أضحت فلول الشعبوية إحدى أهم السلط السياسوية الحزبية في المغرب الراهن، وهي سابقة لم تجرأ الجدرية السياسية التاريخية على بسطها، إن على مستوى بنية رصد معالمها – إن كان لها أثر يذكر- أو استخلاص بعض نشازها مما قل أو كثر من جنبات الممارسة السياسية ما قبل الاستقلال أو بعده.

تشكل الأحزاب السياسية المغربية ارتبط فكريا وواقعيا بوجود الاستعمار الفرنسي، وهو ما انسجم مع دوافع تعضيدها كأداة سياسية وتنظيمية لمحاربته.

ثم تلى هذا التقعيد الاستراتيجي لتاريخ الأدب السياسي المغربي المنعطف التاريخي لمرحلة النضال السياسي بعد الاستقلال، والتي يسميها المفكر الفرنسي جون كلود سانتوشي في كتابه القيم: “الأحزاب السياسية المغربية تحت المجهر: تعددية تحت المراقبة” بمرحلة النضال ضد “سلطة المخزن – الدولة”، حيث تقوى رهان إمكانات الدولة الحديثة التي وطّن بعض أركانها المستعمر الفرنسي.

إلى هنا عاشت الحزبية السياسية المغربية أقوى طفراتها، موثقة بذلك فترات الانتعاش المزدهر والحضور اللافت. يكفي أن نتذكر القادة التاريخيين الذين أسسوا النواة الأولى لما يسمى بالأحزاب الوطنية، وهي حزب الشورى والاستقلال، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي المغربي، بالإضافة إلى أحزاب الشمال المغربي الواقعة تحت الحماية الإسبانية والتي كان عبد الخالق الطريس أبرز قادتها التاريخيين.

إن الإبداعية السياسية كقيمة مضافة للممارسة السياسية والفكرية لم تنحز في الغالب الأعم إلا للأصوات الحرة والمستقلة، التي تخوض تباعا بين تحقق الكفاءة العلمية والثقافية والمقاربة الواقعية القائمة على الحس الوطني وتشكلاته المجتمعية والسياسية.

ولهذا كان امتداد النضال الاستقلالي في جوهره يتماشى ومؤثرات الزعامة والاستقامة. وهو ما كان معتمدا لدى القيادات الأولى لصف الزعماء، من أمثال علال الفاسي والمهدي بن بركة وعبدالرحيم بوعبيد وعبدالله إبراهيم وعبدالخالق الطريس والصديق بن العربي وأحمد المنجرة… إلخ.

والشيء بالشيء يذكر، فقد اعتمدت هذه الدرجة الاستثنائية من التأسيس السياسي على منطق القوة العقلانية، بالمعرفة العصرية، وبالانتماء الوطني، حيث الالتفاف الجماهيري الحاشد حول الزعامة الشعبية، اقتناعا وقناعة لا يتأثران بالزمن ولا ينساقان خلف أوهام التغيرات والاستحقاقات، مهما اختلف الوضع وانحرف..

وفي هذا المجد التابث توسيم لأساسيات الفعل السياسي وممارساته. بل إنه ترسيم للنظرية السياسية المغربية ومنطلقاتها المدنية القائمة على الشجاعة والفضيلة. قيم تجسدها مناهج الاعتدال والوسطية والمعقول، ويشكل فيها الفرد الزعيم حلقة عرفانية تقترب من بدهيات السلوك السياسي المنضبط للتوجهات الكبرى التي تقوم عليها مباهج القيم وأخلاقياتها.

إن أكبر شهادة على عسر الهضم الذي طال السوق السياسية المغربية العرجاء في وقتنا الراهن هذا الاندفاع المشؤوم باتجاه تحرير السياسة من منطق العقل، وتدبيجها بسوء تنظيم الأفكار وتحصينها من شوائب الكذب والغش والنفاق.

وهي لعمري أسوء بؤرة لإشاعة الجهل وإخراس الحكمة. فمنزلقاتها تروم دوما تنويع البواعث الشعبوية وتقديمها قربانا لمغالبة القياس والمعاودة وتدقيق الخطى.

وفي هذه الأساليب النافرة التي تواكب فترات انحسار العمل السياسي الرصين في بلدنا ما يعيق رؤيتنا عن تفكيك مظاهر العبث وانتشاره على نطاق واسع بين شبابنا وشاباتنا. بل إنه استأثر بعقول من نخبنا الثقافية، فأصبحنا لا نطيق فهم هذه القابلية الفجة بين سياسيين يمارسون لعبة وخز السياسة ديماغوجيا وبراغماتيا وآخرين لا يملكون ما تعتوره سلطة الانتماء السياسي ومخرجاته التدبيرية.

لقد فقدنا بوصلة “الأبولوجيا” أو كما سماها سقراط بالاعتذارات، عما تفعله بنا المقامع السياسية، انحرافاتها التي تترى على القواعد المتعارف عليها. أو على الأقل، مؤسساتنا القيمية الوطنية. إذ لا يذكر تاريخيا ما يشرف هذه الانتظارت من تجسيد الروابط الديمقراطية والحقوق الموازية لها، في مقومات انشغالنا بالحكم وسلطة الحكم.

والحق أن الانتقال الديمقراطي الفتي ببلادنا كان أحد أهم دوافع هذا التردي، فمرحلة التوافق مع الحكم والتي بدأت بقبول أحزاب الحركة الوطنية لدستور العام 1996 الذي مهد الطريق لتجربة تناوب توافقي تحولت فيه أحزاب ما كان يسمى بالمعارضة – وهي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الوطني الديمقراطي- إلى شريك صغير للحكم في مشروعه وخياراته وأسلوب إدارته، كانت له آثار وخيمة على الراهن السياسي، وعلى سيرورته ومساراته.

ثم إن انحسار العمل السياسي، عند تقييمنا لجاهزية الأحزاب السياسية في لعب أدوار عميقة تكون معبرة فيها عن الاتجاهات والرؤى والقناعات والأفكار السائدة في المجتمع، كجملة أهداف تقوم مبدئيا على التجدر الاجتماعي وتمثيلية الشرائح المجتمعية، يجعلنا نخمن باسترسال عن مسار الديمقراطية الداخلية لتلك الأحزاب واستراتيجية عملها ضمن منظومة مخططة ومؤهلة لنشر الثقافة السياسية والمشاركة السياسية.

لا نغالي إذا قلنا إن كآبتنا السياسية وصلت للحد الذي لا يفلق حدسها طبيب نفساني، فحتى منطقة الظل تلك التي يستطيع فيها الرائي أن يغالب تشوهات سياسية منذورة للموت والامحاء، أصبحت مغلقة بالفضائح والرزايا.

فمن منا يصدق الغليان الأجوف والافتراء المحبط لواقعية سياسية بئيسة، تأكل من شظايا العسف الاجتماعي والظلم الممارس على الطبقات المحرومة من الشعب المقهور؟

ثورة الشعبوية السياسوية، الردة المومسة التي اجترجت خريطة وجودنا وانتمائنا ترابط في الجحيم المنتظر، وفي الساعة المتبقية من عمرنا الآتي.. تسرنمت فيها الأيديولوجيات وتمترست، واندغمت في لفيف خانق ومتمكن، يقتل ما فينا من أنفاس.. بل إنه يعذب فينا قدرتنا على الصراخ.. والكتابةَ..

*عن موقع التجديد العربي

 الخميس 11 فبراير 2016