حلت يوم السادس من فبراير الذكرى الثالثة والخمسون، لوفاة المعلم الأول، لحرب التحرير الشعبية، محمد بن عبد الكريم الخطابي، وقد خلدت العديد من الجهات، كل على طريقتها، هذه الذكرى، مستحضرة تاريخه ومساره والأدوار العظيمة التي لعبها في تحرير جزء كبير من شمال المغرب، في أول انتصار عسكري يسجله العالم على الاحتلال الاستعماري.
و بالإضافة إلى هذا البعد الثوري، في ما أطلق عليه المؤرخون، حرب الريف، والدراسات التي كتبت حولها، لتحليل الأبعاد العسكرية والتاكتيكات القتالية المبدعة، التي تفتقت عنها عبقرية هذا القائد، والفريق المحيط به، فإن ما يثير الافتتان في هذه التجربة الفذة من تاريخ الشعوب، هو أيضا ما رافقها من تنظيم إداري وقضائي وجبائي، ليجعل منها لغزا محيرا.
هناك من رأى فيها جمهورية مستقلة، وهناك من اعتبر، مثل جيرمان عياش، في كتابه «حرب الريف»، أن محمد بن عبد الكريم الخطابي، كان مرغما على إنشاء دولة في المناطق المحررة، حتى يضمن وحدة القبائل، وينظم الحياة اليومية، ويحل المنازعات بين الناس، و يوفر الموارد المالية الضرورية للاستمرار، وينهي مع تردد بعض زعماء القبائل، في الولاء للثورة.
ويعتبر المؤرخ جيرمان عياش، أن ميلاد هذه الدولة الريفية، كان ضروريا، من أجل مواجهة القوى الاستعمارية، خاصة وأن رقعة المقاومة، اتسعت لتشمل العديد من القبائل، بما فيها جزءٌ من جبالة، حيث لم يبق الأمر يتعلق بالريف وحده، تتزعمه، قبيلة بني ورياغل، بل بكل المنطقة الشمالية تقريبا.
و هو ما يعتبره محمد العربي المساري، انتقالا من القبيلة إلى الوطن، في كتابه الذي خصصه لهذا الموضوع، والذي يعرض فيه العملية المعقدة لانضمام قبائل شمال المغرب إلى ثورة الريف، والتنظيم الإداري والقضائي، الذي أقامه زعيم الثورة، غير أنه اعتبر أن المؤسسات الريفية كانت مؤقتة، ريثما يتم تحرير التراب المغربي برمته، وعودة الأوضاع إلى طبيعتها.
ثورة «امحند» بن عبد الكريم الخطابي، ستظل تشغل العالم، وتستحق مئات الدراسات والأبحاث والأفلام الوثائقية، غير أن ما يدفعنا إلى الوقوف إجلالا لها أيضا، هي أنها منتوج صنعه المتطوعون من القبائل الشمالية للمغرب، بقيادة رجل عانق استقلال المغرب العربي، ورفض كل الامتيازات التي منحت له، وعاش أسَدًا، إنه الأمير الذي يجعلك تفتخر بأنك مغربي.

      *عمود بالفصيح

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الاثنين 8 فبراير 2016