً قوية جداً على الموارد الاقتصادية فحسب، ولكن أيضاً على الموارد المعنوية والثقافية المحدودة أصلاً.

وإذا كانت هناك علاقة وثيقة بين الاكتفاء الاقتصادي والاستقرار السياسي والتنمية البشرية والسِّلم الاجتماعي ونجاح البناء الديمقراطي، فإن غياب أحد هذه العوامل ينعكس سلبا على تأثير العوامل الأخرى. كما أنه من الصعب تحقيق التحول الديمقراطي بدون إيجاد حل جذري لمشكلة الانفجار السكاني الذي قد يؤدِّي وحدَه إلى كارثة مدمِّرة. ويجب ألا نغفل أن التزايد السكاني، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية، قد يفجر الألغام الموجودة في البنية العميقة للمجتمع من خلال إشعال الصراعات الدموية الطائفية والمذهبية والعرقية في المجتمع…
وتكمن أيضا أزمة الانتقال الديمقراطي في هشاشة الأحزاب وتبعيتها، والضعف المهول للتنظيمات الديمقراطية وغياب التقاليد والممارسات الواضحة والثابتة التي تميزها وتُهيكلها… هكذا أصبحت الزعامات الحزبية تشارك في العملية السياسية اعتمادا على الأعيان بغية الاستفادة من الريع فقط، لأنها لا تنظر إلى الانتخابات باعتبارها فعلا من أجل برنامج سياسي حقيقي للتحويل الاجتماعي والسياسي…

لقد أدى ضعف الأحزاب وتبعيتها وعدم قدرتها على الاستجابة لمطالب الأغلبية الساحقة من الشعب المغربي إلى ظهور حراك اجتماعي متنوِّع ومستمر من خارج الأحزاب السياسية له مطالب مشروعة قد يؤدي إلى اصطدامات اجتماعية قد تقود إلى مآزق خطيرة…