نسيْنا ، بدون عناء كثير أن “كريستيان طوبيرا” ليست صديقةً لنا، ولا تحبنا
ولكننا عانقنا موقفها البطولي وهي تترك السلطة على متن دراجة هوائية..
نسينا أن هذه المرأة سيدة سياسية وقفت على طرف النقيض من مصالحنا، وهي تغذي درجات التوتر في علاقاتنا بباريس، لكننا سرعان ما اجتمعنا علي تحية قامتها الاخلاقية وهي تغادر الحكومة ، بدون أن تكون هناك مأساة..ودراما أو تردد!
لقد نسينا العداء لأن العدو(ة) امتلكت أخلاقا نثمنها ونُعْليها ونرفع من يتحلى بها إلى مقام المثال الذي يحتذى!
ستكون أول امرأة – بل أول شخصية -تدخل التاريخ على متن “بيكالا -بيسكليت”!
وقد دخلت قبل التاريخ ، قلوبَنا نحن الذين انقتدناها وكدنا نكرهها لأنها كانت تميل الى توتير العلاقة معنا، لفائدة جيران لنا لهم معها قرابة ..
نسينا لأننا نفضل عدوا له أخلاق على صديق بدون أخلاق.!
نفضل امرأة تعادينا دفاعا عم تعتقده مصالح بلادها، على أناس بيننا بناء على ما هو مصلحتهم الشخصية.
كريستيان لم تغادر على متن …فضيحة!
لم تخلف وراءها فاتورات في نفقات البهرجة والتزيين و”التْفَرْويح..” الخاوي..
خلفت وراءها احترام الشعوب التي تجاور شعبها.
واحترام من اعتبروها عدوة..
طبيعي أن يقال ذلك عن دولة فيها الأخلاق السياسية مبدأ جوهري..
لكنها مع ذلك رحلت بناء على تأويل جاد للصمود، وبعبارة دخلت بها التاريخ وهي بعد لم تغادر عتبة الحكومة!
قالت إن » المقاومة احيانا تعني البقاء، واحيانا تعني الرحيل. انسجاما مع نفسي ومعنا، من اجل أن تكون الكلمة الفصل للأخلاقيات والقانون .«.
ظلت السيدة تقاوم قانونا اعتبرته لا يتماشى مع قناعاتها الجمهورية وأن التأويل الأمني لسلامة الجمهورية لا يليق بها وبانتمائها، حتى وهي تخوض المعركة تحت راية حزبها اليساري..
رفضت قانون اسقاط الجنسية عمن يشتبه في انتمائهم الى الحركات الارهابية.
بالرغم مما في القانون من مسحة ساخرة،:لنتصور ارهابيا فرنسيا وهو يضع الحزام الناسف حول خصره، ويتأهب لتفجير نفسه ومن بجوارها، وهو خائف من إسقاط الجنسية..!
بدا لها أن الأمر كورقة توت لا بد من أن تسقط..
لم نسمعها ُتْقسم بأغلط الايمان..
لم نسمعها تهدد بأنها ستغادر الموقع بالرغم من خلافاتها السابقة مع رئيس الدولة والحكومة مجتمعين، وفي ذلك تناقلت كل الوكالات الخبر ووضعت بروفيل خاص للوزيرة الاديبة..
و قرأنا أنها كانت منذ أشهر على خلاف مع سياسة الرئيس واعربت مرارا عن معارضتها لقانون التعليم وتبني سياسة اقتصادية ليبرالية وتبني اليسار “مقولات اليمين” في مجال الامن، لكنها ظلت في منصبها.
وزادت اعتداءات يناير و نونمبر في باريس من عزلة وزيرة العدل السابقة، المحبة للشعر والأدب، والتي ما كان يمكن لخطابها التقدمي سوى أن يخلق حالة صدام في ظل حالة الطوارىء.
ولطالما تعاملت المناضلة السابقة سليلة السود من اجل الاستقلال في بلدها الاصلي غويانا، وصاحبة الثقافة الانسانية الرفيعة والمؤهلات التي تضاهي العديد من السياسيين الفرنسيين بهدوء مع الهجمات التي استهدفتها.
فالمرأة ذات القامة القصيرة والنظرة الثاقبة الحريصة على ارتداء بدلات انيقة وعلى تجديل شعرها وجمعه، لطالما لجأت الى الشعر والأدب والفلسفة والقانون المدني في استشهاداتها.
ولكن بقاءها في الحكومة بات غير ممكن ومثلها رحلت وجوه اخرى من “يسار اليسار”.. مثل بنوا هامون ووارنو مونتبرو او سيسيل دوفلو قبل وقت طويل وبات بقاؤها يؤثر سلبا عليها”.
كان من الممكن أن تجد لنفسها ورشا من الاوراش، أو تجد مبررا من المبررات ولا تغادر…
كاان من الممكن أن تعتبر أن بلادها في هذا الظرف “الحرج” في حاجة اليها والى قوتها وإلى تماسك الاغلبية وأن استقالتها من الحكومة استقالة غير مسؤولة ..!
كان يمكن ألا تستمع الى صوتها العميق وتزيد قليلا في حجم الصوت الرسمي وفي راديو السيارة الرسمية الفارهة..
كان يمكن ألا تعلن الاستقالة وتعلن عدم علمها بما تم
وتقسم بأنه..”مافراسهاش”..
لكن رأسها ليس مثل الرؤوس الآخرى، إنه “كدية” غويانية!
لكن يبدو أنها لا تملك غربالا لكي تخفي به الشمس كما نفعل ذلك بكفاءة عالية!
لقد كان أول ما صرحت به، هي أنها لن تدخل المنافسات الاولية لاختيار مرشح اليسار الفرنسي !
المرأة التي جالت صورتها وهي امام باب الوزارة على متن دراجة هوائية،اكتشفت مكانتها في الساحة السياسية الفرنسية بدون الحاجة الى ..أي منصب وزاري أو مشروع سياسي في الذهاب نحو النصر الجمهوري.
لم تغادر الحكومة لكي تكون راديكالية، كما يحدث لبعض زملائها في اليسار عبر العالم.
عندما أنهت وجبتها من الطعام السياسي “مسحت فمها” كما يقول أهلنا في الريف وقامت إلى دراجتها…ولم تَرْنُ إلى شيء آخر.
كانت تنظر الى التاريخ والى ضميرها..عندما يستحيل التعايش تحت سقف الجمهورية المفتوح..
لن تكون للفرنسيين مصيبة في خروجها كما حدث لآخرين نقلت الصحافة الفرنسية عنهم، عبر “ليغينيول”،(الدمى الساخرة) أن الذين يخرجون من مأدبة الحكم، يتحولون إلى راديكاليين.. وربما وهم ما زالوا يمضعون ما علق بفمهم من خير حكومي وسياسي ومؤسساتي (يجرُّون بلغة البادية)..ويجدون فراغا في الفم المليان لكي يحدثون الناخبين عن الفشل في المشروع السياسي الذي كانوا هم المستفيدين الوحيدين منه!
عجييييييييب..أمرها!
فهي التي كانت وراء انقسام المجتمع الفرنسي في المشروع الخاص بالزواج للجميع والذي فتح تسوية قانونية للزواج المثلي، وكانت على طرف النقيض وعلى جبهة الصراع مع المحافظين والمحافظين الجدد واليمين واليمين المتطرف، وهاهي تغادر الحكومة التي منحتها ذلك دفاعا عن .. الأكثر تطرفا من المحافظين اليمينيين في فرنسا، الدفاع عن الفرنسيين الذين يحبون تفجير موتهم وشهوات القتل فيهم!
أحيانا يكون الانتظار بطولة، لكن توبيرا قالت عبارة الختم “أحيانا تكون المقاومة بالرحيل”..

 

*عمود كسر الخاطر

  • جريدة الاتحاد الاشتراكي
  • الجمعة 29 يناير 2016