تحاول السلطة في الأغلبية الساحقة من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تٌروِّج أن أنظمتها السياسية تعدُّدِية، حيث تُّعَلِّلُ ذلك بتنظيمها لانتخابات تقول عنها “إنها ديمقراطية”… لكن أغلب المتتبعين لاحظوا أن هذه المنطقة لم تتأثر برياح التغيير كما حدث الأمر في بلدان أوروبا الشرقية ومعظم دول أمريكا الجنوبية وآسيا وبعض البلدان الإفريقية، ما جعلهم يؤكدون أن التحوُّل الديمقراطي في هذه المنطقة يبقى إشكاليا بكل معنى الكلمة. فما يزال الحاكمون فيها لا يقرُّون بضرورة صدور السلطة عن الشعب، وبحق هذا الأخير في المشاركة في تدبير شؤونه العامة والتعبير عن رأيه في ذلك وغيره، فرديا وجماعيا. وبذلك، لا يزال أهل السلطة في هذه المنطقة يمارسون وصايتهم على شعوبهم رغم اختلاف خطاباتهم وأساليبهم في ذلك. فليست السياسة في هذه المنطقة شأنا للجميع، وإنما هي أمرٌ محصور على أهل الاختصاص، إذ لا يحق لأيّ كان التدخل في شؤونها من خلال ممارستها أو الإدلاء برأيه في قضاياها ومسائلها. فهي حِكر على مجموعة محدودة من أهل السلطة الذين يعتبرون ما عداهم غير أهل لذلك لكونه غير قادر، في اعتقادهم، على مجرد فهم المصلحة الوطنية، فأحرى ادِّعاء خدمتها والدفاع عنها…
من الملاحظ أن بعض الحاكمين بهذه المنطقة يقومون، من حين لآخر، ببعض الانفتاحات السياسية، لكنها لا تحدث تغيرا شكلا ولا مضمونا في السلطة ولا في المجتمع، لأنها ليست ناجمة عن قناعة حقيقية للسلطة بضرورة البناء الديمقراطي، بقدر ما هي ناتجة عن شعور بعض الحاكمين بوجود أزمة تتطلب انفتاحا سياسيا لإنقاذ النظام دون المساس بعمقه وجوهره…
نتيجة ذلك، يبقى هذا الانفتاح مجرد تحايل ومواربة لا غير، حيث أكد تطور الأحداث أنه لا يمكن المراهنة على هذا النوع من الانفتاحات، لأن واقع المنطقة ظل يعيد إنتاج نفسه منذ بضعة عقود. لذلك لا يمكن الاعتداد بهذا النوع من الإجراءات إلا عندما تؤدي إلى تحول فعلي يفرز تغيرا على مستوى التشكيلة الاجتماعية للسلطة… ويمنح لجميع أفراد المجتمع فرصة المشاركة الفعلية في القرار عبر بروز رأي عام مستقر ومهيكَل… أما التعدُّدية المُرَوَّضَة، التي تُقَيِّدُها السلطة وتُسَيطِر عليها، فهي لا تشكل تحوُّلا ديمقراطيا فعليا، لأن الانفتاحات السياسية المؤدية إلى التحوُّل الديمقراطي هي تلك التي تهدف إلى ممارسة قطيعة مع أيِّ نزوع تسلُّطي على الأفراد والمجتمع، والاعتراف للشعب بحقه في المشاركة الفعلية في تدبير شؤونه عبر مؤسسات ينتخبها دوريا بأسلوب ديمقراطي نزيه بعيدا كل البعد عن تدخل المال الفاسد في العملية السياسية…
لقد عَلَّق بعض سكان هذه المنطقة آمالا على بعض الانفتاحات السياسية الَّتِي عرفتها بلادهم، لكن التاريخ أكد أنه من الصعب القول بأنَّها تشكل بداية لانتقال لا رجعة فيه، لأنها لم تُقِر بشكل واضح وعملي مبدأ السيادة الشعبية. فقد تتم هذه الانفتاحات بناء على تفاهم بين السلطة وأطراف معينة في المجتمع نجحت في إثبات وجودها، حيث يكون هدف الحاكمين منها هو الخروج من مأزق معين، أو تجنب السقوط في مواجهة حتمية مليئة بالمخاطر وغير مضمونة العواقب، أو عرقلة تحالفات مجتمعية بين تيارات معارضة، أو ضمان انتقال سلس للسلطة في مناخ خال من انعدام الثقة بين السلطة والمعارضة قد يفضي إلى فقدان أغلبية الشعب للأمل في المستقبل…. هكذا، فإن هذه الانفتاحات لا تعني في العمق الاعتراف بحق مبدأ صدور السلطة عن الشعب، وإنما هي مجرد استجابة لأزمة متوقَّعة للنظام.
لا يقبل الحاكمون في هذه المنطقة تجديد أسس مشروعيتهم، إذ يرفضون أن يتم ذلك على أساس أي استشارة فعلية للمواطنين، بل إنهم يعارضون أن تُطرَح سلطتهم وسياستها اليومية لأية استشارة شعبية فعلية، لأنهم يعتقدون أنه لا دخل للرأي العام في ذلك. كما يريدون أن يُنْظَر إلى سلطتهم باعتبارها حقيقة قائمة كالشمس والقمر، حيث لا يطرحُ سطوعهما أي جدال أو نقاش، ولا يُمكن الاعتراض ولا تعريض الاثنين لأية مساءلة جراء ذلك السطوع…
وهذا ما يفسر رفض السلطة للسيادة الشعبية، واعتمادها مبدأ الأمر الواقع قاعدة للتعامل السياسي مع الأفراد والمجتمع، ما يعني أنها ترفض القيام بأي انفتاح سياسي حقيقي يفضي إلى تعدُّدية فعلية، لأن ذلك يقتضي تخليها عن المنطق الذي يحكم تفكيرها وممارستها، وهو منطقُ الوصاية على المجتمع. فالحاكمون لا يعترفون بما عداهم، وهم ينظرون إلى السلطة بكونها واقعة طبيعية وليست مسألة اجتماعية، ما يعكس رفضهم طرحها للنقاش والتفاوض عليها…
لكن قوانين الحياة تقتضي التغير المستمر للطبيعة والإنسان والمجتمع… وما دام الأمر كذلك، فلا يمكن لأيِّ مؤسسة سياسية أو اجتماعية أن تستمر في الوجود بدون التغير من أجل التكيف المستمر مع التحولات المحلية والدولية والعلمية… وهذا ما يُمكِّنها من تجديد ذاتها ومشروعيتها. وبدون ذلك، فإنها تفقد فعاليتها، بل لن تظل حيَّة… ويعود ذلك إلى أن عدم تحوٌّلها وتجدٌّدها يؤدي إلى تكَلُّسِها، فتتجمد دورتها الدموية، وتهرب منها الحياة…
لذلك لا تنهض سلطة الأمر الواقع على الديمقراطية، وإنما على الشوكة والقوة، ما يعني أنها لا تقبل بتطوير مؤسسات ديمقراطية يمارس أفراد المجتمع عبرها إرادتهم، كما أنها ترفض الخضوع لرأي الأغلبية أو الأقلية. فلا يرتاح لها بال حتى تدخلهما بيت الطاعة وتصبحان صوريتين أمامها. هكذا يغدو مستعصيا على هذه السلطة أن تتطور وتغير نفسها إلى أن تكتسب معنى التعدُّدية، وتقبل معنى التغيير والتحول الديمقراطي باعتباره تجسيدا للإرادة العامة وترجمة للشعور بالمسؤولية العمومية وتعميقا له. فمنطقها يتعارض مع منطق التغيُّر والتحَوُّل والتطور، حيث يشكل تجسيدا ساطعا لهوس الحاكمين بمنطق الثبات والاستمرار وثقافته…
تتميز النظم السياسية الديمقراطية عموما بتغيُّرات فعلية، لأنها شديدة الحساسية إزاء تنامي الضغوط الاجتماعية. والنظم السياسية لا تتطور، ولا تتقوى إلا إذا اعترفت بصدور السلطة عن الشعب. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيرى الباحثون أن العملية السياسية ليست حقيقية، وإنما هي واجهة شكلية للتغطية على قرارات ومؤسسات وأجهزة جاهزة الصنع…
ويعود ذلك إلى الضعف البنيوي للمجتمع التقليدي لهذه المنطقة الذي ساعد على نشوء التسلُّطية. لكن لا يمكن لهذه الأخيرة أن تعيد إنتاج نفسها إلا بقدر حيلولتها دون بروز أي فرصة تاريخية لاتخاذ أيِّ مبادرة داخل المجتمع والقضاء على شروط نموها فكرا وتنظيما حتى لا تفرز قوى قادرة على التغيير…

الاثنين 1 فبراير 2016